يُعد القاص الأردني الشاب إبراهيم يوسف العامري من أهم الأصوات الأدبية التي تزخر بها الساحة الأدبية العربية في مجال كتابة القصة، إذ ينسج خيوط هذا اللون بكل حب، ويدافع عنه بكل شراسة ليضمن لهذا اللون الأدبي انتشارا أوسع، وفي هذا الحوار الشيق الذي جمعنا به، تحدث بمواضيع عدة، تخص مساره الأدبي ونظرته للقصة، وعن ظروف هيمنة الرواية وجوائزها، والنقد الأدبي وهمومه، والجرح العربي النازف وبقع الدم المنتشرة فيه، تحدث عن الأمل واليأس، عن المواقع الإلكترونية ومساهمتها بالارتقاء بالثقافة العربية والترويج لها، على غرار موقع «مجلة الجسرة الثقافية الإلكترونية» التي يديرها، تحدث عن مجموعته القصصية «انفولنزا الوحدة» وطقوس الكتابة وهمومها، هي مواضيع وأخرى خصنا بها في هذا الحوار المميز.
٭ انفولنزا الوحدة» عنوان مجموعتك القصصية الأولى، وهي عتبة مكونة من كلمتين، إحداهما كلمة عضوية تعني المرض الذي يصيب الجسد، والكلمة الثانية معنوية لكن هي الأخرى مرض يصيب الروح والنفس، مع أن معنى ومقصد العنوان هو حق خالص للمؤلف لكنني سأتجرأ وأسأل، ما المقصد بهذا العنوان الحداثي؟ وهل يعكسك نفسيتك بشكل أو بآخر؟
ـ لعل الوحدة هي أكثر ما يمكن معاناته من قبل البشري، لتعارض هذا مع تعريف الإنسان الأول، وهو الذي يأنس للآخر ويعيش معه ، وهي مرض ينتابنا حين نشعر بالبون عمن نحب، ونشفى منه مع الوصال والاقتراب الزمكاني الحميم، العنوان هو اسم أحد القصص في المجموعة والتي تحكي هما عشته شخصيا وهي بطريقة أو بأخرى تعبير دقيق عن حالة مهمة عانت منها هذه المجموعة.
٭ هل تقصد بأن القصة هي محاكاة لواقع ما، على العموم ما مدى ارتباط القصة بالواقع؟ وكيف ينعكس هذا الواقع المعاش على نص أدبي افتراضي؟
ـ الكاتب في كل الأحوال والقاص تحديدا يتكأ على واقع يعيشه في رحلته لبناء عالم نصه، فالخيال فهي الأحداث المتخيلة في القصة، التي هي حالات تُرشح من مفردات العيش الحقيقي للكاتب وما يدور حوله مهما كانت مخياله قادرا على صناعة حدث خاص لا يشبه الواقع، فما يكتب ما هو إلا إعادة إنتاج للواقع برؤيا شخصية أو صورة تشبه مضمون المعاش وتختلف عن شكله، وخفة هذه المحاكاة وجدتها ما تصنع نصا مختلفا في الابتكار والتجديد.
٭ بالحديث عن العنونة، لقد تحولت هذه الأخيرة إلى علم قائم بذاته، بوصفه أول العتبات النصية التي يواجهها المتلقي، إلى أي حد أصبح العنوان مهما بالنسبة لكتاب القصة الشباب أو النص القصصي الحديث؟ وهل تؤمن بحداثة العنوان وخروجه عن المألوف كي تقتنص من خلاله قارئ ذكيا؟
ـ بالتأكيد العنوان باب النص الأول وفاتحته، حيث يدخل القارئ من خلاله عوالم النص ومعناه، ويقيم أو يخرج مهرولا ، وفي فن القصة تحديدا العنوان أحيانا كثير ما يستخدم من قبل القصاصين كدلالة جلية على رسالة القصة المضمرة، خصوصا في القصة القصيرة جدا، حيث يعتبر العنوان بمعناه الدلالي مفتاحا مهما وقادرا على حمل القارئ بأسهل طريقة إلى عالم النص ومعناه المراد، لهذا قد يغير الكاتب عنوانه مرارا بما يتناسب مع الزفير الأخير الذي ينهي فيه نصه الإبداعي.
٭ لكن ألا ترى بأنه ـ أي العنوان ـ يحمل من اليأس ما يحمل، والقارئ العربي تغيرت أحواله تقريبا وأصبح في رحلة بحث عن ما يعيد له الأمل، أي يبحث عن قصة يعيش من خلالها أملا وحلما ما، حتى عن طريق عنوان، ما مدى محاكاة عنوان مجموعتك القصصية بالتوجه النفسي للقارئ؟
ـ سؤال شائك، التوجه النفسي بالنسبة للقارئ عادة ما تحكمه توجهات ذاتية دفعت القارئ في البداية للخوض في رحلة قراءة العمل الفني، ولا شك أن العنوان ـ وأخص عنواني ـ يحاكي حالة تعاني منها شريحة كبيرة منا كقراء وككتاب، وترمي بظلالها على جو النص العام، ولا سيما الحالة النفسية التي تتمخض عنها، بالنسبة لحالة اليأس التي تتحدث عنها أخي نحن عاطلون عن الأمل، ولسنا يائسين وحالة التعطل هذه قابلة أن تكون أملا كبيرا يطرد اليأس، وينهض إن وجد الرافعة الحقيقية التي تدعم وتنير .
٭ كيف تكون عاطلا عن الأمل وفي نفس الوقت لست باليائس، هل يمكن أن تشرح هذا التناقض؟
ـ اليأس يعني الموت لكن يحدث حيناً أن يتعطل قلبنا عن الأمل فقط لمجرد جلوسك امام التلفاز و متابعة لغة الدم في كل بقاع وطنك العربي، قد تصل لتلك المساحة التي تتعطل فيها حتى عن البكاء .
الحياة هي قدرتنا على الأمل، أن فقدنا هذه القدرة أصبنا باليأس وهنا نموت ، قد يتعطل الحلم قليلا أو الأمل جراء ما يتعرض له من كم هائل من كدر الحياة ومن ألم يسيل من شاشات التلفاز وحناجر المذيعين، لكن فكرة الحياة دوما هي الأهم والأسمى والواجب اقتفاء أثرها، اليأس هو موت وأنا من طلاب الحياة .
٭ ما مستقبل القصة في ظل طغيان النص الروائي وتوجه المتلقى إلى الرواية؟ والى أي مدى ساهم الإعلام في هذا التحول الكبير؟ وفي رأيك لماذا لا نرى نجما في مجال كتابة القصة على عكس كتاب الرواية؟
ـ قضية الرواية مقابل القصة قضية كبيرة ويعزى هذا إلى أسباب تتعلق بالذوق العام والقدرة على التفوق الكمي الذي تمتاز به الرواية مقابل القصة، إضافة إلى صعود الثقافة السينمائية وتحول العديد من الروايات إلى أعمال سينمائية مما جعل القارئ يستريح من هذه السرعة المقية التي يمتاز بها العالم الآن فيعود لكلاسيكية ما في القراءة، وبالمقارنة بين القصة والرواية فإن القصة فن موجه نخبوي إن جاز التعبير لحاجته إلى قارئ متمعن يستطيع فك رموز الحدث القصصي المكثف والرمزي ويخرج بدلالاته ويعيش ومضته، أما الرواية فهي فن يمتاز بالتفاصيل والطول الزمني للحكاية وهي بكثير من التجارب فن تركيبي يمزج بين فنون السرد والشعر ويعبر بهما إلي مساحة تأخذ من القارئ كثير من الاسترخاء والتمعن فهي ليست معركة بين القصة والرواية لكنه ذوق عام يمتاز به القارئ هذه الأيام، أما حول عدم ظهور نجم في القصة بينما نجد نجوما فالرواية فإن السبب يعزل للإعلام وللجوائز المهمة التي تفرد للرواية، وأهمها البوكر التي صنعت للرواية أفضلية على حساب فنون الكتابة الأخرى.
٭ أنا أتفق معك فيما تقول، لكن لو نظرت دور النشر إلى القصة بمنظور تجاري لم طبعت أي مجموعة قصصية، على عكس الرواية، مع العلم بأننا نعيش في عصر السرعة وظاهريا نرى بأن القارئ بحاجة إلى قراءة قصة لا رواية مغرقة في التفاصيل، ما هي الحلول التي يمكن اللجوء لها لنستعيد جمهور القراء؟
ظاهريا القارئ بحاجة أن يقرأ أدبا جميلا، المسألة أصبحت معكوسة، سرعة الحياة وتحركها السريع أجبر القارئ على نوع من الممارسة الثقافية الأقل سرعة، فهو يستريح من هذه الهرولة المقيتة لكل شيء ويجلس في بهو البيت يحتسي فنجان شاي ويقرأ فصلا أو فصولا من رواية روجتها له ماكينة الإعلام الثقافي .
٭ من المفترض أن يكون الإعلام الثقافي حياديا وينقل الخبر كما هو، ما فائدة ماكينة الإعلام الثقافي التي تروج للرواية على حساب القصة ؟
في الحقيقة مسألة تراجع السعي للترويج للرواية مقابل القصة ما هي إلا استمرار لحالة التبعية الحياتية بشكل عام والثقافية بشكل خاص للغرب، حيث أننا نلاحظ في العصر الحالي أن المنتج الروائي الغربي في صدارة الحياة الأدبية هناك، وكإنعكاس لهذا الفعل الثقافي والذوق العام الذي يميز الثقافة الغربية التي تعتبر بنظرة العالم رائدة، فقد حظيت الرواية عربيا بترويج إعلامي واهتمام كبير كمجاراة لما يحدث في الغرب، لا سيما أن البوكر الغربي أصبح له نسخة عربية كما نعرف، ونلاحظ أن الذوق الغربي بات يعلي من شأن الرواية ويجعلها الفن الأول، لما للرواية من تأثير واضح في مختلف جوانب الثقافة والمعرفة، هذا من جهة ولطبيعة المتلقي أو القارئ للمنتج الروائي والقصصي بالإضافة أن السينما ساهمت إسهاما كبيرا في الترويج لهذا الجنس الأدبي، النص الروائي الذي يتحول لفيلم هو نص أصبح مشهورا فعلا وعرف كاتبه على مستوى العالم وهذه حالة طبيعية من الانتشار لأن المتلقي حاليا يميل للبصري المدهش ضمن حالة يومية من الثقافة العصرية والتي نشاهد فيها الذهاب للسينما ومشاهدة التلفاز أكثر من الجلوس وقراءة رواية أو مجموعة قصصية .
٭ أجبني بكل صراحة، هل تؤمن بأن كتابة القصة ما هي إلا تمرين لكتابة الرواية؟ وما قولك في الذين يطبقون هذا الطرح ويؤمنون به؟
ـ بالتأكيد هذا ادعاء باطل، القصة فن مختلف تماما عن الرواية، والرواية بشكل آو بأخر ليست مجموعة من القصص إنها حكاية طويلة منسوجة من البداية إلى النهاية، أما القصة فيهيمن عليها التكثيف والاقتصاد، وهي فن ومضوي يلتقط التفاصيل الحياتية الكبيرة بمساحة كتابية أصغر غنية تعبر عنه، وهناك كثير من القصاصين الأوفياء لفن القصة أمثال زكريا تامر محمود شقير وخليل قنديل صنعوا بصمة واضحة في الفن القصصي عربيا، بينما تحول كثير من القصاصين إلى الرواية بحثا عن الجنس الأدبي الأكثر رواجا أو لأسباب شخصية يعلما الكاتب نفسه .
٭ لقد ظهر لون أدبي مختلف من ناحية الحجم أو ما بات يسمى القصة القصيرة جدا أو الأقصوصة أو الومضة، ما مدى ملائمة هذا اللون الأدبي مع الذائقة الجمالية للقارئ؟ وكيف ترى مستقبلها؟
ـ لو كانت القصة صيادا لاصطادت عددا من الطرائد، ولو كانت الأقصوصة صيادا لاصطادت طريدة واحدة. الأقصوصة فن موجه بعناية لنخبة القراء وهي فن صعب للغاية تحتاج لأعلى درجة من الاقتصاد باللغة ومن تكثيف للحدث القصصي ومن التقاط دقيقي للومضة .
٭ على العموم نحن العرب كنا أصحاب حضارة وعلم وأدب، لكن اليوم أصبحنا أمة استهلاك، أي نستهلك كل ما يأتنا من الغرب، من المناهج النقدية إلى القوالب الأدبية وتناسينا هويتنا الحقيقية، هل هي أحد أوجه العلمانية؟ كيف ترى هذا من الناحية المظلمة والمشرقة؟
ـ احد أهم واخطر أنواع التبعية التي نعانيها كعرب هي تبعيتنا الثقافية للغرب ومنتجاته، سواء في النقد أو في القوالب الأدبية التي يحاول كثير من كتابنا استنساخها بلغة عربية، مما أنتج هوية مشوهة لا ترجع لمفرداتنا ولا لشخصيتنا العربية، وهذه نتيجة طبيعية للسطوة والهيمنة التي نعاني منها، لا اعتقد أن الموضوع له علاقة بالعلمانية آو الانزياح نحو اللاديني، فالغرب لا يعاني بجمله من العلمانية، وهناك منتجات ثقافية غربية ما هي إلا إفرازات لصراع ديني شئنا أم أبينا .
٭ نرى بأن هناك تنافر واضح بين النقد الأكاديمي والصحفي، الأول لا يتناول إلى الأسماء الكبيرة والملمعة على حساب أدب الشباب، والثاني يحاول فك الحصار على الأسماء الجديدة لكنه لا ينال اعترافا من الجامعة، هل سلطت الجامعة الضوء على أدب الشباب وأعطته حقه من الإهتمام؟ كيف ترى العلاقة بين النقد الأكاديمي والصحفي؟
ـ العلاقة مزاجية وشخصية هناك الكثير من الشباب تناولهم الناقد الأكاديمي لأسباب تتعلق بإنتاجهم واستحقاقه للدراسة والتشريح، وكثير منهم من تناولهم الناقد لأسباب شخصية أو حتى أيديولوجية، النقد الصحفي نقد انطباعي لأن مهنة الكتابة الصحفية هي بالأصل فعل انطباعي محترف، لا يتواني الصحفي الناقد فيه من تقديم وجهة نظره الشخصية والتي لا يستطيع إلا الانتصار لها، وبكل الأحوال فكرة الموضوعية في النقد الصحفي أو في الإعلام بشكل عام نادرة، لأنها تنتمي للإعلام نفسه والذي يحاول دوما تشكيل وجهات النظر للجمهور وصياغة آراءه لهذا فالنقد الصحفي عادة ما يكون أقل حرفية وأعني بالحرفية هنا المنهج النقدي الذي يختاره الصحفي .
٭ لنذهب إلى موضوع آخر وهو مشكلة التواصل بين الأدباء العرب وحتى الجماهير، لماذا مثلا ابراهيم العامري غير مطروق في الإعلام الجزائري ولا يُدرس في الجامعة الجزائرية؟ ولماذا مثلا العامري نفسه لا يقرأ كتابات القاص منير مزليني أو بن ساعد قلولي الجزائرين؟ ألا ترى بأننا نحن العرب مقصرون مع بعضنا البعض ولا نصنع جسور تواصل مع العلم بأنه تجمعنا هوية واحدة وهي اللغة والتوجه والخلفية والعرق، أليس هذا كافيا لنكون أمة واحد؟ وأن تكون مجموعة منير مزليني القصصية على رف واحد مع مجموعة إبراهيم يوسف العامري؟
ـ في البداية وعلى سلبيات مواقع التواصل الاجتماعي أود أن أعترف أنها صاحبة حق علينا كعرب حيث عرفتنا بالكثير من أبناء جلدتنا و شركائنا في الهم واللغة والمنتج الحضاري، وسبب هذا ليس بالتأكيد قوة هذه المواقع بل سببه حالة البون والتشظي الممنهجة التي تمارس على أبناء بلاد العرب من المحيط إلى الخليج، الأصل في شريحة الكتاب العرب الذين يعيشون تحت سقف لغة واحدة، ويشتركون في هم واحد أن يتم التقريب بينهم بشكل أوسع وبدون برتوكولات، وأن يعطى الكاتب العربي جوازا للمرور في أي بلد عربي و أن ينتشر إنتاجه الإبداعي كما ينتشر إبداع ابن القطر نفسه، وأضف إلى ذلك أن المثقف العربي أيضا يساهم في هذا البعد وقلة التلاقح.
٭ إلى أي حد وفقت المواقع الثقافية الإلكترونية وأنت تدير تحرير أهمها وهو موقع «مجلة الجسرة الثقافية الإلكترونية» في تقريب الصورة الثقافية العامة للعرب والتعريف بمنجز الأدباء العرب؟
ـ أشكرك في البداية على هذه الشهادة التي نعتز بها في «مجلة الجسرة الثقافية الالكترونية»، وفقت المواقع الالكترونية الثقافية تحديدا في تقريب الصورة الثقافية العامة للعرب وعرفت بمنجزها إلى حد كبير، فالموقع الالكتروني الذي تستطيع أن تطلع على محتواه من على جهاز حاسوبك أو من على هاتفك النقال بات الطريقة الأكثر سهولة للقراءة و تذوق الأدب والفن، وهذا فقط ينطبق على مواقع موثوقة لها كينونتها المعروفة والواضحة التوجه والتي لا تبث على صفحاتها الرقمية إلا المادة المفيدة البعيدة عن مفردات التطرف الثقافي أو الضغينة، والتي أصبح لها كتابها المكرسين الذين يخصونها بكل جديد، والتي أطلقت كتابا ناشئين وعرفت الساحة الثقافية بهم ، هذه المواقع هي رافعة قوية للمثقف العربي وهي منصات ومنابر لإطلاق الحدث الثقافي أو التحدث عنه ونشره، والمادة الورقية من كتاب أو مجلة أو حتى صحيفة ليست بالمطلق العدو أو العكس، الموقع الالكتروني ساهم ويساهم في انتشار كثير من المجلات والكتب الورقية عن طريق الترويج لها والتعريف بها إعلانيا .
حوار: عبد الكريم قادري