كان الدافع لهذا المقال كلام الرئيس ماكرون، على الإسلام الذي “يعيش أزمة في كلّ مكان” بعبارته، وعلى “الانفصاليّة الإسلامويّة” وليس “الانعزاليّة” كما يترجمها البعض، إذ المقصود من اتّهامه أنّ هذه “النزعة” تسعى إلى التفريق بين المواطنين، وتفكيك ما هو متّصل في المجتمع الفرنسي. وهو ليس أوّل من يصرّح بهذا، وكأنّه يقول للمسلمين إنّهم بسبب من دينهم، في “رَدْب” أي في طريق مسدود لا ينفذ. وثمّة نصّ لأندريه مالرو (1956) أُعيد إليه الاعتبار في فرنسا، منذ بضع سنوات؛ وفيه ينبّه إلى “خطورة الظاهرة الإسلاميّة” وصعود الإسلام الذي يشبّهه ببدايات الشيوعيّة زمن لينين، فيما “العالم الغربي غير مستعدّ لمواجهة مشكلة الإسلام… حيث تشير الدلائل الحاليّة إلى أن أشكالًا مختلفة من الديكتاتوريّة الإسلاميّة ستقام على التوالي في جميع أنحاء العالم العربي”. ويضيف أنّ الوقت قد فات لوقف هذا المدّ، وإنّ “البؤساء” والعبارة له: “ليس لديهم الكثير ممّا يخسرونه. بل سوف يؤْثرون الاحتفاظ ببؤسهم داخل طائفتهم المسلمة. وسيبقى مصيرهم بلا شكّ دون تغيير. إنّ تصوّرنا عنهم غربي أكثر من اللزوم. وهم سيفضّلون مستقبل جنسهم على النعم التي ندّعي أنّه بالإمكان إغداقها عليهم. ولن تظلّ أفريقيا السوداء طويلا بمنأى عن هذه السيرورة. وكلّ ما نقدر على فعله هو أن ندرك خطورة الظاهرة، ونحاول تأخير تطوّرها”.
غير أنّ ما يغيب عن هؤلاء الذين يصرّحون بما يصرّحون لاعتبارات “حضاريّة” أو “فكريّة” أو إيديولوجيّة، أو سياسيّة أو انتخابيّة تخصّهم، أنّ الأزمة، بشهادة أهل الذكر منهم؛ هي “أفق وجودهم” هم أنفسهم كما تبيّن ميريام ريفولت دالونيس؛ ووجودنا نحن أيضا؛ وكلّنا متأزّم متألم لأزمة هذا الزمان وشدّته. وهي أزمة يتعذّر اختزالها في دين بعينه، أو في وضع اقتصادي، أو في فترة فيروس انتقالي عابر للقارّات مثل كورونا؛ إنّما هي أزمة عالميّة بامتياز. لذلك من المفيد أن نفكّر فيها لا بمنطق الساسة المتنفّذين ونفعيّتهم أو”ذرائعيّتهم” وإنّما بمنطق أهل الفكر مثل بول ريكور الذي يعدّ الأزمة “عيار الحداثة”؛ حتى أنّها تلوح لنا اليوم سمة الحاضر وشعاره.
ما الذي يحدث اليوم؟ وما الفرق بين اليوم والأمس؟ بل كيف نحدّ هذا الحاضر الذي ننتمي إليه، بل من نحن في هذا الزمن الذي نعيشه ونعيش فيه؟ في هذا السياق يظهر نصّ كانط كما تظهر الجزيرة عند الجزر، إذ هو كما يقول ميشيل فوكو طريقة مخصوصة بالحداثة وبالخطاب الفلسفي، في التعامل مع مسألة الحاضر أو “الحاليّة”؛ أي من حيث هو طرح جديد في مقاربة الحداثة، لا من حيث هي مجرّد “حقبة” أو “فترة” أو “مرحلة” بل من حيث هي سؤال وقضيّة ومشكلة.
ومن هذا المنظور، يتعذّر أن نهمل الطريقة التي يمثل بها حاضر مخصوص – وهو “أزمة”ـ في فكر اليوم وفلسفة اليوم.
أمّا كانط فقد واجه المسألة، تحت تأثير الثورة الفرنسيّة من حيث هي أزمة كبرى؛ مثّلت عنصرا حاسما في تفكيره. على أنّ مفهوم الأزمة يتجاوز اليوم الحدث الذي يصفه كانط بـ”علامة تاريخ” للبشريّة جمعاء. كما أنّه لا يناسب تماما ما استشرفه روسو عندما كتب عام 1768 في “إميل”: “إنّنا نقترب من حالة أزمة وقرن من الثورات”.
ما المعنى الذي يحسن أن نضفيه على الأزمة؟
لا نظنّ أنّ هناك من ينكر أنّ حاضرنا، لم نأته من أيّ باب جئناه؛ إلاّ وجدنا الأزمة تغزوه من كلّ المناحي، حتى ليمكن القول إنّها المسألة الأساسيّة في عصرنا ووجودنا. وليس هناك مجال لم تمسّه الأزمة: الرأسماليّة وأزماتها الاقتصادية والماليّة، والتكنولوجيا وآثارها الجانبيّة حيث يصعب اعتبار العلم محايدا بالتمام والكمال؛ وهو المحكوم بالنظام الاجتماعي الذي يفيد منه، ومن طرق توظيفه أو تشغيله. ناهيك عن المجتمع والقيم والتعليم والثقافة وأزمة الأدب والشعر والكتاب، والشباب والعلاقات الزوجيّة والعائليّة، والأمراض النفسانيّة والاضطرابات العصبيّة. ولم تتنكّب حنّا أرندت الصواب عندما لاحظت في “أزمة الثقافة” أنّ الأزمة التي حلّت بالعالم الحديث أثّرت تقريبا في جميع مجالات الوجود والنشاط البشري. لذلك يكون من المفيد أن لا نحصر الأزمة في مجرّد ظاهرة دينيّة أو اقتصاديّة كما هي حال اليوم مع استفحال كورونا. لكن ألا يستفرغ التعميم من هذا المنظور، فكرة الأزمة من معناها الأصلي، ويأتي على دلالتها؟
قد يكون ذلك كذلك، وتوسيع المفهوم إنّما مردّه إلى غموضه في الاستخدام المبذول حيث تختلط السجلاّت، وتتقوّض الحدود والفواصل بين الديني والسياسي أو بين الخاصّ والعامّ؛ ويستعصي تشخيص الأزمة أو هو يختلف من هذا إلى ذاك، ومعه تتعدّد الحلول أو لا حلّ البتّة.
لذلك يمكن القول إنّ ما يميّز الأزمة هو الارتباك والتردّد والحيرة، وعدم القدرة على الحسم؛ أي عندما نقف مدفوعين مصدودين أفرادا وشعوبا ودولا، لا نستطيع أن نقرّر شيئا، فيكون الشكّ الذي لا يفضي إلى يقين. والكلمة الفرنسيّة مشتقّة من أصل إغريقي يفيد “القرار” والعزم والحزم أو “البتيّة” أي ما يوطئ السبيل إلى انفراج الأزمة؛ أو على رأي ابن النحوي التوزري [التونسي] صاحب “المنفرجة” الشهيرة “اشتدّي أزمةُ تنفرجي”؛ وإن كانت في عالم اليوم، لا تكاد تنفرج حتّى تشتدّ.
إنّ كلّ أزمة محكومة بفترة زمنيّة هي حيّزها، بيْد أنّها لا تنفصل عن حسّ الزمن المخصوص بالمجتمعات أو تجربته ومكابدته. والثقافات كلّها لا تختبر علاقتها بالوقت بالطريقة نفسها، أو هي لا تضفي القيمة نفسها على لحظاته المختلفة ما تعلّق الأمر بالماضي والحاضر والمستقبل. وداخل كلّ حاضر كما تقول ميريام ريفولت دالونيس، تستثمر الثقافات الأبعاد الزمنية للماضي والمستقبل بشكل مختلف؛ فليس ثمّة طريقة واحدة بل طرق عديدة لتحديد الزمن المناسب واستشرافه، وهذا يشمل الأفراد كما يشمل المجتمعات. ومن هذا الجانب، يمكن أن نعتبر “الأزمة” كشفا وعلامة، وربّما سبيل خلاص.
وها هنا نستحضر بول ريكور ثانية، وهو الذي تعامل مع “الأزمة” من حيث هي مشكلة إنسانيّة واجتماعيّة أو “عدالة اجتماعيّة”؛ وليس من حيث هي مشكلة “تقنية” في مسعى منه على ما يبدو، من أجل بناء مفهوم موحّد متماسك للأزمة؛ في زمنيّة محدّدة: زمن حداثتنا الآن أي هذا الحاضر الذي نعيشه ونعيش فيه. وفي حوار مع ميشيل روكار، نُشر في عام 1991، يشير ريكور إلى أنّ المجتمع ليس مجرّد سوق، أو هو جماع علاقات تجاريّة؛ وإنّما هو قبل كلّ شيء شبكة من المؤسّسات لا يمكن اختزالها في نظام توزيع، بالمعنى الاقتصادي الحصري لمصطلح “التوزيع” الذي يمكن أن يتعارض مع “الإنتاج”. وهو نظام “يوزّع جميع أنواع السلع وهي سلع تسويقيّة بالطبع، ولكنّها أيضا سلع تشمل الصحّة والتعليم والأمن والهويّة الوطنيّة أو حتى المواطنة”. لذلك فإنّ المشكل الذي ينشأ هو معرفة أيّ من هذه السلع يحسن أن يتمّ توزيعها وفقا لقواعد السوق، وأيّ منها يتطلّب طريقة توزيع أخرى، وإذا كان الأمر كذلك، فأيّ واحدة منها؟ وأقدّر أنّ هذا ما يطرحه اليوم “لقاح كوفيد” الذي يمكن أن تستأثر به بعض الدول لنفسها، أو تجعل منه مجرّد سلعة. ويعترف ريكور هنا بدينه لفكر الفيلسوف الأمريكي مايكل والزر الذي يبيّن في كتابه “مجالات العدالة” أنّ الرؤية الإجرائيّة (الصوريّة أو الشكليّة) البحتة للعدالة ليست كافية، وأنّه بات من الضروري مراعاة طبيعة البضائع التي يتمّ توزيعها، أي العمل على ربط البضائع والخيرات والثروات، بما هو خير وقيمة. ونحن بالنسبة إلى ريكور، لا نوزّع بالطريقة نفسها “السلع” أو “البضائع” التعليمية و”السلع” الصحيّة وسلع السوق عامّة، وحتى المواطنة مثل الحقّ في تكوين الجمعيات وحقّ التعبير والحقّ في الأمن… على أنّ للسوق منطقه، الأمر الذي يستدعي مفهوما جديدا للمجتمع، وإعادة الاعتبار للدولة “الراعية”.
الحقّ أنّ مفهوم الأزمة يتّسع اليوم إلى الحدّ الذي يتسنّى معه القول إننا نعيش باستمرار في أزمات يسلسل بعضها بعضا. فالأزمة مركز وجودنا أو القاعدة العامّة التي يفترض أن تنظّم وعينا الفردي والجماعي وطرائق عملنا. وما يحدث إنّما هو “انقلاب غريب في المعياريّة” يحوّل الأزمة من حالة طوارئ أو حالة استثنائية في الأصل؛ إلى حالة طبيعية منتظمة دائمة. وهاهنا أعود إلى الرئيس ماكرون، لأقول إنّ الديانات كلّها وبخاصّة التوحيديّة تعيش أزمة؛ وقد التبس فيها الديني بالسياسي في أمريكا وأوروبا وفي إسرائيل وعند طوائف ودول إسلاميّة. وربّما لا تملك فرنسا والغرب عامّة سوى”التعايش” مع الوافد الإسلامي، ولا يملك المسلمون هناك سوى”التعايش” مع بيئتهم الجديدة؛ أي القبول في كنف القانون والعيش المشترك بما يسمّيه ماكس ويبر”تعدّد آلهة القيم”.
* كاتب تونسي