البندقية – «القدس العربي» : بعد غياب ملحوظ العام الماضي، عاد نجوم هوليوود والسينما العالمية للتألق على البساط الأحمر في مهرجان البندقية للأفلام في أمسية حفل افتتاح فعاليات دورته الثامنة والسبعين الأسبوع الماضي، حيث منح الممثل والمخرج الكوميدي الإيطالي الحائز على الأوسكار روبرتو بينيني جائزة «الأسد الذهبي».
واختتم الحفل بعرض فيلم «مادريس بارالاليس» للمخرج الإسباني العريق المودوفار، حيث حضر المهرجان في رفقة بطلة الفيلم النجمة الإسبانية بنيلوبي كروز، التي تؤدي دور مصوّرة في الأربعينيات تدعى جانيس، ترتبط بعلاقة حميمة مع عالم آثار يعدها بنبش قبر جماعي لضحايا الحرب الإسبانية الأهلية بحثاً عن رفات جدها. فتنجب منه طفلة، لكنه ينكر أنها ابنته لأنها لا تشبهه. وبعد إجراء فحص الحمض النووي، يتبين أن طفلتها الحقيقية استبدلت بطفلة أخرى وتوفيت بعد شهرين. فتدعوا أم تلك الطفلة للعيش معها من دون إخبارها بالحقيقة لكي لا تخسر الطفلة.
الفيلم قوبل بحماسٍ من قبل رواد المهرجان والنقاد، واعتبرهٌ بعضهم أحد أفضل أفلام المودوفار، الذي عاد ليتناول الأمومة وآلامها في الحاضرْ، ويربطها بآلام ماضي إسبانيا خلال الحرب الأهلية في ميلودراما ذكية، يصبغها بالألوان التعبيرية ويسندها بشخصيات نسائيةٍ مركبة ومستقلة.
ويوحي الفيلم إلى أن الروابط بين البشر وبين ماضيهم وحاضرهم ليست الجينات بل إنسانيتهم وعواطفهم وتاريخهم وصراعاتهم وأحلامهم المشتركة.
كما يتميز بأداء الممثلين الرائع، وخاصة كروز التي تقوم ببطولة فيلم المودوفار للمرة الثامنة.
كيف تفسد السياسة الناس
كما عرض المهرجان الفيلم الفرنسي «بروميسيز» الذي تؤدي فيه النجمة الفرنسية إيزابيل هوبير دور رئيسة بلدية مثالية، تدعى كليمنتين، تقرر أن تتنحى عن الحكم بعد اثني عشر عاماً لنائبتها ناديرا، بينما تحاول أن تحصل على دعم حكومي لإصلاح مبنى سكني لمواطنين فقراء بمساعدة رئيس مكتبها يزيد. لكن عندما تسمع أن بإمكانها أن تصبح وزيرة، تتراجع عن قرار التنحي عن منصبها وتنشغل بمعركتها السياسية بدلاً من خدمة مواطنيها، ما يدفع يزيد الى الاستقالة والعمل من أجل مساعدة سكان البناية الفقراء.
الفيلم يتناول إفساد نفوذ السلطة للسياسيين حتى المثاليين منْهم، وآثار هذا الفساد الوخيمة على المجتمع. وما يميزه عن الأفلام الغربية الأخرى هو أن الشخصيات العربية مثل يزيد وناديرة ليست هامشية أو شريرة أو ضعيفة بل هي الأفضل خلقا ونزاهةً وترفض التنازل عن مبادئها من أجل تحقيق طموحاتها السياسية. لكنّ نقطة ضعف الفيلم تكمن في اعتماده على الخطابات السياسية والأخلاقية الطويلة لطرح أفكاره بدلاً من نسجها في السرد.
أما فيلم «ذي كارد كاونتر» الأمريكي فيتمحور حول ويليام تيل، لاعب أوراق محترف، غامض ومنعزل تطارده كوابيس مرعبة، نعرف مصدرها عندما يلتقي بابن زميله، الذي خدم معه في الجيش الأمريكي ويطلب منه مساعدته في قتل قائده العسكري، الذي كان يدير برنامج التعذيب في سجن «أبو غريب» في العراق، ولم يعاقب مثل تيل ووالد الفتى على ما ارتكبه من جرائم تعذيب.
مخرج الفيلم بول شرادر معروفٌ بسبر شخصيات تعيش في صراعٍ مع ذاتها مثل سائق تاكسي «فيرست ريفورمد» بأسلوب فيلم نوار. وفي «ذي كارد كاونتر» عقاب تيل بالسجن لم يخففْ من شعور الذنب ولم يطفئ الكوابيس المروعة في ذهنه، لهذا يبحث عن طريقة للتكفير عن أخطائه، بينما قائده العسكري الذي لم يعاقب، ما زال يطوّر طرق تعذيبٍ جديدةٍ ويروج لها. الفيلم أيضاً يكشف عن فساد النظام الأمريكي الذي عاقب الجنود الذين ظهروا في صور التعذيب، لكن لم يعاقبْ الضباط والمقاولين الذين أمروهم بالتعذيب.
كما عرض في خارج المسابقات الفيلم الأكثر ترقباً «دون» المستلهم من رواية الخيال العلمي الشهيرة للكاتب الأمريكي فرانك هيربيرت ومن إخراج الكندي دينيس فيلنوف.
تدور أحداث الفيلم في المستقبل البعيد في كوكب أراكيس، ذي البئية الصحرواية التي لا تصلح للعيش بسبب الحرارة المرتفعة لكنه ثري بمادة التوابل، التي تعتبر محرك الحياة. ويدير الكوكب مجتمع الهاركونون العدائيين منذ ثمانين عاما.
وعندما يمنحه الإمبراطور لمجتمع التراديس، يهاجمهم الهاركونون ويسحقونهم، لكن ولي العهد، بول، وامه، جيسيكا، الليذين لديهما قدرات خارقة يهربان إلى سكان الكوكب الأصليين المضطهدين، الفيرمان، الذين تأقلموا مع بيئة الكوكب العدائية. وسرعان ما ينبهر الفيرمان بقدرات بول الخارقة ويعتبرونه «المهدي المنتظر» الذي كانوا ينتظرونه ليقودهم في الجهاد لتحقيق حريتهم.
فضلاً عن جمالياته البصريةْ والصوتيةْ الساحرة ْوأبعاده الملحمية المذهلة يطرح «دون» قضايا معاصرةْ مهمةْ مثل الاستعمارْ ودمار البيئة والاحتباس الحراري والتطرف الديني والفساد السياسي. ويستحضر في طرحه فيلم «لورانس العرب» حيث يأتي لورانس الإنكليزي الأبيض إلى الصحراء العربيةٍ الغنية بالنفط ويقود العرب في ثورتهم ضد الأتراك. ففضلاً عن مظاهرهم العربية البدوية، الفيرمان يستخدمون كلمات عربيةْ ومصطلحات إسلاميةْ مثل الجهاد والشيطان والمهدي. لكنهم لا يعالجونها بصورٍة سلبيٍة أو همجية متخلفة، بل يبدون متطورين قتاليًا وأرقى أخلاقيا ًمن الارستقراطيين البيض. لكن من المفارقات أنه لا يوجد بينهم ممثل عربي واحد.
مشاركات عربية ناجحة
وعلى الصعيد العربي، عرض في منافسة «آفاق» فيلم محمد دياب «أميرة» الذي يتناول ظاهرة تهريب نطف المساجين الفلسطينيين لتلقيح زوجاتهم من خلال قصة فتاة فلسطينية تلدها أمها، بينما كان والدها في السجن، تكتشف حقيقة مروعة عن هويتها عندما يحاول والداها الإنجاب مرة أخرى بالطريقة نفسها.
ظاهرة تهريب نطف المساجين الفلسطينيين ليست إلا المحفز للحدث الرئيسي في الفيلم، الذي يقودنا إلى صلب الموضوع الذي أراد أن يعالجه دياب وهو الكراهية العمياء بين الفلسطينيين والإسرائيليين، كراهية لا تختلف كثيراً عن الكراهية بين المصريين والإسرائيليين، لكن في حديث معه قال لي إن الوضع يختلف وأن الصراع بين الفلسطينيين والإسرائيليين ما زال ملتهباً، ومع ذلك اعترف أن شخصيات مصرية كانت على الأرجح لتتصرف مثل الشخصيات الفلسطينية في الفيلم. كما أكّد أنه دأب على اختيار ممثلين فلسطينيين لأداء كل الأدوار وعلى استشارة منتجيه المخرج الفلسطيني هاني أبو أسعد وزوجته أميرة دياب في كل مراحل تطوير وانتاج الفيلم لكي يقدم صورة صادقة ودقيقة عن الواقع الفلسطيني في طرح بعيد عن الميلودراما المصرية.
وفي فئة الأفلام القصيرة عرض أول فيلم يمني يشارك في مهرجان عالمي وهو الوثائقي «لا ترتاح كثيرا» للمخرجة اليمنية شيماء التميمي، التي تحكي فيه قصة عائلتها منذ هجرة جدها من اليمن الى الإمارات ، حيث ولدت وترعرت، لكنها ما زالت مرتبطة بأرض اجدادها اليمن. بينما قدمت «أيام البندقية » أول إنتاج من هضبة الجولان، وهو فيلم السوري أمير فخر الدين «الغريب» الذي يتمحور حول شاب يدعى عدنان يترك دراسة الطب في روسيا ويعود الى الجولان بعد وفاة والده، الذي كان رافضا له وحرمه من كل أملاكه. ويتزوج من حبيبته ويستولي على حقل تفاح والده، الذي يلاحقه كابوسه أينما ذهب. فيخضع للكحول لتجاوز ألمه.
فخر الدين يقدم الجولان ذات الجمال الساحر كجحيم مروع؛ سماء مكسوة بغيوم داكنة وأرض وحلة ورياح صارخة وأصوات الحرب الأهلية في سوريا مدوية. وفي حديث معه قال إن ذلك يعكس الجحيم الذي يشعره بطل الفيلم. كما أن إيقاع الفيلم بطيء جدا لدرجة أنه يثير الملل، لكن فخر الدين تعمد ذلك لكي يعكس شعور انتظار أكثر من خمسين عاماً لإعادة الجولان الى سوريا وبات هذا الانتظار يبدو أبديا.
رغم تحديات وباء كورونا والإجراءات الصحية المشددة إلا أن مهرجان فينسيا نجح في أسبوعه الأول بتقديم مائدة دسمة من التحف السينمائية الرائعة وجذب نجومها لبساطه الأحمر واستقطاب جماهير عريضة لمشاهدتها لدرجة أن البعض وصف هذه الدورة بالأفضل في الأعوام الأخيرة. وكما كان متوقعاً، أشعلت هذه الأفلام التكهنات حول إمكانية ترشيحها لجوائز الأوسكار المقبلة.