الأزمة الخليجية في ميزان القانون الدولي

سأبدأ هذا المقال من فرضية أن الدول الأربع، السعودية والإمارات والبحرين ومصر، لديها مظالم عديدة وشكاوى كثيرة وحقيقية على دولة قطر. فهل يحق لها، من وجهة نظر القانون الدولي والإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان، أن تفرض من جانب واحد إجراءات عقابية واسعة بتلك الطريقة الفجائية شملت رزمة من العقوبات وأخرى من المطالب تشمل 13 مطلبا تحقيقها أقرب إلى المستحيل؟ لقد شملت رزمة العقوبات قطع العلاقات وفرض الحصار وإغلاق الحدود والأجواء ومكاتب الطيران وطرد المواطنين القطريين وسحب مواطني تلك الدول من قطر خلال أسبوعين وسحب الاستثمارات والشركات وطرد الطلاب من المدارس وتشتيت العائلات. بل وشملت عقوبات للدول التي تتلقى مساعدات من دول الحصار إن لم تقطع أو تخفض مستوى علاقاتها مع قطر. كما شملت طلبا بإغلاق قناة “الجزيرة” أو نقل مقرها أو إعطاء السعودية حق تعيين مدرائها وخط الرأي فيها وإغلاق موقع وصحيفة “العربي الجديد” وإغلاق القاعدة التركية وتخفيض التمثيل الدبلوماسي مع إيران، وقطع العلاقات مع ما سمي بالتنظيمات الإرهابية التي تضع “داعش” و “حزب الله” في نفس الكفة، وغير ذلك من مطالب وصفت بأنها تعجيزية.

ما يهمني في هذا المقال أن أراجع مسلكيات الدول حسب القانون الدولي وما إذا كانت الدول الأربع تصرفت حسب مقتضيات ميثاق الأمم المتحدة والجامعة العربية ومجلس التعاون الخليجي؟ وهل يجوز لأي دولة تمر في أزمة مع دولة مجاورة أن تتصرف على هواها وبطريقة خارجة عن نطاق قوانين التصرف في الأزمات كما نصت عليه المواثيق والمعاهدات الدولية؟

تطور العلاقات الدولية بين الأمم

كانت بداية تقنين العلاقات الدولية في مؤتمر وستفاليا في ألمانيا عام 1648 الذي أقر بأن الأصل في العلاقات الدولية هي الدولة المستقلة ذات السيادة. ومنذ ذلك التاريخ والمجتمع الدولي يعمل من خلال الاتفاقيات الثنائية والمتعددة الأطراف لتقنين العلاقات بين الدول. وبعد تأسيس عصبة الأمم عام 1920 والأمم المتحدة عام 1945 توسعت عملية تنظيم العلاقات باعتماد العديد من الآليات لتعامل الدول بين بعضها مثل اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية (1961) واتفاقية فيينا لقانون المعاهدات (1969) والتي دخلت حيز النفاذ عام 1980 واتفاقية فيينا للعلاقات القنصلية (2003) وغيرها الكثير.

تحولت الممارسة العملية العرفية في العلاقات بين الدول إلى قوانين دولية قائمة على خمسة مبادئ أساسية: سيادة الدولة، المساواة بين الدول بغض النظر عن حجم الدولة مساحة أو سكانا، عدم التدخل في شؤون الدول الأخرى، المحافظة على السلم والأمن الدوليين وحل الخلافات والنزاعات بالطرق السلمية. ولم يتوقع أحد في الكون ألا تحدث خلافات بين الدول لأسباب عديدة أهما اختلاف المصالح والأيدولوجيات، والاعتداءات والتدخلات وترسيم الحدود وتقاسم المياه والثروات وغير ذلك من أزمات توتر العلاقات الدولية وتدفع بالدول وخاصة المتجاورة إلى قطع العلاقات أو إغلاق الحدود أو التهديد باستخدام أو استخدام القوة لحسم النزاع.

كيف تحل النزاعات حسب القانون الدولي

ميثاق الأمم المتحدة فرق بين نوعين من سبل حل الخلافات: أولا بالطرق السلمية والتي تضمنها الفصل السادس ومن بينها المصالحة والتحكيم والوساطة والتحقيق واستخدام المساعي الحميدة واللجوء إلى المحاكم الدولية أو وساطات المنظمات الإقليمية، وثانيا عن طريق الإلزام الذي نص عليه الفصل السابع وذلك باستخدام العقوبات والتدرج فيها وصولا إلى إعلان حالة الحرب لردع المعتدي إذا كان ذلك العدوان يشكل تهديدا للسلم والأمن الدوليين.

القانون الدولي حول حسم الخلافات واضح في ميثاق الأمم المتحدة حيث ينص البند 2 من المادة الأولى في الفصل الأول على: “إنماء العلاقات الودية بين الأمم على أساس احترام المبدأ الذي يقضي بالتسوية في الحقوق بين الشعوب وبأن يكون لكل منها تقرير مصيرها، وكذلك اتخاذ التدابير الأخرى الملائمة لتعزيز السلم العام”. وينص البند 3 من المادة 2 من نفس الفصل على “يفض جميع أعضاء الهيئة منازعاتهم الدولية بالوسائل السلمية على وجه لا يجعل السلم والأمن والعدل الدولي عرضة للخطر”. وينص البند الرابع في المادة الثانية من الفصل الأول على: “يمتنع أعضاء الهيئة جميعا في علاقاتهم الدولية عن التهديد باستعمال القوة أو استخدامها ضد سلامة الأراضي أو الاستقلال السياسي لأية دولة أو على أي وجه آخر لا يتفق ومقاصد الأمم المتحدة”. وينص البند السابع على عدم التدخل في الشؤون الداخلية لأي بلد.

باختصار يتضمن الفصل الأول من الميثاق أربعة انتهاكات للقانون الدولي هي: تعاملت الدول الأربع مع قطر على أنها ليست ندا لها، وهددت بالقوة وباستخدام القوة، وتدخلت في شؤون قطر الداخلية، ولم تلجأ إلى حل النزاع بالطرق السلمية بل استخدمت نوعا من أنواع القوة وهو الحصار الاقتصادي ورزمة عقوبات أخرى قبل أن تحاول حل الأزمة بالمفاوضات والطرق السلمية.

أما الفصل السادس من الميثاق فعنوانه: حل النزاعات حلا سلميا حيث ينص البند الأول من المادة 33 على “يجب على أطراف أي نزاع من شأن استمراره أن يعرض حفظ السلم والأمن الدولي للخطر أن يلتمسوا حله، بادئ ذي بدء، بطريق المفاوضات والتحقيق والوساطة والتوفيق والتحكيم والتسوية القضائية، أو أن يلجأوا إلى الوكالات والتنظيمات الإقليمية أو غيرها من الوسائل السلمية التي يقع عليها اختيارها”. لقد قدم هذا البند بكل سهولة سبع آليات لحل النزاعات بين الدول بطرق سلمية. فهل لجأت الدول الأربع إلى أي من هذه الآليات كالوساطة أو المفاوضات أو التحكيم مثلا؟ وفي حال ما فشلت كل تلك الآليات في احتواء النزاع ينص الميثاق في البند الأول من المادة 37 من الفصل نفسه: “إذا أخفقت الدول التي يقوم بينها نزاع من النوع المشار إليه في المادة 33 في حله بالوسائل المبينة في تلك المادة وجب عليها أن تعرضه على مجلس الأمن”.

إذن من الواضح أن دول الحصار في تصرفها يوم 5 حزيران/يونيو 2017 كانت في حال انتهاك واضح للقانون الدولي.

وتأكيدا على تمسك دولة قطر بمبدأ حل المنازعات الدولية عن طريق اتخاذ الوسائل السلمية والسياسية، ومنها الطريق القانوني، فقد رفعت دعوى ضد دول الحصار أمام محكمة العدل الدولية استنادا لاتفاقية إلغاء كل أشكال التمييز العنصري الموقعة في 1965، حيث شكل الحصار المفروض على قطر انتهاكًا خطيرًا لتلك الاتفاقية، وكافة إعلانات ومواثيق واتفاقيات حقوق الإنسان العالمية، وعلى رأسها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والإعلانات والاتفاقات ومواثيق حقوق الإنسان الإقليمية منها، العربية والأمريكية والأفريقية والأوروبية، وإعلان حقوق الإنسان في الإسلام.

انتهاكات حقوق الإنسان

يحرم القانون الدولي انتهاكات حقوق الإنسان بشكل متعمد ويعتبرها جريمة ضد الإنسانية. ولأن هذا الموضوع حساس ودقيق ويحتاج إلى توثيق، قمت بمراجعة الوثائق والتقاريرالصادرة عن اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان والتي أصدرت مجموعة من التقارير حول آثار الحصار على المواطنين القطريين ومواطني دول الحصار المقيمين في قطر بسبب العمل أو الزواج أو الدراسة وما لحق بهم من ضرر.  ويصنف التقرير الذي حصلت عليه بعد زيارة شخصية لمقر اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان في الدوحة أثناء عملي مؤخرا مع صندوق الأمم المتحدة للسكان، عشرة أنواع من الانتهاكات التي تم رصدها في السنة الأولى من الحصار والتي شهدت 4105 حالة انتهاك. ومن بين تلك الانتهاكات: الحق في لم شمل الأسر، الحق في التعليم، الحق في العمل، الحق في التنقل والإقامة، الحق في الملكية، الحق في ممارسة الشعائر الدينية، الحق في حرية الرأي والتعبير، التحريض على العنف والكراهية، الحق في الصحة والحق في التقاضي.

ولنأخذ مثلا من تلك الحقوق المنتهكة وخاصة انتهاك الحق في لم شمل الأسر والذي شهد أكبر عدد من الانتهاكات وصل إلى 1297 حالة يلي ذلك انتهاكات الحق في التعليم التي وصلت إلى 1243 حالة. فقد بلغ عدد العائلات التي تمزقت بسبب الحصار 364 عائلة سعودية/قطرية، و82 عائلة إماراتية/قطرية و218 عائلة بحرانية/قطرية. وجاء هذا التفكك الأسري نتيجة طلب دول الحصار لمواطنيها في قطر بالعودة إلى بلادهم فورا والطلب من الرعايا القطريين في تلك الدول العودة إلى قطر.  المشكلة كانت أقسى على الأطفال الذين يتبعون جنسية الوالد ما أدى إلى حرمانهم من دفء العائلة وتشتيتهم بعيدا عن أمهاتهم أو آبائهم وبالتالي تم تفكيك وحدة آلاف الأسر بسبب تلك القوانين. وهذه المعاملة لقيت رفضا واسعا من منظمات حقوق الإنسان. فقد أصدر المفوض السامي السابق لحقوق الإنسان، رعد بن زيد الحسين، بيانا بتاريخ 14 حزيران/يونيو 2017 يدين هذه التدابير، كما أصدرت منظمة العفو الدولية بيانا بهذا الخصوص بتاريخ 9 حزيران/يونيو 2017 يؤكد أن باحثيها “قد قابلوا عشرات الأشخاص ممن تضررت حقوقهم الإنسانية بفعل سلسة التدابير الكاسحة التي فرضت على نحو تعسفي من جانب الدول الخليجية الثلاث السعودية والإمارات والبحرين، في نزاعها مع قطر”.

لقد سببت هذه الأزمة الكثير من الأضرار للدول نفسها واقتصادياتها ومواطنيها وسمعتها بين الدول. فهل تعود الكويت مدعومة بدولة أو دول أخرى لتجدد مساعيها لعل حلا معقولا يستند إلى المنطق والمصالح المشتركة تخرج منه دول المنطقة وأبناؤها “لا غالب ولا مغلوب” بل الجميع يخرج رابحا من أجل المواطنين الذين لا يملكون من أمرهم شيئا فيما لحق بهم من ضرر وخاصة الأطفال؟

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية