الأزمة الأوكرانية: خطوة نحو الحرب وخطوتان نحو السلام

صادق الطائي
حجم الخط
0

لطالما مثلت أوكرانيا البوابة الغربية لروسيا في تاريخها الحديث والمعاصر، وربما لم تكن العلاقات بين موسكو وكييف سلسة على طول الخط، إذ تراوحت علاقة البلدين الجارين بالكثير من التوتر والنزاع من جهة، وبعلاقات تكامل وجيرة وانتقال سكاني كبير لاسيما في العهد السوفييتي. وقد باتت جمهورية أوكرانيا اليوم منقسمة إلى شرق خاضع للنفوذ الروسي بشكل كبير انعكس حتى على لغة السكان، وغرب أوكراني يرى في الجوار الروسي تهديدا مستمرا يجب الاحتماء منه بقوى الغرب. وقد تعامل الغرب وحلف شمال الأطلسي مع الأزمة الأوكرانية على أنها خاصرة رخوة يمكن أن يضغط عبرها على روسيا بوتين، إذ أن الموقع الجغرافي لأوكرانيا بات يلعب دورا كبيرا في عبور إمدادات الغاز الروسية إلى دول غرب أوروبا، وأن التهديد بضرب أو إغلاق خط «نورد ستريم 2» يمكن ان يمثل تهديدا استراتيجيا للاقتصاد الروسي.

خطوات التصعيد

منذ أن حشدت روسيا حوالي 100 ألف عسكري على الحدود الأوكرانية، وأعلنت لاحقا عن القيام بمناورات عسكرية في بيلاروسيا، والأوروبيون باتوا قلقين من أن يهاجم الدب الروسي جاره الأوكراني الضعيف. حكومة بوتين تنفي من جانبها وجود أي نوايا للغزو العسكري لأوكرانيا، وقد نفت مرارا اتهامات كييف والدول الغربية بتصرفات عدوانية ضد أوكرانيا، مؤكدة أنها لا تهدد أي دولة ولا تنوي الاعتداء على أحد، أما الإدعاءات حول تحضير موسكو لـ «غزو أوكرانيا» فليست سوى ذريعة لنشر مزيد من آليات الناتو العسكرية قرب حدود روسيا. لكنها تصر على أن تكون هناك اتفاقات واضحة وملزمة لجميع الأطراف تضمن عدم تمدد حلف الناتو إلى أوكرانيا.
وكانت وزارة الخارجية الروسية قد أشارت سابقا إلى أن التصريحات الغربية عن «العدوان الروسي الوشيك» ضد أوكرانيا واستعداد الغرب لمساعدة كييف على التصدي لهذا العدوان المزعوم «مضحكة وخطرة في آن واحد». لكن الواقع على الأرض يزداد توترا بالرغم من كل جولات المفاوضات التي تخوضها الحكومة الروسية مع نظيراتها من الحكومات الغربية.
يبدو أن رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون هو الأكثر حماسا لمواجهة «خطر الغزو» الروسي، والأعلى صوتا في التحشيد ضد التدخل الروسي في أوكرانيا، والأكثر إلحاحا في دق ناقوس الخطر والتحذير من الحرب المقبلة، إذ اتهم جونسون الرئيس بوتين بأنه «وضع مسدسا على رأس أوكرانيا» ودعا الكرملين إلى التراجع عن «كارثة عسكرية» وفي اتصال هاتفي بين جونسون وبوتين جرى يوم 2 شباط/فبراير الجاري أعرب رئيس الوزراء البريطاني عن قلقه العميق بشأن «النشاط العدائي» لروسيا على الحدود الأوكرانية، وأبلغ الرئيس الروسي أن أي توغل إضافي للقوات الروسية على الحدود سيكون «سوء تقدير مأساوي» من قبل موسكو.
وبعد محادثات أجراها مع الرئيس الأوكراني، فولوديمير زيلينسكي، في العاصمة كييف، قال جونسون في مؤتمر صحافي: إن الجيش الأوكراني «سيقاوم في حالة حدوث غزو» وأضاف:»هناك 200 ألف رجل وامرأة مسلحين في أوكرانيا سيقدمون مقاومة شرسة ودموية للغاية، وأعتقد أن الآباء والأمهات في روسيا يجب أن يفكروا في هذه الحقيقة. وآمل بشدة أن يتراجع الرئيس بوتين عن مسار الصراع وأن نبدأ الحوار». وحذر جونسون من أن بريطانيا سترد على العدوان الروسي بـ «حزمة من العقوبات وغيرها من الإجراءات التي سوف تتخذها في اللحظة التي يعبر فيها أول جندي روسي إلى داخل الأراضي الأوكرانية».
أما الرئيس الأمريكي جو بايدن فيبدو أن تصريحاته التصعيدية اتخذت طابع الجدية في التنفيذ من جهة، والتهديد المبطن لموسكو من جهة أخرى، إذ حذر من وجود «إمكانية واضحة» لأن تقوم روسيا بغزو أوكرانيا في شباط/فبراير، حسب بيان للبيت الأبيض. كما أعلن المتحدث باسم البنتاغون، جون كيربي، يوم 29 كانون الأول/يناير الماضي أنه تم وضع 8500 جندي أمريكي على أهبة الاستعداد لأوامر بالانتشار، حيث توجد القوات الروسية على الحدود الأوكرانية. وذكرت شبكة CNN أن إدارة بايدن في المراحل الأخيرة من تحديد الوحدات العسكرية لإرسالها إلى دول البلطيق وأوروبا الشرقية لتعزيز وجود القوات الأمريكية في محاولة لردع روسيا.
وقدّرت الاستخبارات الأمريكية أن روسيا بات لديها فعليا 70 في المئة من القوة اللازمة لتنفيذ غزو واسع النطاق لأوكرانيا ويمكن أن تكون لديها القدرة الكافية لتنفيذ هجوم في غضون أسبوعين. لكن دوائر تحليل المعلومات في الاستخبارات الأمريكية لم تحدد ما إذا كان بوتين قد اتخذ قرار الانتقال إلى الهجوم أم لا، وأنه يريد أن تكون كل الخيارات الممكنة موجودة أمامه، من الغزو الجزئي لجيب دونباس الانفصالي، إلى الغزو الكامل. وحذر المسؤولون الأمريكيون من أنه إذا قرر بوتين غزو أوكرانيا، فبإمكان قواته تطويق العاصمة الأوكرانية كييف والإطاحة بالرئيس فولوديمير زيلينسكي في غضون 48 ساعة.
لكن من ناحية أخرى وبناء على المكالمة الهاتفية التي جرت يوم 28 كانون الثاني/يناير الماضي بين الرئيس الأمريكي ونظيره الأوكراني، قال بيان للبيت الأبيض إن الرئيس بايدن «أعاد التأكيد» خلال حديثه مع الرئيس زيلينسكي على «استعداد الولايات المتحدة وحلفائها وشركائها على الرد بحزم إذا مضت روسيا في غزو أوكرانيا» لكن يبدو أن الأمور «لم تسر على ما يرام» بسبب الخلافات بين الرئيسين حول «مستويات الخطورة» فيما يتعلق بالهجوم الروسي المحتمل على أوكرانيا. إذ وصف مسؤول أوكراني المكالمة بأنها كانت «طويلة وصريحة» وقال خلالها بايدن إن هجوما روسيا قد يكون وشيكا، لكن الرئيس الأوكراني قال إن التهديد الروسي «لا يزال خطيرا ولكنه غامض وليس من المؤكد أن الهجوم سيحدث». وقال المسؤول الأوكراني إن بايدن رفض الدعوات الأوكرانية لفرض عقوبات على روسيا قبل أي غزو، قائلا إن العقوبات لن تُفرض على موسكو إلا بعد تقدم روسي إلى الأراضي الأوكرانية.

خطوات التهدئة

من جانب آخر هناك لاعبون أساسيون ما زالوا يراهنون وبقوة على خيار الحلول الدبلوماسية للأزمة، وأبرزهم فرنسا وألمانيا، وقد قام الرئيس ايمانويل ماكرون بزيارة إلى موسكو يوم الاثنين 7 شباط/فبراير الجاري في إطار محاولته نزع فتيل الأزمة، إذ صرح الناطق باسم الكرملين دميتري بيسكوف بالقول: إن «الاجتماع بين الرئيسين الفرنسي والروسي مهمّ جدا» مذكراً بأن «ماكرون قال لبوتين إنه يأتي حاملا أفكارا من أجل خيارات محتملة لتحقيق انفراج في التوتر في أوروبا».
وخلال ساعات من المحادثات في موسكو، ناقش الرئيسان الفرنسي والروسي البحث عن مخرج من الأزمة. وقال الرئيس ماكرون إنه يسعى إلى تجنب الحرب وبناء الثقة، وأعرب عن أمله في «تخفيف حدة توتر الأزمة بين روسيا والغرب». من جانبه، أعلن الرئيس بوتين عقب محادثاته مع الرئيس ماكرون: «أن موسكو ستبذل ما بوسعها للتوصل إلى تسويات في الأزمة مع الغرب بشأن أوكرانيا». وأوضح «فيما يتعلق بنا، سوف نبذل أقصى جهودنا للتوصل إلى تسويات تلائم الجميع» مضيفا أنه «لن يكون هناك رابحون في حال اندلاع حرب في القارة الأوروبية».
بعد موسكو توجه الرئيس الفرنسي ماكرون إلى كييف يوم الثلاثاء 8 شباط/فبراير الجاري، وقد أعلن الرئيس زيلينسكي، أنه يتوقع عقد قمة في إطار صيغة النورماندي مع قادة روسيا، وفرنسا، وألمانيا «في أقرب وقت» وقال زيلينسكي، في مؤتمر صحافي مشترك مع ماكرون عقب لقائهما «اليوم تطور بلداننا التعاون في جميع المجالات تقريبا، لكن ثمة أهمية خاصة لشراكتنا في مجال الأمن، إذ تؤدي فرنسا دورا نشطا في إطار صيغة النورماندي، ونحن نثمن كثيرا الموقف الرسمي لباريس والجهود الشخصية للرئيس ماكرون الرامية لتحقيق السلام في أوكرانيا، إنه حقا يفعل الكثير من أجل ذلك».
المستشار الألماني أولاف شولتس بدوره يلعب دورا محوريا في جهود التهدئة، فبالرغم من كلمات الإطراء التي قالها الرئيس الأمريكي جو بايدن الذي أكّد في مؤتمر صحافي الاثنين 7 شباط/فبراير الجاري مع المستشار الألماني أن ألمانيا حليف «يعتمد عليه بشكل كامل» في ملف أوكرانيا، وأن الولايات المتحدة لديها «ملء الثقة» في برلين. وقال «نحن نعمل بشكل منسق من أجل تعزيز ردع أي عدوان روسي في أوروبا».
لكن المستشار الألماني شولتس وفي رده على سؤال حول ما إذا كانت هناك فرصة للدبلوماسية أم أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين حسم مسألة التدخل عسكريا في أوكرانيا، أكد: أن «الغزو العسكري ستكون كلفته باهظة» وأشار إلى «أن من المهم جدا أن تعرف القيادة الروسية هذا» وطالب «بفعل كل ما يمكن لكي تأخذ الدبلوماسية فرصة وحتى يمكن تحقيق التفاهم».
وقد أعلن المستشار الألماني أولاف شولتس، يوم الأربعاء 2 شباط/فبراير الجاري، أنه سيزور موسكو «قريباً» لبحث الأزمة الأوكرانية مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، لكن المراقبين السياسيين يتوقعون أن المستشار شولتز، بناء على سلوكه السياسي السابق، سيلتزم الصمت في نزاع أوكرانيا لأطول فترة ممكنة، وإن ألمانيا لم تعد من الناحية الموضوعية قادرة على تقديم مساهمة قوية في خفض التصعيد في الوضع الحالي.
أما الموقف الرسمي الأوكراني فيبدو أنه تحول بشكل واضح نحو التقليل من حدة التوتر والتوقع بأن الأزمة يمكن أن تحل بطرق دبلوماسية ضمن ما عرف بصيغة النورماندي، وقال مسؤولون في أوكرانيا: إن «شروع الولايات المتحدة في إجلاء جزء من طاقمها الدبلوماسي من أوكرانيا كان قرارا سابقا لأوانه، وتسبب في زرع الخوف بين سكان البلاد واضطرابات في الأسواق المالية، ما زاد من تكاليف الاقتراض بالنسبة لكييف». كما أعلن الرئيس زيلينسكي في تصريحات صحافية أنه يعتبر بدء الولايات المتحدة وبريطانيا إجلاء دبلوماسيهما من كييف خطأ، داعيا الزعماء الأجانب إلى عدم زرع الرعب بين الناس وعدم الإضرار باقتصاد بلده. إذن نحن اليوم نعيش ساعات العد العسكي للأزمة الأوكرانية التي يأمل العالم أن لا تصل إلى التفجر الذي لن تعرف مدى نتائجه الكارثية.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية