الأزمات الاقتصادية الضاغطة في السودان ليست عارضة بل نتيجة للسياسات المختلة للنظام السابق

صلاح الدين مصطفى
حجم الخط
0

الخرطوم – «القدس العربي»: خرج السودانيون إلى الشوارع وإطاحوا بنظام البشير لأسباب عديدة، من ضمنها الغلاء الفاحش وندرة وغياب السلع الأساسية، لكن بعد دخول ثورتهم أسبوعها الخامس لازالوا يعانون من المشكلات نفسها التي كانت موجودة في عهد النظام السابق.
ويؤكد كثير من المراقبين أنّ البُعد الاقتصادي يعدُّ أهم أسباب ثورة السودان المستمرة حاليا، وذلك من خلال ندرة وانعدام الخبز والوقود والسيولة النقدية والارتفاع الكبير في أسعار السلع الضرورية.
المشهد في محطات الوقود يؤكد وجود أزمة فمعظم المحطات خالية من الوقود والسيارات تصطف في طوابير تمتد إلى مسافات طويلة بالإضافة إلى طوابير المواطنين أمام المخابز وماكينات صرف العملة في البنوك. أما أسعار السلع الأساسية في الأسواق فلم تتغيّر.
محمد أحمد يوسف يوسف، وهو تاجر تجزئة في مدينة الصحافيين في الوادي الأخضر يقول لـ «القدس العربي»: إن «الوضع لم يتغير بذهاب البشير، فالأسعار مرتفعة وليست لدينا قوة شرائية تمكننا من الحصول على احتياجاتنا. ومع شهر رمضان يعاني الناس في شراء السلع الأساسية مثل السكر والدقيق والأرز والعدس والصلصلة ولبن البودرة والصابون والدقيق». ويرى يوسف أن ارتفاع الأسعار غير مبرر لأن معظم السلع متوفرة وهذا ما يناقض نظرية العرض والطلب.

تظاهرات إنعدام المياه

وشهدت أحياء ومدن العاصمة والولايات خلال الأيام الماضية تظاهرات بسبب إنعدام مياه الشرب وانقطاعات الكهرباء المتكررة، آخرها إيقاف متظاهرين من منطقة أمبدة في أمدرمان لحركة السير في شارع الجمهورية في الخرطوم أمس الأحد حيث قدموا في مجموعات كبيرة لمكتب مدير المياه بولاية الخرطوم لتوصيل احتجاجهم على انقطاعاتها. واستعان كثير من المواطنين بأطراف العاصمة بعربات تجرها الحمير لنقل المياه من الآبار بكلفة عالية حيث وصل سعر البرميل إلى مئة جنيه.
وشهدت مدينة القضارف، شرقي السودان، اشتباكات دامية بين (النوبة والبني عامر) بسبب عدم توفر المياه الأمر الذي أدى إلى مقتل عدد من الأشخاص وإصابة العشرات. وقال تجمع المهنيين الذي يقود الحراك الجماهيري في بيان له: إن «هذه الحادثة التي وقعت على خلفية مشاجرة في سياق ندرة مياه الشرب في القضارف هي من أفاعيل الثورة المضادة التي لم تتوان عن استخدام اللجان الشعبية الفاسدة في قفل إمدادات المياه في مناطق عديدة من بينها الخرطوم.»
وأصدر الفريق الركن مرتضى عبد الله وراق والي الخرطوم في السادس من الشهر الجاري قرارا قضى بتكليف المهندس مالك عمر عبيد الحاج مديرا لهيئة مياه ولاية الخرطوم خلفا للمهندس النهيزي الرفاعي الذي تم إعفاؤه بسبب قصور الهيئة عن توفير المياه.
وأوضح العبيد أن مشكلة المياه في ولاية الخرطوم تعود لانقطاع التيار الكهربائي بشكل مستمر، مضيفا أن بعض مناطق الخرطوم تعاني من إغلاق ومشاكل في خطوط إمداد المياه.
وسارع المجلس العسكري الانتقالي، الذي يدير شؤون البلاد منذ الإطاحة بالرئيس السابق عمر البشير، بعقد اجتماع في وزارة الدفاع بشأن الأوضاع الأمنية في الخرطوم ومشاكل المياه والكهرباء والوقود والمواصلات.

الوالي يأسف

وعبر والي الخرطوم، مرتضى وراق، عن أسفه الشديد لمعاناة المواطنين في الحصول على الخدمات الأساسية وأكد في تصريحات صحافية، عقب الاجتماع، أنهم يبذلون مساعي جادة لحل كل هذه المشكلات. وعزا وكيل وزارة الكهرباء محمد خير أحمد الجنيد، مشكلة انقطاع التيار الكهربائي بصورة واسعة في العاصمة لارتفاع درجات الحرارة والأحمال الزائدة وأشار إلى تأثر عدد من الولايات نتيجة لعدم وصول الوقود «الفيرنس» إلى المحطات الحرارية.
وأوضح مدير هيئة مياه ولاية الخرطوم مالك عمر العبيد أن الانقطاعات في المياه سببها النقص في الكهرباء، إضافة لمشكلات أخرى تتعلق بانسداد الخطوط الناقلة للمياه، ودعا المواطنين للتعاون مع العاملين في هذا المجال وعدم التعرض لهم كما حدث في مناطق مختلفة.
وقالت اللجنة الأمنية المشتركة في تعميم صحافي إنها تمكنت من ضبط 198 الف لتر من الوقود محملة فى تناكر معدة للبيع والتهريب خارج ولاية الخرطوم. وأكد ممثل اللجنة الأمنية المشتركة أحمد عوض الله أن هناك كميات من الوقود تم ضبطها في إحدى المحطات إضافة لضبط كمية أخرى معدة للتهريب خارج ولاية الخرطوم.
ويخشى مراقبون من أن يؤثر نقص الوقود على العمليات الزراعية في مختلف أنحاء البلاد. واشتكى تحالف مزارعي الجزيرة والمناقل من بطء وتأخير الإمدادات الأمر الذي يهدد فشل الموسم الزراعي الصيفي.
وذكر بيان للتحالف أن إدارة المشروع تجاهلت وعدها في معالجة مشكلة الوقود من خلال توفير الكميات اللازمة لبدء الإعداد فى اليوم الأول من شهر ايار/مايو الجارى.
ويرى الطاهر بكري، الخبير في مجال حماية المستهلك، أن ما يحدث حاليا هو نتاج للدولة العميقة التي تسعى لعرقلة نجاح ثورة الشعب السوداني، مضيفا في حديثه لـ «القدس العربي» أن الأزمات الاقت صادية الضاغطة ليست عارضة وإنما هي نتيجة للسياسات المختلة لنظام البشير، مشيرا إلى أن اقتلاع الدولة العميقة وإزاحتها هو بمثابة ثورة أخرى تحدث حاليا في السودان.
ويقول بكري:» نحتاج سيسات اقتصادية سليمة وواضحة تؤسس لإنهاء الأزمة من جذورها السياسية، ويتطلب ذلك وجود عناصر وطنية مؤمنة بالثورة وبالتغيير الذي حدث، مما يعني ضرورة وجود حكومة مدنية لأن توفير الخبز والوقود والمواد التموينية ليس من مهام العسكر، ويجب أن يراعي المجلس العسكري لمعاناة الناس خاصة في هذا الشهر الكريم».
ويطالب المصدر بضرورة أن تقوم لجان الأحياء بدورها في المتابعة والرقابة بخصوص توزيع السلع الضرورية وأن تقوم بإبلاغ السلطات عند وجود أي تباطؤ أو تلاعب.
ويقول الخبير الاقتصادي محمد الناير محمد النور إن الخروج من نظام استمر ثلاثين عاما لا يتم بسهولة، مشيرا إلى أن الأزمة الاقتصادية في السودان لها أبعادها السياسية وقد بدأت منذ انفصال دولة جنوب السودان وفقدان الخزينة لعائدات ضخمة، ولكنه يرى أن الأزمة وصلت ذروتها في العامين الأخيرين لعدم التغلب على التحديات ولعامل الفساد.
ويضيف أن الفساد هو العامل الأكبر في الوضع الحالي إضافة لعدم ترتيب الأولويات من إدارة حكومة البشير السابقة الأمر الذي خلق أزمات خانقة في الدقيق والوقود والسيولة النقدية وتراجع سعر العملة المحلية أمام الدولار مما أدى لإرتفاع جنوي في الأسعار.
ويرى أن الاستقرار السياسي هو العمل الأول في انتعاش الاقتصاد والانتهاء من الأزمات، مشيرا إلى الإمكانات الهائلة التي يتمتع بها السودان في مجال الذهب والمعادن الأخرى، إضافة للمجال الزراعي الذي يمثل المخرج الأول وكذلك السياحة والاستثمار الخارجي.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية