الأسيرة ‘أندروماك’ بين البارحة واليوم واسئلة مفتوحة على السياقات الجيوسياسية للتاريخ

حجم الخط
1

في الفصل الاول من المسرحية، يصل اورست الى بلاط بيروس موفدا من اليونانيين، لمطالبة بيروس بتسليم الطفل أستياناكس ابن هكتور الذي يعيش مع امه أندروماك في بلاط بيروس.
على المرء أن يتصور أندروماك، أن يتخيل هذه المرأة الأسيرة النبيلة، التي تقف بمواجهة اضطرابات التاريخ. إنها النَفَس الذي عبر القرون، ومن القرون القديمة إلى يومنا هذا، ونَفَسها لا يزال يضايقنا، ولا يريد أن يتوقف حتى نلقي بسلاحنا. أندروماك الفخورة بنفسها، وريثة الآلهة، تعيش في ضجيج عالم مدنس. ان هذا العمل بالنسبة لنا، يعتبر لقاء غريب سمح لنا بأن نعبره، بعد أن عانقه من قبل يوربيديس، وطبع عليه راسين، قبلة من حرير، في أواخر القرن الثامن عشر، تحت شعار التشاؤم الأخلاقي الناتج عن عنفوان الحب الذي لا يقاوم. نعم، لقد كان ‘جان راسين’ يؤمن بضعف الطبيعة البشرية، وتوزعها بين الغريزة والإرادة، وعجزها التام عن توجيه نفسها. وقد تجلى ضعف الطبيعة البشرية في مسرحية ‘أندروماك’ بالمرأة. يقول غوستاف لانسون، في كتابه، تاريخ الأدب الفرنسي، ‘كان راسين يؤمن بأن إرادة المرأة ضعيفة أو تكاد تكون مفقودة، وأن عقلها قابل للاستسلام، وهي لا تكاد تتبع إلا غرائزها ‘. إذن إننا امام لقاء فريد من نوعه، يسمى ‘المغامرة المسرحية’. ولكن، ماذا بقي ‘لاندروماك’ أن تقوله لنا بعد كل هذا الزمن المصحوب بالوجع، والموت المجاني، وبالحروب المتتالية، والسيارات المفخخة، والاحزمة الناسفة التي تجعل كل شيء يتطاير في الهواء فجأة ؟ وكيف بإمكان صدى عزلتها أن يتردد في عصرنا ؟ وكيف يمكن تقديمها لجمهور يحدثنا عن الحدث الذي يتميز بزواله بامتياز ؟ لا شيء يدوم إلى الأبد من أي وقت مضى، ولكن أندروماك التي تعيش في ذاكرة وذكرى هكتور، تتجاهله. لقد قام المخرج الفرنسي كريستيان فريدريك، باستدعاء ‘أندروماك’، لكي يذيقها طعم الثمار المرة لعصرنا. ليقول لها، أو يقول لنا من خلالها، إننا نقتل مثلما نتنفس، وإن التقدم، هذا الوعد الذي يمنح دائما بشكل متأخر جدا، كرس ويكرس في غالب الاحيان، لإنكار الآخر. وكلما ازداد تواصلنا مع العالم، بفضل عناصر التكنولوجيات الجديدة، كلما ازداد سعينا لتدميره، وإن خضوعنا لتدفق المعلومات يفضل عدم الفهم على الذهول.
إن مسرحية ‘أندروماك’ قصة حب واحباط. فأندروماك سيدة فاضلة وعاقلة لا تقوم إلا بواجباتها كأم وزوجة وفية لذكريات هكتور زوجها. ولكننا نرى الآخرين قد اعماهم الحب: فـ ‘بيروس’ ابن أخبل، لا يفكر إلا في ‘أندروماك’، و’أورست’ لا يفكر إلا في غرامه بـ ‘هيرميون’. وهؤلاء الثلاثة معلقون بقرار ‘أندروماك’. واتخاذ القرار هو الذي يقود إلى تسلسل الأحداث. وهذا يعني أن الحب في هذه المسرحية، غير متبادل، ودائما ما يكون من طرف واحد. وهكذا تزدهر الكراهية، وكل شيء ينهار في الفوضى، التي يغرق فيها الشرق والغرب، وتنتشر الكراهية في هذا المكان المغلق الذي يضم أبطال هذه المأساة. لقد وضع جان راسين ديكور قصته المستوحاة من الكاتب الإغريقي يوربيديس، في هذا القلب، وفي حجرة الانتظار المغلقة على الشائعات. إن ‘بيروس، و’أندروماك’، و’أورست’، و’هيرميون’، جميعهم ينحدرون من نسل الإله زيوس. إنهم أطفال الأسطورة، وآلهة الأولمب، وقد تفرقوا، واختلفوا من أجل أن يتغيروا مع تقلبات التاريخ.
إن فكرة تقديم هذه المأساة الكلاسيكية، لعالم القرن الواحد والعشرين، واعتبار راسين، كاتبا معاصرا، تجعلنا نطرح الكثير من الأسئلة حول السياقات الجيوسياسية للتاريخ، وأيضا حول عالمنا وأدواته الاتصالية. فنحن في القرن الواحد والعشرين، الذي دمرته الحرب على الشرق. وتشكل فيه التحالف الغربي من ‘مينلوس/اليونان’، والتحالف الشرقي، من ‘أخيل/إيبير’، لمحاربة ‘هكتور /طروادة’. ما هي اسباب هذا الصراع؟. إن كل ما يهم القوى التي تحكم عالمنا ودولنا الحديثة: الربح، والقضايا الجيوستراتيجية، وإمكانية توسيع النفوذ الغربي على العالم الشرقي. في هذه المشاركة والتقاسم للعالم، تستخدم الدول المتنافسة، كل الأدوات المتاحة لتوسيع هيمنتها. هذا ما فعلته اليونان سابقا، وما تفعله اليوم الدول الحديثة، تاركة خلفها الدمار على نطاق واسع وثقافات قتيلة. أليس هذا ما كانت تهتم به أندروماك على طول وعرض احداث المسرحية؟ ألم تعترض أندروماك على هذا العالم: على ثقافته، وقيمه، واسلافه الذين لا تريد نسيانهم؟. في هذه المسرحية يوجد عالمان يتصارعان: الأول يدعي الحداثة بجنون، والثاني يتمسك بماضيه بيئس مميت. نحن هنا في مجالات السلطة والدبلوماسية، وفي دواليب النظام. وإن البشر الذين يعيشون أو بالأحرى يتصارعون فيه جزء لا يتجزأ من هذه الآلية. حيث يعتمد الجميع على قضايا النظام الاقتصادي القوي الذي يهيمن على مصالحهم الخاصة. لغتهم المشتركة هي نفس اللغة: الاسكندرية، نسبة الى الاسكندر الكبير، والشعر الذي يتكون من اثني عشر مقطعا. إنها لغة الدبلوماسية والتآمر الغربي السائد. ويمكن مقارنتها باللغة الانكليزية التي تسود العالم اليوم. ولقد اتخذت هذه اللغة، منذ عشر سنوات مكانا بارزا في قصر بيروس. وهذا يعتبر نتيجة مباشرة لحرب طروادة والتحالف بين مينلوس وأخيل. علما أن اللغة الام، لبيروس و أندروماك، هي اللغة العربية الفصحى. وهي رمز لثقافة عالية، والاوليغارشية الفكرية-لغة حكم الأقلية-، التي لا تريد ان تخضع لسادة العالم الجديد. ويستخدمها بيروس من اجل تحقيق افضل النوايا بمواجهة اسيرته أندروماك، التي تلجأ اليها من دون شك، لمناشدة قوتها الداخلية، ولكن أيضا في محاولة منها لإقناع وثني ‘بيروس’ عن قراره تسليم ابنها الى اليونان الذي يطالب برأسه. إن هذه اللغة ‘المنسية’ تسمح لهما باستحضار جذورهما ‘لأنهما الأثنين ينحدران من نفس الثقافة والاجداد’، ولكنها ستكون أيضا وسيلة ‘للتحدث’ بطريقة مختلفة. وفي نهاية المطاف، يستخدمانها في نهاية المشهد الأخير من المسرحية، عندما تحذر أندروماك بيروس من هاجس خطورة معاناة هيرميون:
أندروماك: مولاي أسمعت؟ حذار أن تهمل عاشقة ثائرة تريد الانتقام. وما أرى إلا انها قوية كثيرة العيون في هذا المكان، وأن خصومة اليونان متصلة بخصومتها، وأن أورست ما زال يحبها ولعله بهذا الثمن …
بيروس: الكاهن ينتظرنا. انني أنقذت ابنك.
خلال حديثهما باللغة العربية تتم ترجمة فورية إلى اللغة الفرنسية فوق الشاشة الموجودة في فضاء اللعب المسرحي. ربما أصبح ‘بيروس’ سيدا على قصر إيبيروس على مضض؟. هل اختير للقيام بهذه الحرب؟ ألم يكن هو أيضا أسيرا لهذا العالم؟ الم يكن في البداية مجرد امير بسيط، وأرغم على خوض حرب على شعب وثقافة تعتبر حتى الآن قريبة من قناعاته الخاصة ؟ ولكونه أبن لأخيل ألم يسمح له بان يقاوم ميوله للفتوحات وللسلطة. هناك تشابه ملحوظ بين بيروس أبن أخيل، وبين ابن كورلين ‘الذي مثل شخصيته آل باتشينو في ثلاثية العراب، في فيلم العراب، للمخرج فرانسيس فورد كوبولا. إنه مثل ابن كورليون، وجد نفسه جزءا لا يتجزأ من الصراع. وقد حاول عبثا الخروج منه. وإنه مثله، كان يمتلك السيطرة على الحكم ويعرف كل مداخل ومخارج الحكم. وقد وجد نفسه مثل ابن كورليون، موزعا بين رغبته وهذا العالم الذي ابتلعه ومنعه من تغيره.
إن بيروس ابن أخيل، نتاج نقي لمجتمعنا، إنه يحلل ويعرف جيدا وسائل الدعاية والأعلام. في قصره وتحت تصرفه يوجد جدار على هيئة شاشة فيديو كبيرة، تسمح له بمراقبة العالم (من خلال مختلف التقارير الاخبارية التي تعرض على الشاشة)، ورؤية العواقب التي تسبب بها موقفه المضاد لصراع حليفة السابق اليونان. إنه رجل على اتصال دائم مع عصره، ولديه القدرة مثل بعض الاشخاص، على تحليل كمية كبيرة من المعلومات. فهو رجل السلطة، وصاحب القرارات الاستراتيجية الكبيرة. بفضل كاميرات المراقبة، بإمكانه أن يشاهد كل ما يحدث في قصره، ويتدخل في خصوصية كل شخص يريد مراقبته، ولكن أيضا التواصل مع بعض الذين يشتركون معه بالحديث. باعتباره أحد امراء الحرب والعالم الذي فرض عليه هذه اليقظة. ولكن ما هو مثير الاهتمام في هذه الدراما التي تجري أمامنا، هو هذا الذي يفعله الابطال في الادوات التي تكون تحت تصرفهم. بيروس، على سبيل المثال، لا يستطيع أن يمنع نفسه من التجسس على أقل حركة تقوم بها الأسيرة أندروماك، إنه ينظر اليها فترة طويلة وهي نائمة، ويقوم بتسجيل هذه اللحظات. وكذلك يحب أن يشاهد كل ما بإمكانه ان يمسح ما في رأسه، وينسيه لبضعة لحظات، الزلزال الذي في رأسه. ولكن هذه الأدوات قد وضعت من قبل ابيه أخيل، تحت مشورة فينيكس تابعه الذي اصبح فيما بعد تابع بيروس. أليست هذه أفضل طريقة لمراقبة ابنه بيروس، ومحاولة السيطرة عليه؟ وهكذا يخضع للقائد الاعلى. هنا يكمن كل المعنى المثير للصور خلال العرض بأكمله. إن الصور لم تكن، ولا يمكن أن تكون مجرد صور للتوضيح، وإنما هي وللأسف، نتيجة من نتائج العالم الذي يتفاعل ويتداخل من خلال هذه النواقل. فالعالم لم يعد يأخذ مسافة ما بينه وبيننا. إنه قادر تحت ذريعة المعلومات أن يغرق الكائنات البشرية في الفوضى المطلقة. وهذا بالضبط ما حاول ان يحاكيه المخرج كريستيان فريدريك من خلال معالجته للصور المبثوثة، والكتابة ونقل المعلومات. على سبيل المثال، كيف يتم تحليل المشهد الذي يجري أمامنا، بعد وقت قصير من حدوثه، من منظور مختلف القنوات التلفزيونية. وهكذا تتوسع الصورة الصغيرة في الكون، بسرعة كبيرة وتخنق بشكل متزايد أبطال القصة. ويتأكد هذ الاختناق والقمع من خلال حقيقة انه عندما يريد الابطال الحديث الى المقربين لهم، لا يستطيعون القيام بذلك، إلا من خلال رسائل الاتصال الالكترونية. وإن الوحيدين الموجودين فعليا على خشبة المسرح هم: بيروس، اورست، هيرميون، أندروماك، استنياكس، مثل سجناء في متاهة لا يستطيعون الهرب منها. وجميع التدخلات الخارجية الأخرى تكون من خلال مختلف وسائل الاتصال، (مباشرة على شاشات من نوع سكايب أو افتراضيا من خلال محادثات بالتوتير أو الفايسبوك). وقد تم استبدال الجوقة الاغريقية بالشبكات الاجتماعية، على سبيل المثال، الفصل الثالث/المنظر الاول: يكون الحوار بين بيروس وفينيكس عبر الشاشات، ونظام الاتصال سكايب. الفصل الثاني/المنظر الاول: نرى ‘هيرميون’ وهي تتبادل الرسائل الالكترونية مع ‘بيلاد’ صديق أورست، وإن صفحة الحوار تكون مرئية بالنسبة للمشاهدين من خلال حائط الشاشات الموجود في فضاء اللعب. في هذا المشهد نرى هيرميون مهتاجة غاضبة، تذهب وتجيء بالغرفة، وإنها تجيب على الرسائل لفظيا اثناء ذهابها للإجابة على جزء من افكارها. الفصل الرابع/المشهد 1 و2: هيرميون تتجول في القصر، عاجزة، غير قادرة على معرفة ما تريد، ثم تذهب لكي ترتاح بالحديث مع اصدقائها على شبكات الاتصال.
بأخذنا لهذه الامثلة يمكننا ملاحظة ان هذه الادوات تصبح ممثلين في العرض من خلال اشكال استخدامها، وشركاء في لعب الممثلين على الخشبة. وهنا تكمن التحديات الرئيسية لهذا الانتاج. إن المعلومات التي تمر من خلال هذه الأدوات، على طول العرض، وتحت مختلف الاشكال، يمكن ان تكون ناقلة للحدث. في المشهد الاول من الفصل الرابع، تسمع أندروماك بيلاد (مراسل قناة الاتلاف)، من خلال الشاشات، وهو يعلن قرار بيروس بالزواج منها. وامام هذا الامر تقوم برد فعل تعلن لنا فيه عن قرارها بوضع حد لحياتها بعد الزواج. يبين لنا هذا المثال، عملية الذهاب والاياب المستمرة بين الشخصيات والأدوات التي تتحكم بالعالم، ورمزية ‘السلطة’، والحبس الذي نحن غارقون فيه بحيث لا نستطيع منع انفسنا من التفكير ببعض أفكار انتونان ارتو، الذي يقول: العالم في حالة اضطراب دائم الجحيم، والحرب الأبدية لم تنته أبدا من اجل العيش في حالة من النشأة، وفي زمن الرجال المحاربين والابطال). إن دراما هذه القصة: تكمن في أن المجتمع الذي لا يدع مكانا ولا وقتا للتفكير والصدى، كيف لنا ان نخيل امكانية بناء عالم جديد فيه؟ إن الابطال هنا بمثابة دمى في يد النظام، مع اعتقادهم بانهم قادرون على الهرب منه. وقد فهم جان راسين عندما ازال من نسخته، كل مفهوم للشرك (تعدد الآلهة)، وإن هذه النسخة التي شاهدنها وبصدد الحديث عنها، تحمل هذه الدراما إلى عالمنا، بتحدياتها السياسية والاقتصادية، كما توفر نظرة ثاقبة لهذه المأساة وفهم تعقيداتها. لهذا لم يخف المخرج أو يتردد في استخدامه للرموز الحالية، والأسئلة، والتحريف من خلال العدسة والصوت، لأجل تحليل المخاطر التي تحيط بنا بشكل أفضل، والعمل على تجاوزها. إن هذا الاستخدام لمختلف الادوات هو نتيجة لانغماسها في قلب مجتمعنا. ومنذ عدة سنوات مرت والاجهزة التكنولوجية تغزو خشبات المسرح، وغالبا على حساب المعنى. وقد صور العرض عالمنا وافعاله، واستخدم جميع المرئيات، من اجل فهم افضل للطبيعة البشرية وتشريح اعماقها. يقول أرتو: (إن تأثير المسرح ـ من وجهة النظر الانسانية- كتأثير الطاعون، نافع، لأنه، إذ يدفع البشر إلى أن يروا أنفسهم كما هم، يسقط القناع، ويكشف الكذب، والضعة، والنذالة، والنفاق). أليس هذا هو بيت القصيد من كل خلق وابداع ؟

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية