الضرر الناجم لعدم مسؤولية الحكومة سريع وواسع جداً، إلى درجة يصعب التحذير به قبل سقوط لبنة أخرى من البنية التحتية للأمن القومي. لقد كُتب الكثير عن الضرر المباشر، من الجنوب والشمال، بسبب المماطلة في محاولة لمنع اتفاق وقف إطلاق النار وإعادة المخطوفين وتهدئة الساحتين. هذا إلى جانب إسهام الاستفزازات على الحرم وخنق الاقتصاد الفلسطيني، وتصعيد عنف المستوطنين في “يهودا والسامرة”.
الأمر مختلف فيما يتعلق بضحية محتملة قادمة لكل هذه الأمور. فالعلاقات مع دول السلام، القريبة والبعيدة، أول من ستتضرر مع مصر والأردن.
كان السلام مع مصر إنجازاً تاريخياً لمناحيم بيغن وكان هو العملية الاستراتيجية الأهم منذ إقامة الدولة. فقد أخرج أقوى وأهم الدول العربية من دائرة الحرب. خلال سنوات كثيرة، تجاوز مستوى التنسيق الأمني بين الدولتين أي تصور، وخدم المصالح الأمنية للدولتين. الآن، قرار الحكومة تخليد وجود إسرائيل في محور فيلادلفيا، الذي يعني احتلال القطاع والسيطرة على 2 مليون مدني بدون موعد للانتهاء، أدى إلى رد غير مسبوق من مصر.
جهات أمنية مصرية حذرت في محادثات مع نظراء لها في البلاد ومع المستوى السياسي، من النتائج الخطيرة لهذا القرار. حسب قول هذه الجهات، ستكون السيطرة على القطاع دموية ومليئة بالأحداث التي تنطوي على عدد كبير من المصابين في الطرفين، وستضعضع الاستقرار في المنطقة كلها، وستضر بمصالح مصر الأمنية. جربنا على جلودنا ما نجم عن تجاهل التحذيرات المصرية التي سبقت وحشية حماس في 7 أكتوبر. وعقب التجاهل الحالي، أرسلت المنظومة السياسية في مصر والجيش المصري أيضاً، إشارات علنية تجسد خطورة التطورات حسب رؤيتها.
الأردن، الذي منح اتفاق السلام مع إسرائيل ذخراً أمنياً لا بديل له والعمق الاستراتيجي للعمل جواً وبراً أمام إيران والآخرين الذين يكرهونها في الشرق والشمال، بدا أقل قوة من مصر وأكثر عرضة للخطر من الداخل والخارج. وليس عبثاً أنه يبث إشارات الضائقة. استمرار الحرب في القطاع والاستفزازات في الحرم ودعم إرهاب المستوطنين وخنق السلطة الفلسطينية اقتصادياً… كل ذلك يدفع الشباب الفلسطينيين إلى أحضان الجهات الإرهابية، ويضطر الجيش الإسرائيلي إلى التشدد في ردوده، وهذا التصعيد يهدد استقرار المملكة. إن عدم الاستقرار في “المناطق” [الضفة الغربية] يمهد الأرض أيضاً لأعمال التخريب الإيرانية، ما يظهر سواء باستخدام حدود المملكة لتهريب السلاح والأموال لـ “المناطق” أو بزيادة الجهود لتقويض استقرار النظام الأردني. لسنا بحاجة إلى خيال واسع لنصف التحديات الأمنية التي قد تنشأ إذا استقرت المليشيات الإيرانية، وليس الجيش الأردني، على الحدود الأطول لنا.
الحكومتان في القاهرة وعمان تقفان أمام ضغط الرأي العام لقطع العلاقات مع إسرائيل وإلغاء اتفاقات السلام.
في دول السلام البعيدة أيضاً، دول اتفاقات إبراهيم، الأمر الذي يعتبر الإنجاز الأهم وربما الوحيد لنتنياهو والذي غير وجه المنطقة، تبدو الأمور هناك مؤثرة أيضاً؛ فالإمارات غير مستعدة للموافقة على طلبات رئيس الحكومة المتكررة لتوجيه دعوة له للزيارة. ليس هذا فحسب، بل تعبر مراراً وعلناً عن غضب من سياسة إسرائيل، وبإشارات دبلوماسية هادئة جمدت مشاريع مشتركة وقلصت اتصالها مع الحكومة. وكلما زادت الإمارات شدة الرد، فعلينا التوقع بأن البحرين والمغرب سيعقبانها أيضاً.
إن استمرار هذه العمليات سيضع حداً أيضاً لاحتمالية دمج إسرائيل في تحالف إقليمي قوي لصد عدوان إيران وامتداداتها، وسترسل احتمالية تطبيع العلاقات مع السعودية إلى الحقيبة المليئة للفرص الضائعة.
إذا لم يتم وضع حد للجنون الذي يوجه حكومتنا، فسيكون المس بأمن دولة إسرائيل ورفاهها فورياً وسنشعر به لعشرات السنين.
نمرود نوفيك
هآرتس 11/9/2024