سارة آغا وروب ريندر - (الصورة من موقع بي بي سي)
لندن- “القدس العربي”: حمل وثائقيُّ القناة الثانية في هيئة الإذاعة البريطانية “بي بي سي” اسم “الأرض المقدسة ونحن: قصصنا غير المحكية “، ويروي، في حلقتين، قصص عائلات فلسطينية ويهودية تأثرت مباشرة بنكبة فلسطين (كما تسمّى في العالم العربي)، وقيام دولة إسرائيل في 14 مايو / أيار عام 1948 (اسمها المعتمد على الضفة الأخرى)، استناداً إلى وعد بلفور البريطاني الذي صدر عام 1917.
كانت دير ياسين قرية مزدهرة وغنية وتربطها علاقات جيدة مع من يجاورها، لكن الحال تغيّر بعدما قامت العصابات الصهيونية بمهاجمة القرية وقتل أهلها في مجزرة فظيعة.
يتشارك في استعراض الوثائقي كل من البريطانية- الفلسطينية سارة آغا، والبريطاني اليهودي روب ريندر، إلى جانب أربع عائلات أخرى من أصول فلسطينية ويهودية، حيث يستكشفون كيف تأثّر تاريخُ عائلاتهم بما جرى في فلسطين من خلال تأسيس دولة إسرائيل في عام 1948. حيث يقول البريطاني– اليهودي روب ويندر في الوثائقي إن ذلك الحدث بالنسبة لليهود في جميع أنحاء العالم، شكّل محطة للاحتفال، وفرصة طال انتظارها للعثور على مكان آمن، وخاصة بعد محرقة الهولوكوست التي أصابتهم في أوروبا. في المقابل، تقول البريطانية الفلسطينية المولودة في لندن سارة آغا إنه بالنسبة للفلسطينيين فإن قيام إسرائيل على أرض فلسطين هو نكبة أدت إلى تهجير أكثر من 700 ألف فلسطيني، وجعل منهم لاجئين (في دول الجوار والعالم)، وأسفر عن تدمير مئات البلدات والقرى الفلسطينية التي أصابتها النكبة.
تبدأ قصص الوثائقي من وسط لندن، حيث تزور سارة والدها محمود آغا، المولود في قرية الدلهمية في فلسطين عام 1946، وهو ما زال يحتفظ بصورة والده خضر ووالدته خزنة، ويقول: “أنا فلسطيني مئة بالمئة، وكان عمري سنتين عام 1948 حين هوجمت قريتنا الدلهمية ودُمّرت بالكامل، ولم يكن بوسع والدي ووالدتي إلا الفرار للنجاة من القتل، وهذا الأمر نتذكّره جيداً وكأنه حصل معنا بالأمس”.
تلتقي سارة أيضاً بالبريطانية الفلسطينية شيرين زيدان في منزلها، حيث تنحدر العائلة من قرية دير ياسين في فلسطين، وهُجِّر والدها أحمد وجدتها نزهة خلال تدمير القرية بالكامل، وقتل سكانها عام 1948، وعن ذلك تقول شيرين إنه شكل صدمة كبيرة ولم تندمل جراحها.
تتفق سارة وشيرين على السفر إلى فلسطين لأول مرة لاستكشاف قصص أجدادهم، وما حصل من تدمير قراهم وتهجيرهم منها. ومن الجهة الأخرى يتفق البريطاني– اليهودي روب ويندر مع عائلة بريطانية– يهودية مكوّنة من الشاب ديفيد ووالده للسفر إلى “إسرائيل”، واستكشاف قصة جدهم الذي هاجر إلى فلسطين من أوروبا عام 1946 ضمن أفواج المهاجرين اليهود، ثم قاتل الفلسطينيين ضمن التشكيلات العسكرية اليهودية حتى إعلان قيام دولة إسرائيل.
يسافر روب ويندر إلى حيفا، ويروي عند شاطئها كيف زادت هجرة اليهود بالبواخر إلى فلسطين، حيث فاق عددهم عام 1946 نصف مليون شخص، وكان من بينهم عمّ جده موشيه مالينكي “الذي فَقَدَ جميع أفراد عائلته المقربين في الهولوكوست في بولندا، حيث كان 200 ألف يهودي مسجونين في غيتو”، كما يقول.
ثم يستعرض الوثائقي وصول سارة آغا إلى منطقة الجليل شمالي فلسطين، فتتحدث عن ولادة والدها وأهله وأجداده فيها، ثم تصل إلى قرية إبيلين حيث تلتقي بالمؤرخ جوني منصور فيستقبلها بحفاوة، ثم يحدثها عن جدها (الأكبر) القائد الفلسطيني عقيلة آغا الحاسي وأخوه صالح، حيث كان عقيلة حاكماً لتلك المنطقة في عهد العثمانيين، وكان يحمي المسلمين والمسيحيين واليهود على حد سواء، ويخبرها كيف انتقل عقيلة وعائلته إلى الدلهمية (حيث كانت ولادة والدها محمود). ثم تقوم سارة بزيارة قبر عقيله آغا وعلامات التأثّر بادية على وجهها، وتبدو أكثر إصراراً على أن تعرف أكثر عن تاريخ أجدادها وعائلاتهم، وما حصل لهم لاحقاً من قتل وتدمير وتهجير في الدلهمية .
ثم يعرض الوثائقي وصول الشاب البريطاني– اليهودي ديفيد برفقة والده إلى تل أبيب لاستكشاف قصة وصول جده إليها من أوروبا عام 1945 هارباً من الهولوكوست، ثم يطلعهم أحد الباحثين هناك كيف انتقل الجدّ من العمل التجاري إلى العمل العسكري، ليشارك في الحرب التي دارت بين اليهود والفلسطينيين، بعيد انسحاب القوات البريطانية والرفض الفلسطيني لقرار تقسيم فلسطين. ويبدو في الوثائقي إحساس ديفيد بالفخر بما قام به جدُّه، فيقول عن جده إنه: “تركَ العيشَ في لندن، وجاء للمشاركة في حماية بلده”.
ثم يستعرض برفقة والده بعضَ صور جدّه بالزي العسكري، ويجولان في المنطقة التي كان يقاتل فيها قرب تل أبيب.
على المقلب الآخر من الوثائقي تصل البريطانية– الفلسطينية شيرين زيدان إلى قرية أجدادها دير ياسين لتقف على أطلالها، وتستكشف بنفسها ما جرى لعائلة جدتها نزهة وبقية العائلات في القرية، فتلتقي بالباحث عمر الغباري، الذي يخبرها بأن عائلة زيدان كانت إحدى العائلات الكبرى في قرية دير ياسين، وكانت القرية مزدهرة وغنية وتربطها علاقات جيدة مع من يجاورها من اليهود.
لكنه يضيف أن الحال تغيّر بعدما قامت العصابات الصهيونية، مثل الأرغون والهاغانا وغيرها، بمهاجمة القرية وقتل أهلها في مجزرة فظيعة طالت الأطفال والنساء والرجال. ثم يلتمس عمر الغباري العذر من شيرين ليخبرها بأن عدد الذين قتلوا من عائلتها الكبيرة (آل زيدان) بلغ، في ذلك الوقت، 70 شخصاً.
هنا تظهر شيرين في الفيلم وهي تحاول حبس دموعها، لكن دون جدوى، فتجهش بالبكاء. ثم تزور شيرين أطلال دار عائلة جدتها نزهة، حيث يوجد منزل كبير مدمر كان يعيش فيه 22 شخصاً عندما كان ينبض بالحياة. ورغم إحساسها بالصدمة لما سمعته عن أهوال دير ياسين، فإنها تواصل استكشاف مزيد من الذكريات عن جدتها نزهة، فتقرر زيارة القدس القديمة حيث تسكن العجوز زهدية، التي كانت في صغرها صديقة وجارة لجدتها نزهة في صباها، ولهما ذات العمر.
محمود آغا: “أنا فلسطيني مئة بالمئة، وكان عمري سنتين عام 1948 حين هوجمت قريتنا الدلهمية ودُمّرت بالكامل، ولم يكن بوسع والدي ووالدتي إلا الفرار للنجاة من القتل”.
العجوز زهدية تعانق الفتاة شيرين، ثم تخبرها بأنها كانت في عمر الرابعة عشرة عندما حصلت مجزرة دير ياسين، ثم تستذكر بِلَوْعَة الأيام الجميلة لأهل القرية. تقول: “كنا جيراناً متحابين، نأكل ونشرب مع بعضنا البعض أنا ونزهة، وكانت والدتها، واسمها حلوة، بمثابة أخت لوالدتي، حتى أنهما كانتا تحضّران معاً طبخة “ورق الدوالي”.
وعند مهاجمة دير ياسين قام أخو حلوة، ويدعى محمد زيدان، بإنقاذ الأولاد الصغار، فنُقلنا إلى قرية عين كارم، وقبيل انتقالنا شاهدنا السيدة حلوة، فدعتْنا إلى دخول منزلها، فأبلغناها أننا ذاهبون إلى عين كارم، وبعد مدة وصلتْنا أخبار بأن حلوة زيدان استشهدت مع زوجها وابنهما وأخوها، ولا أعلم شيئاً عمّا إذا كان لديها سلاح للدفاع. وتضيف العجوز زهدية: لقد أصابنا الذهول، لأن ما حصل في دير ياسين كان مصيبة كبرى أصابتنا… كلهم استشهدوا.
هنا تجهش زهدية بالبكاء، فتقابلها شيرين بالإشارة إلى قلبها، وتقول: “إن دير ياسين محفورة هنا، فتجيبها المرأة العجوز: نعم، دير ياسين هي روحنا”.
في نهاية الجزء الأول من هذا الفيلم الوثائقي، تختم شيرين زيدان قصتها بالقول: ”لقد فقدت عائلتي (الكبيرة ) في دير ياسين، وكانت زهدية آخر شخص يرى والدة جدتي حلوة، وما أشعر به هو الصدمة لمقتل الناس هناك من جميع العائلات الفلسطينية، الأطفال والنساء والرجال عام 1948″.