في هذا العالم الصعب والقاسي ما يجعلنا نتشبث بالحياة. ألم تكن الحكاية سرَّ نجاة شهرزاد من موت كان يترصدها ولا سبيل لها إلا القص عن زمن مضى وزمن كان يعاش في اللحظة نفسها؟ أعتقد أن رواية ليلى الأطرش الأخيرة: لا تشبه ذاتها (دار الشروق، 2018) بنيت على هذه المقولة بامتياز. حبيبة، بطلة الرواية، في سباق محموم ضد موت يتربص بها في كل ثانية، ولا سبيل لها للاستمرار في الحياة إلا بإنهاء الحكاية والبحث عن كل ما يمكن أن يربطها بالحياة، لأن الحياة تستحق منا ذلك.
وكما عادتها في معظم رواياتها: وتشرق غرباً (1988)، وامرأة للفصول الخمسة (1990)، وليلتان وظل امرأة (1996)، وصهيل المسافات (1999)، ومرافئ الوهم (2005)، ونساء على المفارق (2008)، ورغبات ذاك الخريف (2010)، وأبناء الريح (2012)، ترانيم الغواية (2014)، تشكل البنية المكانية هاجساً من هواجس الكتابة الأساسية عند ليلى، وهو ما نجده في أغلب الكتابات التي تخترقها موضوعة المنافي وفقدان الأرض الأولى. وجدناها عند الكتاب الألمان الذين هربوا من النازية، وعند الفرنسيين المهجرين، وعند الكتاب الجزائريين باللغة الفرنسية، وهذا يأتي ضمن تقليد روائي فلسطيني من غسان كنفاني إلى ربعي المدهون اليوم. وربما كانت الجملة المفتاحية التي وردت في الرواية محدداً أساسياً لمسارات لا تشبه ذاتها: جملة قادتني نحو مي وردت على لسان حبيبة: أحس بأنني من مكانٍ لا أعرفه. ولدتُ في بلد، وتشكل وعيي في بلد، وأبدأ معك في بلدٍ لم يخطر على بال. وقد وردت في شكل تناصي حزين مع مي زيادة، وهي تحس بأن أمكنتها ضاعت ولم تعد إلا لغة: ولدت في بلد، وأبي من بلد، وأمي من بلد، وسكني في بلد، وأشباح نفسي تنتقل من بلد إلى بلد.
اختارت ليلى الأطرش المذكرات كنظام سردي لإيصال انشغالات حبيبة المتمردة بقوة التي، حتى عندما تنكسر ولا تشبه ذاتها، سرعان ما تعود إلى مساردها التمردي في الحياة ولكن عن طريق الكتابة أيضاً، تكتب مذكراتها وهي ممددة على سرير في مركز الحسين الاستشفائي للسرطان بعمان، كل هدفها أن توصل لابنتها الوحيدة منار تمردها القوي والمصائر البشرية القاسية والمرض الصعب، والموت، ذلك الظل الصامت. ربما كان الموت أهم بطل متخفّ تحت الأحداث الكثيرة، فهو يتربص بحبيبة التي تريد أن تقول كل شيء في الزمن المتبقي من حياتها، وكأن الحكاية كلها لم تكن إلا وسيلة للملمة كل هذا التاريخ الاجتماعي والسياسي والثقافي والفردي، ووضعه أمام القارئ من خلال تاريخين شاءت الظروف أن يتقاطعا في غير ما موقع: أفغانستان وفلسطين.
بهذه الرواية، غادرت ليلى المساحات الفلسطينية والعربية المعهودة التي شكلت أرضيتها الإبداعية في روايات أخرى، وغامرت في اتجاه أعم، ليس بعيداً عنا ثقافياً وحضارياً.. أفغانستان، دون أن تفقد العلاقة كلياً مع فلسطين من خلال شخصية منذر، المقدسي الذي تخلى عن تاريخه وتاريخ شعبه، ليصبح وصولياً، فخسر كل شيء في القمار، لا يعرف من القدس إلا ما روي له. حاول استغلال معاهدة السلام لصالحه، في وادي عربة، بين الأردن وإسرائيل لينمي أعماله التجارية. أسس برفقة زوجته شركة بيع الأدوية الطبية وتصدير المنتجات الزراعية من عمان. تحاول زوجته حبيبته إنقاذ ما يمكن إنقاذه، لكن زمنها هي أيضاً كان قد انتهى.
تنفتح المذكرات على آلام الفقدان الذاتي والجماعي وتنشئ أمامنا الكاتبة تاريخاً مشتركاً، أفغانياً وفلسطينياً. نحن في حقبة سادتها الطالبان الذين دمروا كل عناصر التحديث في أفغانستان، أحالوا كل البلاد إلى رماد. فقد مسح جهلة القرون الوسطى معهد الموسيقى الجميل، وكسروا البيانو، أحرقوا قصر الملك ومحتوياته، محوا لوحات نادرة لفنانين عالميين، وكسروا أواني البورسولين وثريات الكريستال. لا شيء سلم من خرابهم وتطرفهم، حتى فرصة التحديث التي تبناها الملك، انتهت. لهذا أصبح لزاماً على عائلة أرسلان مغادرة أفغانستان عبر كابول إلى لندن: الأب أرسلان، الدبلوماسي، وزوجته هانية، وأبناؤه ومنهم حبيبة المتمردة على التطرف والعقل الضيق. تجد العائلة نفسها في المنافي اللندنية مع العائلات الملكية الكبيرة المنفية، فيرتبط الأبناء زواجياً بنفس الطبقات. مهاب، كبير الأبناء، يرتبط بحفيدة الملك الأفغاني الأسبق، ظاهر شاه. فردوس تزوجت بالأمير رضا شاه. حبيبة درست الطب والتقت، في عيادة الدكتور جونسن، بمنذر الشاب المقدسي الذي درس بأمريكا، وهو من عائلة فلسطينية مهجرة في 48. يتحابان وتتطور العلاقة إلى زواج لا يستمر طويلاً، إذ ينتهي بالطلاق والإفلاس. انتهازية منذر فوق أن تطاق. ربما كانت هذه اللحظة تحديداً، التي أزالت فيها ليلى القداسة عن الفلسطيني، واحدة من أجرأ اللحظات، إذ لم تعد صورة الفلسطيني مثالية في المطلق. فهو لا يختلف عن الشخصية العربية التي تخترقها كل الأمراض الاجتماعية والنفسية. منذر كان يبيع ويشتري مع الصهاينة، داخل منظومة تطبيعية وجدت مبرراتها في اتفاقية وادي عربة. في هذا المدار الصعب تكتشف حبيبة أنها لا تشبه نفسها، خسرت أرضها وتاريخها التمردي، ولا تريد أن تخسر كل شيء وهي تبحث عن أرض ثالثة، بعد أفغانستان ولندن، أرض الكتابة. فقد كانت تحتاج إلى قوة خارقة من الصبر والذكاء لتبدع تلك الأرض الافتراضية السخية والأبقى: المذكرات/ الكتابة.
لكن المآسي غير المحسوبة تنبت فينا، قنابلها الموقوتة التي يخفيها الجسد، ولا تظهر إلا متأخرة، عندما يشعر هذا الجسد بالإنهاك القاسي، والسرطان أشدها قسوة. المنفى مثل الدخان، قاتل، على الأمد المتوسط والطويل. ذكرني هذا بالكثير من المبدعين الجزائريين الذين أجبروا، في العشرية السوداء، على مغادرة الجزائر باتجاه المنافي الأوروبية المؤقتة. لكن هل يوجد منفى مؤقت؟ مات الكثير منهم لاحقاً بمرضين خطيرين: السكتات القلبية، والسرطانات القاتلة التي سرقتهم بشكل فجائي وفجائعي. المرض بالنسبة لحبيبة هو استراحة المحارب، وفرصة لإعادة النظر في عالم الغواية الذي جعلها لا تشبه نفسها.
اعتمدت ليلى على مادة تاريخية، تاريخ أفغانستان وفلسطين، ومادة طقسية كبيرة من المدافن، والأضرحة، وأشعار عمر الخيام، ونظام الملك وحسن الصباح التي يسترجعها أرسلان، والمولوية، والمزارات المرتبطة بقناعات العائلة بالخصوص الأم هانية التي ترى نفسها من سلالة الإمام علي، والتصوف، والنقشبندية وغيرها، الأمر الذي أعطى الرواية زخماً مهماً شديد الغنى.
استطاعت حبيبة، بإدراكها بضرورة كتابة نفسها وتاريخها وآلامها أن تجد أرضها الكبيرة: الكتابة. مساحة بلا حدود، هي ملكها الأبدي والعظيم. رفضت أن تظل معلقة في الفراغ بين أرضين طاحنتين، أفغانستان ولندن، وداخل منفى لا يفعل شيئاً سوى أنه يقتل الإنسان في العمق، وبصمت تتواطأ فيه الذاكرة والجسد المنهك.