الأسرى الفلسطينيون في سجون الاحتلال: حكايات تروي عذابات السجن وقهر السجان

أشرف الهور
حجم الخط
0

أطفال شبوا في السجون وآخرون شابوا فيها

غزة-“القدس العربي”:أظهر تعامل المؤسسات الإسرائيلية سواء العسكرية التي تشرف على قطاع السجون التي تفتقر لكل مقومات الحياة، أو القضائية، التي تصدر أحكاما لخدمة المؤسسة الأولى، من دون أي اكتراث لحقوق الإنسان، في قضية الأسير الفلسطيني ماهر الأخرس الذي دخل شهره الرابع في الإضراب المفتوح عن الطعام، مدى وحشيتها في قمع الفلسطينيين بشتى الطرق، وعملهم المشترك على اتباع سياسة إلحاق الأذى حتى الموت بكل من يقع في قبضة الاعتقال.

وفي سجون إسرائيل وعددها نحو 23 معتقلا ومركز احتجاز، تعتقل سلطات الاحتلال نحو خمسة آلاف أسير فلسطيني، بينهم نساء وأطفال وكبار في السن، ومن بين العدد الإجمالي هناك أسرى يعانون من أمراض مزمنة وخطيرة، ويشكي جميعهم من سوء المعاملة، ومن تعرضهم للإهانة والتعذيب، فيما هناك العديد منهم محرومون من زيارة الأهل، ويقبع آخرون في زنازين عزل انفرادي.

 

أوضاع مريرة وسجان مجرم

 

ويعيش هؤلاء جميعا في هذه الأوقات حالة خوف وترقب شديدين، بعد وصول فيروس كورونا إلى تلك المعتقلات التي تفتقر لكل مقومات الحياة، من ناحية ضيق غرف الاعتقال التي يتواجد فيها عدد كبير من الأسرى، وهو ما يسهل انتشار الوباء، وقلة الامكانيات المتوفرة للتصدي للفيروس، حيث تفتقر السجون لمواد التعقيم التي يحجبها السجان عن الأسرى، كما يعاني الأسرى إضافة إلى النقص الحاد بالأدوية وحرمانهم المتعمد من العلاج ضمن سياسة “الإهمال الطبي” من وجبات الطعام السيئة من ناحية الكم والنوع.

وبدون أي اكتراث لحالة المناطق الفلسطينية، حيث يعاني المواطنون من انتشار فيروس كورونا الخطير، تنفذ قوات الاحتلال يوميا حملات اعتقال واسعة، تطال مواطنين جدد يزج بهم خلف قضبان السجون، ومن بينهم أطفال ونساء وكبار في السن ومرضى، وهو ما يضع احتمالية كبيرة لتفشي الفيروس في السجون، عن طريق المعتقلين الجدد، الذين اكتشفت فيهم عدة إصابات.

فمثلا خلال شهر ايلول/سبتمبر الماضي، اعتقل الاحتلال 341 مواطنا، بينهم 32 طفلاً، وثلاث سيدات، وفق إحصائية أعدتها مؤسسات الأسرى وحقوق الإنسان في المناطق الفلسطينية، ليضافوا إلى الأسرى القدامى، والذين من بينهم نحو 350 أسيرا يقضون أحكام سجن إدارية، كالأسير ماهر الأخرس، وهي أحكام لا تشمل توجيه أي تهم، حيث يتذرع الاحتلال أن تهمهم سرية، ويصدر أمر الاعتقال من قائد عسكري في جيش الاحتلال في مخالفة للقوانين الدولية.

وقد أعاد الأسير ماهر الأخرس من جديد إلى الأضواء معاناة الأسرى الإداريين، حين قرر خوص إضراب عن الطعام، بدأه منذ 27 تموز/يوليو الماضي، مصرا على إطلاق سراحه ونيل الحرية، رافعا شعار “النصر أو الشهادة”.

وقد ظهر الأخرس الذي وضعه الاحتلال في أحد المشافي الإسرائيلية بعد تردي وضعه الصحي، في لقطات مصورة، كشفت حجم الجبروت الإسرائيلي في التعامل مع المعتقلين، واستمراره في العمل بالسياسة التنكيلية التي تستهدف حياتهم في المقام الأول. فخلال تلك اللقطات كان الأسير الأخرس يتحدث بصعوبة، وقد بدا على جسده المرض والهزل والتعب، ويقول “أريد أن أعيش بحريّة وكرامة، ورسالتي فقط أنني لا أريد أن أعيش مهدداً في بيتي” وأضاف: “من أول يوم في إضرابي رفضت الاعتقال ليوم واحد إما حراً طليقاً وإما أن يبقوا علي في سجونهم ومستشفياتهم حتى يقضوا علي بالإعدام بقراراتهم هذه” وقبل ذلك قال في رسالة للاحتلال إنه سيستمر في الإضراب، حتى تحقيق النصر أو الشهادة.

الأخرس نموذجا

وكان الأخرس بذلك يكرر أفعال أسرى إداريين سابقين، خاضوا تجربة الاعتقال، ومن بينهم من أمضى أكثر من أربعة أشهر متتالية حتى تمكن من نيل حريته، ويلجأ هؤلاء لخوض “معارك الأمعاء الخاوية” بالإضراب المفتوح عن الطعام، رغم أنهم يتعرضون خلال فترة الإضراب إلى ضعف وهزل ومرض شديد يهدد حياتهم بالموت، طلبا لنيل حريتهم أو تحسين ظروف اعتقالهم، ونجح الأسرى في مرات سابقة بإرغام الاحتلال على تلبية مطالبهم.

وأكدت مؤسسات الأسرى الفلسطينية إن محاكم الاحتلال وبكافة درجاتها، ساهمت بشكل أساسي في تفاقم معاناة الأسير الأخرس، عبر قراراتها المتواطئة مع مخابرات الاحتلال، مؤكدة أن جزءا من هذه القرارات، ما تُسميه المحكمة العليا للاحتلال بتجميد الاعتقال الإداري، الذي يُشكل إحدى الخدع والأدوات الأساسية التي ساهمت في ترسيخ سياسة الاعتقال الإداري على مدار السنوات القليلة الماضية.

ويقول قدورة فارس رئيس نادي الأسير، إن محاكم الاحتلال باتت أداة تعمل بتوصيات جهاز “الشاباك” الإسرائيلي، مشيرا إلى أن الاحتلال بالإضافة إلى محاكمه يتعنت في قضايا الأسرى.

وقد أعرب منسق الأمم المتحدة الخاص لعملية السلام في الشرق الأوسط نيكولاي ميلادينوف عن رفض الأحكام الإدارية، ودعا إسرائيل إلى توجيه تهم للأسرى الإداريين، وتحديد مدة محكوميتهم، أو إطلاق سراحهم على الفور، وقال إن الأمم المتحدة تطلق دعوات بشكل دائم لضرورة الإفراج عن الأسرى الإداريين.

فيما أوضحت وزيرة الصحة مي الكيلة، أن الإضراب الطويل عن الطعام في مثل حالة الأسير الأخرس يترك أثرا كبيرا على الجسم، حيث أن عدم وصول التغذية والاكسجين الكافيين للأعضاء كالرئتين والكلى والقلب الأمعاء قد يؤدي إلى فشلها.

وفي دلالة على أن سلطات الاحتلال تستخدم سياسة الاعتقال الإداري للانتقام من الفلسطينيين، اعتقلت قبل أكثر من أسبوع القيادي في حركة حماس حسن يوسف، بعد أقل من شهرين على إطلاق سراحه، وحولته لعدم ثبوت أي تهمة ضده للاعتقال الإداري لمدة ستة أشهر، وهي مدة قضاها قبل إطلاق سراحه الأخير، وقد تكررت خلال السنوات العشر الماضية عدة مرات.

ويقول رياض الأشقر الناطق الإعلامي باسم مركز فلسطين لدراسات الأسرى، إن محاكم الاحتلال العسكرية أصدرت 880 قرارا إداريا بحق أسرى فلسطينيين منذ بداية العام الجاري، وأفاد بأن تلك المحاكم العسكرية لم تتوقف عن إصدار أوامر الاعتقال الإداري، بتعليمات من المخابرات الإسرائيلية التي تتحكم في تفاصيل هذا الملف.

إهمال طبي متعمد

 

وليس بعيدا عن الاعتقال الإداري هناك سياسة “الإهمال الطبي المتعمد” ففي سجون الاحتلال يتجاوز عدد الأسرى المرضى 700 أسير وأسيرة، منهم نحو 170 حالة مرضية صعبة وخطيرة، بينهم 25 مريضاً مصاباً بالسرطان، وآخرون بأمراض مزمنة وخطيرة، كالضغط والسكر والكبد والفشل الكلوي، وكثير منهم يحتاجون إلى إجراء عمليات جراحية.

وبالاطلاع على أوضاع هؤلاء المرضى، يتبين أن مستوى العناية الصحية بالأسرى شديد السوء، حيث يحصلون على رعاية شكلية فقط، وذلك بشهادات الأسرى الذين ما زالوا معتقلين أو خرجوا مؤخرا، وهو ما تدلل عليه تقارير أصدرتها هيئات دولية.

وأكبر دليل على سوء الرعاية الصحية، هو ارتفاع عدد الوفيات في صفوف الأسرى المرضى، فخلال أقل من عام استشهد جراء الإهمال الطبي أو المرض الخطير، عدد كبير من الأسرى من بينهم الأسيران بسام السايح، وسامي ابو دياك، اللذان قضيا بمرض السرطان، والأسير فارس بارود والأسير سعدي الغرابلي، وكان آخر من تعرضوا للموت في سجون الاحتلال الأسير داوود الخطيب، الذي قضى قبل أربعة أشهر من انتهاء محكوميته.

وفي دلالة على تلك السياسة، خضع قبل أيام الأسير إسماعيل عارف لعملية جراحية في مستشفى “برزلاي” الإسرائيلي تم خلالها استئصال إحدى كليتيه، وقال نادي الأسير، إن إدارة سجون الاحتلال أعادت الأسير عارف، إلى سجن “النقب” بعد أيام على نقله لإجراء العملية، ما يفرض تساؤلات تتعلق بحقيقة العلاج الذي جرى تقديمه له، ومتابعة وضعه الصحي بعد إجراء العملية الجراحية.

ويقول عبد الناصر فروانة الباحث في شؤون الأسرى ومدير دائرة التوثيق في هيئة الأسرى لـ “القدس العربي” إن “المعتقلين المرضى يعانون من أمراض مختلفة، وبينهم 300 مصاب بأمراض خطيرة” لافتا إلى أن الاحتلال الإسرائيلي يتعمد استخدام سياسة “الإهمال الطبي” بحقهم، وعدم تقديم الرعاية الصحية المناسبة لهم.

واضاف: أن هؤلاء الأسرى موزعين على قرابة 23 سجنا ومعتقلا ومركز توقيف أبرزها: النقب ورامون ونفحة وبئر السبع والنقب وهداريم وعسقلان والدامون وجلبوع وشطة وعوفر ومجدو والرملة والمسكوبية، وقد أعرب عن بالغ قلقه جراء استمرار الاعتقالات اليومية واستمرار الاستهتار الإسرائيلي بحياة الأسرى وأوضاعهم الصحية، وعدم حصولهم على الرعاية الطبية اللازمة لهم، ورفض سلطات الاحتلال الإفراج عن الأطفال والنساء والمرضى وكبار السن في ظل تفشي فيروس كورونا.

وأشار إلى أن القلق يزداد لدى الأسرى وعوائلهم، مع توقف زيارات الأهل والمحامين وانقطاع آليات التواصل فيما بين الطرفين مع استمرار جائحة كورونا، وارتفاع أعداد المصابين بين الإسرائيليين وخطورة ذلك على المعتقلين، داعيا المجتمع الدولي واللجنة الدولية للصليب الأحمر، للضغط على إسرائيل وإجبارها على تقديم الرعاية الطبية المناسبة للمعتقلين الفلسطينيين وإجراء فحوصات دورية لهم وتزويدهم بالأدوية اللازمة.

وقبل أيام أكدت هيئة شؤون الأسرى والمحررين، أن الأسرى المرضى والجرحى القابعون داخل عيادة “سجن الرملة” والبالغ عددهم حاليا 13 أسيرا، يواجهون “الموت البطيء بسبب معاناتهم من شدة الأوجاع والمرض” وقالت إن إدارة سجون الاحتلال لا تكترث للأسرى الموجودين في تلك العيادة، وتمعن في انتهاكهم طبيا وتتركهم يكابدون الأوجاع، حيث يشتكي الأسرى هناك من أمراض مزمنة وخطيرة للغاية كمرضى السرطان والقلب.

وذكر فروانة أنه بالإضافة الى هؤلاء فإن مئات آخرين استشهدوا بعد خروجهم من السجن بفترات وجيزة جراء أمراض ورثوها عن السجون وبسبب ما تعرضوا له من تعذيب وإهمال طبي خلال فترة وجودهم داخل السجن الإسرائيلي، فيما ارتفع عدد الشهداء في صفوف الأسرى إلى 223 أسيرا منذ العام 1967.

العزل الانفرادي والتعذيب

وإلى جانب تلك الانتهاكات البليغة، تتبع سلطات الاحتلال سياسة “العزل الانفرادي” والتي تقوم على زج عدد من الأسرى في زنازين ضيفة أطولها يكون أقل من قامة الأسير، بحيث لا تكفيه عندما يمدد جسده ليخلد إلى النوم، وتبقي على عدد من الأسرى لعدة أشهر معتقلا بشكل انفرادي، لا يختلط بأي شخص، في إطار اتباعها سياسة الضغط النفسي.

وقد شرع قبل أيام 60 أسيراً في سجون الاحتلال، في إضراب عن الطعام، وقال حسن عبد ربه، المستشار الإعلامي لهيئة الأسرى، أن إضراب هؤلاء جاء احتجاجا على استمرار إدارة السجون بعزل ثلاثة أسرى من قيادات الحركة الأسيرة، وهم وائل الجاغوب، وحاتم القواسمي، وعمر خرواط، فيما قامت إدارة سجن “عوفر” في إطار تعذيب الأسرى بنقل ثلاثة منهم إلى عزل سجن “شطة” وقد توقف إضرابهم بعد أن رضخت إدارة السجون لمطالبهم، بما يعني أن الحصول على أبسط مقومات الحياة في سجون الاحتلال، بات بحاجة إلى التضحية حتى بحياة الأسير.

ولم تتوقف مسيرة التعذيب الإسرائيلي للأسرى عند هذا الحد، حيث تتبع سياسة اقتحام غرف الاعتقال باستخدام الوحدات الخاصة والكلاب البوليسية، وتتعمد خلالها الاعتداء على الأسرى وضربهم وتحطيم مقتنياتهم، وكان آخر الاعتداءات ما تعرض له الأسرى في سجن “ايشل”.

وتخلل العملية التي تتكرر كثيرا، وصعدتها سلطات الاحتلال مؤخرا، اقتحام قسم 10 وهو القسم الوحيد في سجن “ايشل” وقيدت الأسرى وعددهم 20 واعتدت عليهم بالضرب المبرح، مشيرًا إلى أن جزءًا منهم من المرضى الذين يعانون أمراضا مزمنة. وتُعد عملية القمع التي تعرض لها الأسرى في سجن “ايشل” الأعنف بعد عمليات القمع التي نفذت في سجن “عوفر” خلال ايلول/سبتمبر الماضي، والتي تمت عقب استشهاد الأسير داود الخطيب، وأدت إلى وقوع إصابات بين صفوف الأسرى، وفق المصدر ذاته.

ويمكن معرفة حجم الأثر النفسي الذي تعمدت سلطات الاحتلال إيقاعه بالأسرى، من خلال النظر إلى ملف الأسرى القدامى، الذين دخلوا السجون وهم في ريعان الشباب، ليشيبوا في تلك الغرف المظلمة، خاصة وأن هناك أسرى أمضوا أكثر من 35 عاما متواصلا في الأسر، الذي دخلوه في منتصف العشرينيات، ومن الأسرى من شب وهو في الأسر، بعد أن دخله وهو طفل، ومن تلك الحالات الأسيرة المقدسية الجريحة مرح باكير (21 عاماً) والتي دخلت قبل أيام عامها السادس في سجون الاحتلال الإسرائيلي، حيث كانت قد اعتقلت وهي في سن الخامسة عشرة.

ولم تلتفت سلطات الاحتلال رغم ما يعانيه الأسرى في هذه الظروف، وفي ظل خطر انتشار فيروس كورونا للمناشدات الفلسطينية ولا الحقوقية الدولية، لإطلاق سراح هؤلاء الأسرى، الذين يظلون بسبب إجراءات الاحتلال في دائرة الخطر الشديد، ويواجهون عمليات إعدام بطيء، علاوة على تعرضهم للضرب والإهانة والحرمان من العلاج والطعام الجيد.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية