رام الله-“القدس العربي”:ما زالت الأزمة المالية التي تعاني منها السلطة الفلسطينية منذ ثلاثة أشهر تتفاقم، وسط مخاوف من شلل كامل خلال بضعة أشهر، بيد أن تحركات فلسطينية وإسرائيلية ودولية بدأت تعمل لمنع الانهيار.
التقديرات الفنية والمالية للخبراء تشير إلى أن السلطة لن تكون قادرة على دفع 40 في المئة من التزاماتها للموظفين خلال شهر تموز/يوليو المقبل، وهو ما يتطابق مع تقديرات مسؤولين في السلطة الفلسطينية حذروا من عدم القدرة على الإيفاء بالتزاماتها تجاه الموظفين ومن شلل مرتقب في مهامها.
واندلعت الأزمة عقب إصدار إسرائيل تشريعا يقضي باقتطاع 138 مليون دولار سنويا من أموال الضريبة التي تجيبها إسرائيل بالنيابة عن الفلسطينيين، بدلا من الأموال التي تدفعها السلطة للأسرى وأهالي الشهداء.
وإثر ذلك رفض الفلسطينيون تسلم الأموال، طالما أن إسرائيل لا تقوم بتحويل المبلغ بالكامل.
مخاوف الانهيار دفعت رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى عقد اجتماع مع وزير ماليته يوم الأحد الماضي، لبحث سبل منع انهيار السلطة ماليا خاصة بعد رفضها مرة أخرى تسلم أموال منقوصة حولتها إسرائيل سرا للبنوك الفلسطينية قبل نحو أسبوعين.
ويوم الثلاثاء الماضي، اجتمع المانحون للسلطة الفلسطينية في بروكسل، وتعهدوا بتقديم 200 مليون يورو لإسعاف خزينة السلطة الفلسطينية الفارغة.
وفي السر تعمل إسرائيل على إيجاد طرق لتمويل السلطة التي لا ترغب في انهيارها خشية عدم الاستقرار الأمني بالضفة وارتداد ذلك عليها بموجة عنف ترغب بتفاديها، حيث كشفت تقارير إسرائيلية عن طلب إسرائيل من دول الاتحاد الأوروبي الضغط على الرئيس محمود عباس لقبول أموال المقاصة بشكل مؤقت لحين إيجاد حل للأزمة.
وقامت إسرائيل منتصف نيسان/ابريل الماضي، بتحويل 650 مليون شيقل بشكل سري للبنوك، بيد أن السلطة الفلسطينية أرجعتها، واجتمع وزير المالية الإسرائيلي بمسؤول الشؤون المدنية في السلطة الفلسطينية حسين الشيخ، الذي أبلغه ان لا عودة عن القرار دون أن تتراجع إسرائيل عن الخصم.
وكانت إسرائيل رفضت وساطة فرنسية لإرجاع الأموال المنقوصة والعدول عن قرار الاقتطاع، حيث رفض نتنياهو الطلب الفرنسي وهاجمه حسب بعض التقارير والتصريحات الإسرائيلية.
والاثنين الماضي، شارك الرئيس محمود عباس في جلسة مجلس الوزراء على غير العادة لاطلاعهم على خطورة المرحلة المقبلة في ظل اشتداد الأزمة المالية، وكشف عن عدم تفاؤله من الحصول على دعم مالي عربي.
وكشف ما دار في اجتماع وزراء الخارجية العرب قبل أسبوعين بالقاهرة وقال: “طلبنا من الأشقاء العرب شبكة أمان مالية 100 مليون دولار في الشهر، لكننا غير متفائلين”. وأضاف: “قلنا لهم دين، قرضة حسنة، يعني أعطونا بنعطيكم، ولما ترجع إسرائيل الفلوس، بنعطيكم الدين، لكن حتى الآن ما أجانا جواب”.
وقال المحلل السياسي، أحمد رفيق عوض، لـ “القدس العربي” إن “من الواضح أن هناك خيبة أمل لدى الرئيس من الموقف العربي”. وأضاف: “الدعم المالي العربي وغيره مال سياسي، ومرتبط بالقضايا السياسية والتسويات ومدى الرضا الأمريكي والغربي عنه، دون أن تكون هناك توافقات وموافقات لن يكون هناك دعم للفلسطينيين”.
وأوضح أن هذه الخيبة المالية لا شك تنطبق على الخيبة السياسية، وهذا يزيد المخاوف من إمكانية انخراط العرب في صفقة القرن لتوفير التغطية السياسية والمالية لها.
وتابع: “التعليقات السرية والعلنية التطبيعية للعرب تعطي مؤشرا آخر حول موقفهم السلبي تجاه الفلسطينيين وتقبلهم للصفقة”.
ويقول الفلسطينيون: إنهم يعانون من حصار مالي تقوده الولايات المتحدة الأمريكية، لدفعهم نحو القبول بصفقة القرن المزمع طرحها في حزيران/يونيو المقبل، ويرفضها الفلسطينيون.
وتشكل أموال الضرائب نحو 70 في المئة من واردات السلطة، وتذهب على شكل رواتب إلى نحو 150 ألف موظف مدني وعسكري.
ويقول خبير الاقتصاد نصر عبد الكريم، لـ “القدس العربي” إن السلطة لن تستطيع دفع الرواتب بعد تموز/يوليو المقبل إذا ما استمر الوضع على ما هو عليه، حيث ستضيق الخيارات والموارد المتاحة الآن، وستضعف قدرتها على الجباية المحلية.
وأشار إلى أنه إذا ما استمرت بضعة أشهر أخرى سيصيبها شلل كامل، لذلك ستبحث هي عن حلول لمنع الوصول إلى هذه المرحلة وقد تلجأ إلى الاقتراض برهن الديون المحتجزة، وإسرائيل ستبحث هي الأخرى عن حلول للحفاظ على الاستقرار الأمني في المنطقة.
ويتوقع عبد الكريم “أن نسمع خلال الأسابيع المقبلة عن وساطات لإنزال الطرفين عن الشجرة والوصول إلى تسوية ما مريحة لكلاهما”.
وبين أنه سيتم إيجاد الحلول لأن لا مصلحة لأحد بانهيار السلطة، وقد يحصل حل سياسي بالتزامن مع طرح صفقة القرن ويتم فيه تغيير شكل ووظيفة السلطة، أو حل فني تعاد فيه الأموال المحتجزة إلى خزينة السلطة.
وقال عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، الدكتور واصل ابو يوسف، لـ “القدس العربي” إن “لا انفراجات لغاية الآن في الأزمة المالية”.
والتقديرات الإسرائيلية تشير إلى أن الأوضاع تتجه إلى الأسوأ، وأن مظاهر ضعف السلطة الفلسطينية في تزايد، ومن شأن ذلك ان يولد موجة عنف على تل أبيب.
ومنذ ثلاثة أشهر يتقاضى الموظفون 40 في المئة من رواتبهم، والأوضاع تزداد سوءا، الكثيرون منهم لم يعودوا قادرين على الوصول إلى أماكن عملهم، وستزداد الضغوط المالية مع دخول شهر رمضان.
مقترح أوروبي
وقالت صحيفة “هآرتس” الإسرائيلية إن الاتحاد الأوروبي ومنتدى الدول المانحة للفلسطينيين، الذي اجتمع الثلاثاء الماضي في بروكسل، اقترحا التوسط بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية في محاولة لوضع نموذج جديد للدعم المالي للأسرى الفلسطينيين المحتجزين في السجون الإسرائيلية. ووفقا للنموذج، ستستند المدفوعات إلى الحالة الاجتماعية للعائلات، بغض النظر عن جرائم أولادها. وبالتالي، يأمل المجتمع الدولي المساعدة في حل الأزمة التي أوجدتها إسرائيل مع قرار تقليص عائدات الضرائب الفلسطينية، احتجاجًا على مدفوعات السلطة الفلسطينية للأسرى المدانين بجرائم إرهابية.
وقالت إن القصد هو إنشاء نموذج مماثل للتأمين الوطني في إسرائيل. وإلى أن يتم تطوير هذه الخطة، طلب ممثلو الاتحاد الأوروبي في بروكسل من ممثلي السلطة الفلسطينية النظر مؤقتًا في الحصول على بقية الضرائب من إسرائيل، بدون اعتبار ذلك مسألة قانونية أو سياسية أو الاعتراف بشرعية التقليص الإسرائيلي لأموال الضرائب الفلسطينية، وذلك لمنع حدوث أزمة إنسانية وانهيار اقتصادي، والذي قد يحدث في غضون بضعة أشهر إذا واصلت السلطة رفض تلقي الأموال.
وفي الإطار، قالت صحف إسرائيلية إن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بحث مع وزير المالية موشيه كحلون خطط طوارئ، في حال انهيار النظام المالي للسلطة الفلسطينية.
والتقى الاثنان لمناقشة الخطط الموضوعة وماهية الخطوات الممكنة التي من شأنها إبقاء السلطة الفلسطينية قادرة على سداد ديونها، وسط مخاوف من أن تؤدي الأزمة المالية إلى شلل الاقتصاد الفلسطيني وزعزعة الاستقرار في الضفة الغربية.
وقالت تقارير إسرائيلية إن إسرائيل ستسعى إلى إقناع رئيس السلطة الفلسطينية بقبول الأموال.
ويقول الفلسطينيون: إن الضغوط المالية التي تعاني منها السلطة هي ابتزازات سياسية أمريكية إسرائيلية لدفعهم نحو الانخراط في صفقة القرن التي يرفضونها بشدة، ومن المتوقع ان تكشف تفاصيلها في منتصف حزيران/يونيو المقبل.
في المقابل سيجتمع المجلس المركزي الفلسطيني في 15 حزيران/يونيو المقبل في مدينة رام الله، لإعلان سحب الاعتراف بإسرائيل ووقف التنسيق الأمني معها، ووقف العمل بالتفاهمات الاقتصادية المعروفة باتفاقية باريس الاقتصادية، ردا على أي محاولة لضم مناطق بالضفة الغربية واقتطاع إسرائيل أموال الضرائب.
وهي خطوة من شأنها أن تزيد منسوب التوتر والصراع مع إسرائيل وقد تزيد من عمق الأزمة المالية للسلطة الفلسطينية، وتدفع تجاه انهيارها.