الأسئلة الغائبة: ما المنتج الثقافي للانتفاضات العربية؟

يدور جدل دائم حول الثقافة السياسية للشعوب العربية، ومدى ملائمتها للمساهمة في إحداث التغيير المنشود. وتُطرح أسئلة عن النتائج التي يمكن أن يؤدي إليها حكم الأغلبية، إن تحقق، ضمن بيئة اجتماعية تعادي الحريات الفردية والمساواة الحقوقية. لا يُعنى هذا الطرح عادة بنقد «العامة» وحسب، بل يأخذ في حسبانه فكر وسلوك فئات وازنة من «النخبة» السياسية، التي لم تبد أداءً مبشراً في ما يتعلق بضرورات الانتقال الديمقراطي، سواء كانت نخباً إسلامية أم علمانية.

إلا أن هذا الطرح، على أهميته، يُغفل مستوى آخر للمسألة، وهو التصورات الذاتية للفاعلين الاجتماعيين المشاركين في الانتفاضات، حول مفاهيم مثل «التغيير» و«الثورة». وكيف تم التعبير عنها في المنتج الثقافي للثورات (إن وجد). وهذه معضلة معروفة لدى المؤرخين وعلماء اللغة والأنثربولوجيا: يمكنك أن تصف حياة وثقافة مجموعة بشرية بلغتك ومفاهيمك وإطارك المعياري، كباحث (Etic). ولكن ذلك لا يُغني عن وصف داخلي، وفق منطق أبناء هذه المجموعة ولغتهم الخاصة (Emic) .
لحسن الحظ نحن لا نتعامل في حالتنا هذه مع «آخر»، ولسنا مثل عالم اللغويات الأمريكي كينث بايك، الذي صاغ هذه المعضلة، لدى تعامله مع ثقافات السكان الأصليين حول العالم، فالثورات العربية، ولغة ومفاهيم المشاركين فيها، هي جزء من وعينا الذاتي، وحاضرنا أو ماضينا القريب، ولذلك فيمكننا أن نصل لتصورات داخلية عن مدلولات اللغة الثورية، وشحنتها العاطفية، من خلال إعادة قراءة الرموز والنصوص والهتافات التي انتجتها.

في مصر وصل الأمر بالتيار الثوري لترديد غنائيات تحتفي بقيم ريفية، مثل «عوّاد باع أرضه»، للتشهير بقرار النظام تسليم جزيرتي تيران وصنافير للسعودية، على اعتبار أن بيع وشراء الأرض «عار»، تماماً كالتخلي عن «العرض».

بديهيات «ما بعد الأيديولوجيا»

هنالك فرق كبير بين المشاركين في الربيع العربي، والجيل الأقدم من مسيسي فترة «التحرر الوطني» العربية. فهم لم يهتموا كثيراً بصياغة نظرة متماسكة أيديولوجياً للعالم والذات والمجموعة، ولن نجد لديهم، مهما بحثنا، أدبيات ومناقشات عقائدية في هذا الخصوص. يمكننا أن نذكر للمقارنة السجال الكبير بين البعثيين العرب عقب هزيمة يونيو/حزيران، الذي أدى لانقسامات كبرى بينهم، وتشكيل أحزاب وجماعات جديدة (تيار القيادة القطرية اليساري، والقومية اليمني، وحزب العمال الثوري العربي، إلخ). وكذلك التطور الفكري للناصريين في الفترة نفسها، واتجاه قطاع منهم نحو أنماط مختلفة من الماركسية المتطرفة. لم يقتصر الأمر آنذاك على القضايا النظرية البحتة، بل كان هنالك جدل حول الممارسة العملية، مثل الكفاح المسلح وضرورته وأساليبه، وعلاقته بحراك «الجماهير»، ومستوى التطور الاجتماعي. ثورات الربيع العربي تسلحت وخاضت حروباً أهلية في بعض الأحيان، وواجهت ظروفاً لا تقل صعوبة، ولكنها عملت في شرط «بعد أيديولوجي»، أي أن قولها الأيديولوجي لم يكن واعياً ومشغولاً عليه بحرفية المنظرين الثوريين، بل اعتمد على بديهيات لا يمكن لأحد رفضها أو نقاشها: الديمقراطية والحرية والكرامة ومواجهة الفساد والفاسدين. هذه البديهات تم وعيها بوصفها تطوراً لازماً في عالم ما بعد الحرب الباردة، فرياح التغيير ستهبّ بشكل طبيعي لتسقط الأنظمة غير الديمقراطية، كما حدث في أوروبا الشرقية، والثورات البرتقالية. والعالم (أي الأنظمة الديمقراطية في الدول الغربية خاصةً) سيدعم طموح التغيير، ولن يقف ساكناً أمام قمعه أو مواجهته بالعنف الغاشم، وإلا سيكون منافقاً.
ولكن ما «التغيير»؟ تصعب الإجابة على هذا السؤال، لأن التصورات كانت مشوشة ومتضاربة لدى معظم الثائرين، شعارات مثل «الشعب يريد إسقاط النظام»، وهجاء الحكام العجائز الفاسدين، توحي بتمرد على الطبقة السياسية القائمة، والرغبة باستبدالها بطبقة جديدة منتخبة، بدون أن يكون لدى معظم الثائرين استعداد لتقديم كوادر سياسية تشكّل هذه الطبقة. فالثوار مكانهم الشارع، وهو أنقى وأكثر سمواً من السياسة وألاعيبها. ومتجاوزٌ دوماً لتردد وانتهازية السياسيين. يبدو هذا النمط من التفكير شعبوياً بامتياز، يضع «الشعب» في مواجهة «النخبة» ومؤسساتها، وإن كانت الشعبوية تُقدم عادة زعامات كارزمية، وتنظيمات تدعي تجاوز اليمين واليسار. المزاج العربي في هذا المعنى أكثر رومانسية من تحركات مشابهة في منطقة البحر المتوسط، مثل حركة «خمسة نجوم» في إيطاليا، و«سيريزا» في اليونان.
تعبير الكرامة استُعمل بشكل محافظ جداً من قبل الثائرين، سواء في ما يتعلق بالكرامة الفردية، أو الوطنية والقومية. أن لا يهان الإنسان من السلطة، أو في سعيه للقمة العيش، هي قيمة كونية بالتأكيد، ولكنها ارتبطت بقيم العزة والنخوة التقليدية، خصوصاً في ما يتعلق بالمفاخرة الأهلية والمناطقية، أو في النظرة للنساء، اللواتي أصبحن «حرائر» و«كنداكات»، أي موطناً للعزة الجمعية والشرف، أكثر من كونهن أفراداً مستقلين ومتساوين. وتم استرجاع كل البلاغة المعروفة عن الوطن المهان، الذي يجب أن يعود عزيزاً، و«المكانة التاريخية» للدولة والأمة. فضلاً عن التصورات المتوارثة عن القضية الفلسطينية، وأسلوب التفكير بـ«الأراضي المحتلة» و«المباعة». في مصر وصل الأمر بالتيار الثوري لترديد غنائيات تحتفي بقيم ريفية، مثل «عوّاد باع أرضه»، للتشهير بقرار النظام تسليم جزيرتي تيران وصنافير للسعودية، على اعتبار أن بيع وشراء الأرض «عار»، تماماً كالتخلي عن «العرض».

من الخطأ ربما تقييم الحراك الاجتماعي العربي بمعايير ثورية خارجة عنه، ولكن هذا لا يعني التخلي عن محاولة استشراف الجديد الذي قد يؤدي إليه، بالضد أحياناً عن مفاهيم وقيم منتجيه التاريخيين.

«أنا فهمتكم»

لا يتعلق الأمر إذن بعجز الثوار عن تقديم «بديل»، بل في أنهم لم يكونوا معنيين أصلاً بطرح أسئلة حول المفاهيم التقليدية للذات والجماعة والثقافة. وبالتالي فإن الفهم النظري لأنماط الحكم، وقواعدها الاجتماعية، والوظائف التي تؤديها كي تضمن بقاءها، لم يكن مهمة ملحة بالنسبة لهم. وبدا استخدام نعوت مثل «شهداء» و«خونة» و«أبطال»، بكل شحنتها الدلالية المتوارثة، أمراً بديهياً ومفهوماً لدى الجميع، حتى الأنظمة وحكامها نعوا الشهداء، الذين قاموا هم بقتلهم، وأكدوا في أكثر من صيغة أنهم فهموا الثائرين.
وجود هذه اللغة المشتركة بين الأنظمة والثائرين عليها، يجعل مطالبة الثورات بتحقيق تصورات معيارية عن «الثورة الاجتماعية» زائداً عن المطلوب، فهذه الثورات تحركت دائماً ضمن الإطار المفاهيمي العام للدولة العربية، في مرحلة ما بعد الاستقلال، ولم تطالب بأكثر مما تحدده الأنظمة وتوافق عليه أيديولوجياً. نقمة الثوار جاءت بسبب نفاق الحكام، وفشلهم في تنفيذ مبادئهم المعلنة، وليس بسبب هذه المبادئ نفسها، فالقومية ذات النزعة العروبية والإسلامية، والمفهوم الجماعاتي عن الحرية، احتفظ دوماً بمكانته وحيثيته. يمكننا إذن أن نفهم كيف كان من الطبيعي أن يرى المرء صور عبد الناصر والسادات في ميدان التحرير في مصر، الذي من المفترض أن المعتصمين فيه ثائرون على رئيس شرعيته مستمدة من نظام ثورة يوليو/تموز. وكيف قَلَبَ بعض المتظاهرين في سوريا، بدون حرج، الشعار البعثي الشهير: «قائدنا للأبد، الأمين حافظ الأسد»، إلى: «قائدنا للأبد، سيدنا محمد». إذا قبلنا تحديد الربيع العربي بوصفه تحركاً ضمن أطر الأرثوذوكسية (العقيدة القويمة) الاجتماعية والوطنية السائدة، بدون إسباغ دلالة معيارية سلبية على هذا الوصف، فيمكننا أن نفسر بشكل أفضل قدرة بعض الأنظمة على التعافي. فهذه الأنظمة لم تُواجه بمطالب يمكن أن تؤدي لتغيير المجتمع القائم ومؤسساته جذرياً، كما حدث في ثورات الحداثة الكبرى (الفرنسية والروسية والصينية، وثورات 1848 في أوروبا)، بل كان المطلب الأساسي أن تصبح هذه الدول والمجتمعات أفضل نسخة ممكنة من نفسها. و«الممكن»، بعد الحروب الأهلية وانهيار بعض الدول، لا بدّ أن ينخفض سقفه، ليصبح بقاء الحد الأدنى من النظام العام والسلم الأهلي. وهو ما تحاول بعض الأنظمة اليوم بناء شرعيتها عليه.

مظاهر «حضارية»

من المنتجات الثقافية للثورات العربية أيضاً محاولة مخاطبة العالم، وإنتاج رموز وصور تظهر الوجه الحضاري للاحتجاجات. شهدنا هذا مع الموجة الأولى للربيع العربي، مع اللافتات ذات الشعارات «الذكية»، ومظاهر الوحدة الوطنية، ودور المرأة، وفنون الشارع، وخفة الدم، الخ. ويعاد التركيز عليه في الموجة الثانية التي نشهدها حاليا في السودان والجزائر. تستطيع هذه المظاهر أن تجمع بين الجانبين الذين تحدثنا عنهما: اعتبار التغيير حالاً عالمياً طبيعياً، يقدم الثوار أنفسهم ضمنه، بوصفهم أفراداً متحضرين، يستحقون الحرية كغيرهم من الشعوب. والمحافظة في الآن ذاته على الثوابت الثقافية والوطنية. فلا يبدون ما قد يثير حفيظة المجتمع. هذه المعادلة المتوازنة تؤدي غرضها في أوساط المتعاطفين في الداخل والخارج، ولكنها لا تستطيع تغطية التعقيدات الاجتماعية الكبيرة، والتعامل مع التناقضات، التي سرعان ما تنفجر لتكشف وجهاً «غير حضاري»، يتبرّأ الثوار منه، أو يعتبرونه نتيجة لـ«الثورة المضادة». رغم كل هذا، يبقى التصور «الداخلي» لثقافة المحتجين ولغتهم، الذي نقدمه هنا، محدوداً. فالناس يصنعون تاريخهم، ولكن ليس على هواهم، وفي ظروف يختارنها بأنفسهم، حسب مقولة ماركس الشهيرة. وهنالك شيءٌ ما جديد، ينتج عن فعاليتهم في النهاية، يكون مختلفاً عن التقاليد «الجاثمة على وعيهم كالكابوس». من الخطأ ربما تقييم الحراك الاجتماعي العربي بمعايير ثورية خارجة عنه، ولكن هذا لا يعني التخلي عن محاولة استشراف الجديد الذي قد يؤدي إليه، بالضد أحياناً عن مفاهيم وقيم منتجيه التاريخيين.

٭ كاتب من سوريا

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية