جانب من مدينة الخليل ويظهر فيه الحرم الإبراهيمي
الخليل- “القدس العربي”: بهمّة وحماس، يعمل أعضاء نادي الندوة الثقافي في مدينة الخليل على سلسلة من الأنشطة والفعاليات المرتبطة بالأدب والثقافة والسينما منذ عام 2011، لكن الجهد الأهم الذي تم الإعلان عنه يوم الأربعاء في حفل بهيج بمدينة الخليل، التي تشهد أكبر عملية تهويد إسرائيلية، هو إطلاق الأرشيف الخاص بالمدينة.
ويبدو لأحمد حرباوي، رئيس النادي، والأعضاء من فئة الشباب، أن مدينة الخليل جنوبي الضفة الغربية، مدينة منسية ومهمشة في ضوء التركيز والاهتمام بمدينة المركز رام الله.

ويقول لـ”القدس العربي” إنه “في بعض المدن مثل رام الل،ه هناك اهتمام رسمي ومؤسساتي كبير بتاريخ المدينة، وهو أمر يأتي بما يتوافق مع توجهات ورؤى سياسية محددة ووفق أيديولوجيا تريدها الجهات القائمة على المؤسسات، حيث يترتب على ذلك إهمال تاريخ المدن الأخرى، وتهميشه وعدم التعاطي معه، رغم أهميته بالنسبة للمدن ذاتها ولتاريخ فلسطين المحتلة”.
ويربط الشاب حرباوي مشروع الأرشيف الرقمي للمدينة، بالذاكرة الجمعية للمكان وعلاقة سكانه بهذا التاريخ الذي يتشكل غالبا عبر الذاكرة، وتحديدا في مدينة محتلة تعيش أكبر عملية تهويد مستمرة.
بحماس وثقة، يتحدث حرباوي عن الحفاظ على الذاكرة والعمل على بنائها، معتبرا أن “هذا واجب وطني ومقاوم ولا يجب التقصير فيه، فسقوط الذاكرة وضياعها يعادل ويوازي ضياع الأرض”.
ويرى أن مهمة الحفاظ على ذاكرة الجيل بمثابة دور مهم للمشروع، وتحديدا عندما يكون الحديث عن مدينة الخليل العريقة ذات التاريخ والثقافة المميزة.
يدرك حرباوي والفريق الذي معه، ويتكون من 40 شابا وفتاة، أن الغلبة والقوة هذه الأيام للاحتلال الذي يقوم بالمحاصرة والمصادرة والسيطرة وتزوير هوية المكان، لكنه يرى أن هذا كله مؤقت، كما أن إحدى أكبر طرق مواجهته، تتمثل في بناء ذاكرة المدينة عبر ناسها ومواطنيها.
وبدأ مشروع الأرشيف الرقمي الذي جمعه فريق التأريخ الشفوي من بيوت المدينة وذاكرة الكبار، في عام 2018 بأربعة متطوعين، لكنه اليوم يقف على 40 متطوعا.
وكي يضمن الفريق تواصلا فعالا مع كبار المدينة الذين يمتلكون ذاكرة المكان، فإن المبادرة لجأت إلى أجيال وسيطه، تقع ما بين جيل الشباب وجيل كبار السن، من أجل التمهيد وتعزيز التواصل في جلسات التأريخ الشفوي لضمان نتائج فعالة في عملية التذكر والتأريخ.
ويلعب الأرشيف الأول من نوعه في الخليل التي يبلغ عدد سكانها قرابة 215 ألف نسمة، دوراً مهما في حالة الصراع على المدينة والرغبة بمحو تاريخها ومصادرته.
ويؤكد حرباوي: “يمكن أن نتخيل أنه لا توجد قاعدة بيانات للمدينة تغطي 200 سنة ماضية، وكل ما هو متوفر هو كتابات كلاسيكية تقليدية وقصص دينية، وهذا لا يلبي حاجة الباحثين للمعلومات حول تطور المدينة وتاريخ المكان وما طرأ عليه من تحولات”.
يضيف: “قبل أن نبدأ بأية عملية بحث، مطلوب أن تتوفر البيانات والمعلومات، ويجب أن تلتزم هذه المعلومات بالعلمية والدقة وهو ما يعمل عليه المشروع من أجل الحفاظ على الذاكرة الفلسطينية في مواجهة التهويد والطمس وإلغاء الوجود”.

وشمل حفل الإطلاق في مسرح بيت الطفل في الخليل، عرض فيلم “منفيون في الحاضر” الذي يوثق رحلة فريق التأريخ في جمع الأرشيف وإبراز المحطات التي عبروا منها نحو التاريخ والذاكرة. وفي نهاية الحفل، أُطلق الأرشيف إلكترونيًا ليصبح متاحا للجمهور العام، حيث تتكون أقسامه من العهد التركي والعهد البريطاني والعهد الأردني والعهد الإسرائيلي، كما يتضمن قسما خاصا بأغاني الخليل التراثية التي جمعت من سيدات المدينة، وقسما يضم حكايات من الأرشيف وارتباطها بتحولات المدينة الثقافية والاجتماعية والسياسية، إضافة إلى زاوية خاصة بالزيارات الميدانية.
وعمل فريق العمل منذ ثلاث سنوات برفقة مجموعة من المتطوعات والمتطوعين على زيارات منزلية، وعقد لقاءات مع كبار السن، وممن عايشوا فترات حكم سابقة، من أجل الاستماع لشهاداتهم عن الخليل، والحصول على وثائق أو صور بحوزتهم. كما عمل الفريق على ترجمة بعض النصوص التي يتم الحصول عليها، خاصة الفرنسية أو التركية أو الإنكليزية منها، وتصويرها وحفظها مع كتابة نبذة عنها، ليتم بعدها حفظها على الموقع الإلكتروني، الذي سيكون بمثابة مرجعية للأوراق البحثية أو الدراسات في تاريخ الخليل.
الأكاديمي الدكتور بلال الشوبكي، علق على المشروع قائلا: “يأتي المشروع في ذكرى وعد بلفور، حيث تكثر الفعاليات الاستعراضية والسطحية، لكن فريق النادي الواعد أطلق الأرشيف الرقمي لمدينة الخليل، أرشيف جمعوه من بيوت المدينة وحاراتها، يوثق بالمستندات والصور والأغاني والحديث ما قبل الوعد وما بعده بعقود، أرشيف يعزّز بنيان أهم حصوننا وهي ذاكرتنا الجمعية”.
بدوره يختم حرباوي أن من يقدم الدعم للنادي في مشروعه الحالي ليس جهات رسمية يفترض أن يقع على عاتقها تأريخ المدينة ومراحلها المختلفة، بل هو إيمان الشباب بتاريخ المدينة وروحها، والمواطنين كبار السن الذين يفتحون أبواب منازلهم وخزائن تاريخهم وذاكرتهم الشخصية لفريق العمل.
وحمل إطلاق الأرشيف انطلاق رغبات الكثير من المتطوعين للانضمام للمشروع. فعملية الإطلاق بحسب أعضاء النادي، ما هي إلا مجرد بداية حيث سيترتب على ذلك مزيد من أعمال الجمع والتوثيق والحصول على الذاكرة الشفهية لسكان المدينة.
يذكر أن النادي هو بمثابة كيان ثقافي تطوعي يعتبر الأول من نوعه في محافظة الخليل، حيث تكون هذا الفريق تباعا من خلال العمل المشترك بعد تأسيس صالون ثقافي عام 2011 على يد مجموعة من المهتمين بالشأن الثقافي.
وبحسب المعلومات التي يتيحها النادي، فإن الفكرة تطورت من أجل إنشاء مؤسسة عصرية منفتحة الأفق على الإنتاج الأدبي وتنوعه من أجل عدم ترسيخ السائد وخلق جو تفاعلي متنوع قائم على أسس إنسانية وذات طرح عالمي، ليتم الإعلان رسميا عن تطوير الندوة الثقافية لتعمل تحت اسم نادي الندوة الثقافي في منتصف عام 2019، في محاولة من مؤسسيه ورواده الجدد لتحقيق رسالة تفضي إلى تطوير العقل النقدي عند مختلف الفئات وخاصة الشباب من خلال الأنشطة الثقافية، والندوات الفكرية، ومناقشة الكتب والأدب، ضمن عمل مختبر السرديات الفلسطيني، الذي يهتم بدراسة ونقد السرديات الدينية أو الأدبية أو التاريخية والتراثية، على أسس منهجية علمية، وفق آليات بنيوية وتفكيكية وتداولية.
ويتمثل هدف النادي الرئيس في توفير بيئة مناسبة لنسج العلاقات الثقافية من أجل القيام بتحقيق جملة من الأهداف التوعوية والتنويرية، حيث تعاني المدينة من نضوب كبير في المؤسسات التي تعنى بالشأن الثقافي والفني، مما أدى إلى وجود عدم اهتمام واضح في الحقول المعرفية والأدبية من واقع افتقار المحيط الاجتماعي للمراكز الفنية والبحثية ودور السينما.
رابط الأرشيف: