حوار ـ نضال القاسم: في تجربته الشعرية المتميزة، يحاول الأردني نادر هدى إقامة علاقة بين ذاته والآخر من جهة، وبين رؤيته وتشكيلها ببعدها الدلالي والمعرفي من جهة أخرى، فهو يدهشك بحضوره ويلامس شغاف القلب منك بثقافته الواسعة ورؤاه الثاقبة عبر مسيرة طويلة تستمر لأكثر من ثلاثة عقود.
* بداية، كيف تقدم تجربتك الشعرية للقارىء؟
** قصيدتي هي أنا في كل تفاصيلي وحالاتي وأشيائي الصغيرة والأثيرة، وأحسبُ أن النص الإبداعي يبدو منبتّا (مقطوعا) ما لم يكن صاحبه في عمق ممارسته وتجربته، لأنه في حقيقته استجابة وخلاصة لأحاسيس صاحبه ومشاعره ورؤاه الفكرية.
فالنص حالة إمتاع وامتناع ليُعبِّر عن صاحبه وبعد ذلك يأخذ هذا الكائن طبيعته الخاصة وسيمياءه الدلالية والبيانية، لتبقى الذات المبدعة تسعى وتطمح للنص الآخر الأجمل، وهكذا في متوالية حسابية وهندسية يكون النص والمبدع فيهما حالةً وسيرة وهدفاً.
لذلك تُقدِّم تجربتي نفسها للآخر كاستجابة لما أراهُ شاعراً عبرَ ذاتي الشاعرة الكونية التي تسعى إلى تعزيز قيم المثل العُليا في الحق والخير والجمال، وهذه هي رسالة الإبداع وغايته.
* أنت واحد من الأدباء الذين أنتجتهم مرحلة الثمانينيات في الأردن، ما الذي يميز تلك المرحلة عن غيرها في مسيرة الأدب العربي؟
** لا أومنُ بهذه التقسيمات، لكن ميزة هذه الفترة تكمن في أن الإبداع بشكل عام، والشعر خاصة، كان أقرب للقطاع الأوسع من المثقفين، وكان التفاعل واضحاً وجلياً بدليل أنه كان يُطبع آلاف النسخ للكتاب الإبداعي، في حين أنه لا يُطبع الآن أكثر من ألف نسخة على أحسن تقدير، ولعل السبب يكمن أيضا في تطور وسائل الاتصال في عصرنا، وثمة سبب آخر يكمن في ذات القصيدة التي أمعنت في التغريب تحت ادعاءات الرؤيا وما اقتضاه ذلك من إبهام (غموض) أوصل النص الإبداعي إلى حد الإغلاق.
ففي عصر السرعة، القارئ ليس معنياً بهذه التعمية وليس معنياً باحتقار ذكاؤه من قِبل مبدع يُنصٍّبُ من نفسه وصياً عليه في أنه يفهم ما لا يُفهم، وهذه إشكاليةٌ كبرى البحثُ فيها يطول، لذلك أعودُ وأقولُ إن تجربة السبعينيات والثمانينيات كانت علامة بارزة في مسيرة الأدب العربي في أن النص كان ابن واقعه وبيئته، وفاعلاً حقيقياً في الاستجابة ما بين المبدع والمتلقي.
* ما هي حدود قصائدك، وما هو أثر شعرك خارج الحدود؟
** جغرافيتي هي لغتي . بداياتي الشعرية كانت في بيروت حيثُ كنتُ تلميذاً جامعياً، خلال تلك الفترة أكّدتُ حضوري كواحدٍ من القوم معنيٌ بالتجربة الإبداعية في الساحة اللبنانية التي تعتبر مختبراً نوعياً وحاضناً لكل التجارب الإبداعية والفكرية التي كانت تمثلُّ التربة الخصبة لها، فبيروت كانت وتبقى مدينة التعميد الإبداعي.
في مثل هذا الجو تفتقت موهبتي، فرأيتني أشقُّ طريقي، وعندما عدتُ إلى الأردن كان اسمي معروفاً وتم الاحتفاءُ بي على هذا الأساس الشكلي، أما وقد عُرفتُ بأني أكتبُ قصيدة النثر فقد تمت محاربتي وامتنعت عليّ الصحافة والمنابر الثقافية، وبقي تواصلي مع غيرها خارج الأردن.
ولم تفك العزلة عني في الأردن إلا بعد صدور ديواني الثالث في قصيدة النثر «حبر العتمة»، والذي شكَّل نقلة نوعية في فرض هذه التجربة واندياح الآفاق أمامها، ويعد الميلاد الشرعي لقصيدة النثر في الأردن.
* ماسبب طغيان الحدث السياسي على حساب القضايا الجمالي في شعرك؟
** لنتفق بداءةً على تحديد المصطلح الذي غالباً ما يكونُ فضفاضاً وإشكالياً ومخَتلَفْا. أنا ابنُ واقعي وإذ أنا كذلك فانا استجابة لهذا الواقع بكل معطياته، لكن دعني أتوقف عند قولك «على حساب القضايا الجمالية»، أعتقد أنك مُحقٌ في تصورك إن أخذت الأمر من وجهة نظر شكلية محضة، أما إن أخذته من وجهة ما يتعلق بالمضامين، فأراني متفقٌ معك ومختلفٌ في آن.
فالجمالية هي جوهر الشعرية، وعلى هذا الأساس يُحاكمُ الشعر، وأعتقد أن الجمالية بما تعوزه من غرائبية هي من سمات قصيدتي وبها متسعٌ للقول، على ألا يخفف ذلك من أنني معنيٌ في أن أكون في الشارع لا في برج عاجيِّ، فالشاعر بأناه يمثِّل الأنا الكونية، وبرؤاه يُمثِّلُ الرؤى الإنسانية.
* ما هي حدود العلاقة بين الأدب والحرية برأيك؟ وكيف ترى مسؤولية المبدع في صنع المستقبل العربي في ظل أوضاعنا الحالية المتردية؟
** لا أدب مع القيود، فالأدب صنو الحرية ومجاله الفضاء الرَّحب، ومسؤولية المبدع في ذلك ان يُعزز آفاقها، ومن خلال الرمز والاستحضار في واقع نشهدُ فيه ابتعاد الإبداع عن واقع الناس في أن يكون ضرورة أمام معطيات واقع مُّر لا يرحم، يُصارعُ فيه لقمة العيش، هنا التحدي يكون واجباً على الشاعر في ألاَّ يُخلي مكانه سبيلاً ليتجاوز هذا الواقع في أن يدخل البيوت والقلوب، لأنه بالنتيجة هو المُعبِّرُ الحقيقي عن آمالها وآلامها، فالأباطرة والسياسيون والتُجَّار ذهبوا، وبقي الشعراء والحكماء والفلاسفة يصوغون ضمير الوجود في أنهم الشهادة والوثيقة المُعبِّرة عن واقعهم عبرَ الزمن.
* يرى البعض أنك أدخلت الشعر الى المعترك الكبير للحياة بانهماكه في قضايا العصر وتفهمه لمشكلات المجتمع وحاجاته وطموحاته، واستطعت أن تخلق من ما هو تافه شيئا جميلا يمارس فيه الإنسان حياة كريمة تسودها العدالة ويعمُّها الخير، ما رأيك بذلك؟
** أرى في سؤالك رأياً نقدياً أشكُرك عليه، كنك تقول أنني استطعت ان أخلق مما هو تافه شيئا جميلا، لعلك أردت بالتافه «الهامشي»، فإن كان كذلك فهو احد خصوصيات القصيدة المعاصرة، ورسالة الشاعر تكمن في تعزيز قيم المثل العليا، وهنا مكمن إمارة الكلام بمفهومها المعاصر على ما أرى.
* كيف تنظر إلى التجريب في الشعر؟ وبرأيك، هل انتهى عصر وجيل العمالقة في الشعر والأدب عموماً؟ وهل الحداثة هي السبب ؟
** التجريب في الإبداع – وسنامه الشعر- ضرورة لازمة ولازبة يفرضها الواقع، ولكن أيُ تجريب؟ وأي مدى من خلاله لنا أن نحرك المصطلح؟ هل هو التجريب المستمد من الواقع المتصارع والمتغير أم التجريب المستمد من النظريات الشكلانية التي نبتت في بلادٍ غير بلادنا وفي واقعٍ غير واقعنا؟ هنا يكمن السؤال الجوهري لنحدِّدَ أين نكون في الانتماء، لواقع نحنُ فيه ومنه، أم واقع ليس لنا يريد من يريد ان يُلبسنا ثوبه وعلى أساسه يحاكمنا.
إن النصَّ الإبداعي هو نصٌّ حيٌ بالقدر الذي يكون فيه استجابة لواقعه في تفاصيله وحالاته، وكثيرٌ من التجريب كان أداة تخريب، أسهم في بُعد الشعر عن جمهوره، على أن الشعر يبقى شعراً «فأما الزبدُ فيذهبُ جفاءاً وأما ما ينفع الناس فيمكثُ في الأرض». ولا أدّل على حضور الشعر من أن القصيدة كانت وستبقى حاضرة.
أما لجهة الفحولة والعمالقة في الشعر والأدب عموماً فهي ما زالت موجودة، ولها معاييرها، فأحسب أنها ستبقى، ولها أيضاً معاييرها التي تستمد من الواقع وتدل عليه.
أما أثر الحداثة في ذلك، فالحداثة كما أراها هي مضمونٌ إبداعي ومطلبٌ حيٌّ وحيوي في كل زمان ومكان، وهي شيءٌ من دهشة الشعر وقلقه، كي يستبدَّ بقارئه ويتمكن منه، فلا تُقاسُ بالزمن إذ أن الكثير من القصائد الجاهلية لا زالت اقرب حداثةً من كثيرٍ مما نقرا ويُقرا من شعر هذه الأيام، وللإبانة أكثر علينا ان نُميِّز في الشعر الجاهلي بين أشياء ومفردات ذلك العصر، التي لم يعد لها مكان أو مجالٌ للفهم الآن، وبين ما كان استجابة لمشاعر وأحاسيس ذلك الشاعر.
بالمقابل، أيُّ حداثةٍ تكمنُ في نّصٍ يمكن أن نقرأه في ديوانٍ شعري حديث الصدور فلا نكادُ نفهمُ منه شيئاً، ولا يكادُ يُشكِّلُ أدنى استجابة لمشاعرنا وأحاسيسنا؟ فالحداثة إذن معنى مضموني وليس مصطلحاً حديثاً كما يريده الشكلانيون.