هوس الكرة ليس عيبا. عشق الرياضة والرياضيين ليس عشقا ممنوعا. وعلى الشعب أن يغتنم مواسم الفرح والسعادة أينما كانت، ففي النهاية لا يؤذي ذلك أحدا. لكن من يرى تغطية التلفزيون الجزائري يخيل له أن مشاكل الجزائر حُلت وبتنا نعيش في جنة وبحبوحة.
اللهم إلاّ بعض المنغصات في هذه الفترة وهذا الزمن المتسارع، الذي تعيشه البلاد.
ليس من حق أحد أن يجعل صوت الكرة يعلو على كلّ الأصوات. فما معنى ربط الجزائر بالقاهرة بأسطول جوي مدني وعسكري، ولم يلتفت أحد لأن يربط أحياء وعواصم البلاد ببعض، خزانات الماء والناس يشكون العطش وانعدام النظافة والروائح الكريهة المنبعثة من الأحياء.
والأدهى والأمر تأجيل العمليات، التي انتظرها المرضى بفارغ الصبر في مستشفى وهران لانعدام المياه منذ عدة أيام؟ أيعقل التلاعب بأرواح البشر واللامبالاة بها. هل كرامة المرضى والناس ثانوية مقارنة بكأس افريقيا. هل نعطش ونمرض ونموت من أجلك يا كأس أم من أجلك يا وطن؟ لتختلط الكأس بالوطن فأين الإنسان من كل هذا؟!
الانتصار فرحة ولذة لا نظير لهما. لكن لا يتحمل الألم سوى من جرحت مشاعره وكبده. ومن ثكلت ورملت ومن تيتموا. لا يحس بالجمرة إلا من أحرقت أصابعه وفؤاده. هل يمكن للفوز الكروي أن يشتري كل الذمم؟ وهل بإمكانه إعادة الهمم؟
لا بد أن ندفع قرابين الانتصار والمناصرة في كل مرة وبسبب كرة القدم يُصاب مشاهد بجلطة وارتفاع ضغط وسكري. حوادث المرور وانقلاب السيارات والشاحنات، التي تحمل عشرات المناصرين وهم تحت وقع الفرحة العارمة. فأين العزاء لمن وممن وفي سبيل ماذا؟!
من الذي يعزي ضحايا “سيدي عبد العزيز” في جيجل من المناصرين، الذين راحوا ضحية تهور كروي وفقدان التوازن السياسي والاجتماعي، وحتى اتيكيت التسلية؟
لم تبق سوى نعالهم البلاستيكية المغبرة المتهالكة فوق برك الدم، يعلوها العلم الوطني. ربما من الضحايا من حلم بلباس رياضي وحذاء عليه ماركة عالمية.
ومن الضحايا من حلم بركوب طائرة لمناصرة الفريق أو حتى تجريب ركوب الطائرة.
يفرح من لا حول لهم ومن لا ناقة لهم ولا جمل أكثر من غيرهم، لا عزاء لهم سوى قلب أوضاعهم إلى نعيم لا يدوم كحال وضعهم اليومي.
في منطقة سياحية في الدرجة الأولى تنتعش “سيدي عبد العزيز” صيفا وتختفي البهجة وفرص العمل طول السنة. وها هي تتحول فرحة الصيف والفوز الرياضي لحزن عميق. لا تساوي قطرة دم واحدة تسيل في سبيل كرة القدم والكأس “الكحلوشة”.
هكذا الفرحة تخرج المناصرين عن طورهم وعن معايير اللغة. فلم تسلم الكأس الافريقية من عنصرية الألفاظ. وإن لا يمكن أن تُقصد إهانة الكأس، وإن حدثت إهانات الإنسان وتحدث كلما جاءت مناسبة لذلك.
الكأس إذا لم تعطنا قوت الأطفال وكرامة الكبار وعزة البشر، تأتي أو “تغور” إلى أي بلد آخر. وهذا البلد افريقي في نهاية المطاف ومع افريقيا نتقاسم اللعنات.
لكن ليس مستحيلا أن نحل مشكلاتنا الافريقية ونعزز التعاون الاقتصادي المثمر، الذي يجعل القارة في مأمن من مخاوفها ومن أمراضها وأن نخرج من دوائر العنصرية المقيتة لبعضنا البعض، وأن لا نستقبل سكان وثقافة الساحل الافريقي كلاجئين أبدا ودائما، بل كامتدادات جغرافية وتمازج ثقافي وحضاري دون أي تعال ومفاضلة.
رحم الله الأموات والشعب يستحق أن يفرح. والفرح دائما نسبي.
صدقت النبوءة وكذب التلفزيون
أثار فيديو العراف التونسي محسن العيفة جدلا كبيرا، حيث صرح على القناة التونسية الأولى من خلال برنامج “يوميات الكان” أنه هو من شل حركة حارس مرمى منتخب غانا مما سهل للفرجاني تسديد الركلة الترجيحية الأخيرة.
كما أخرج ورقة تحمل رموزا وطلاسم توقع من خلالها فوز “نسور قرطاج”. الكل يريد التنبؤ لحياته، سواء الشخصية أو العائلية أو لحالة البلد. سياسيون كبار وفنانون ورياضيون وتكنوقراط يمارسون هواية قراءة الطالع والكف وكتابة الأحجبة والتمائم ويقومون برش الملح عند عتبات الأبواب والمكاتب.
وزوجات شخصيات سياسية يمارسن شعوذة خمسة نجوم لتدوم حياة الفخفخة واللعب على الشعوب وغيرها.
هو الإنسان مولع بمعرفة الأحداث، التي تخصه، والتي لا تخصه.
معرفة أحوال الرياضة من الأشياء التي يطلبها الجمهور العريض ويتفاءل بها. ولا يمكن لهم أن يكذبوا العراف ولو صدق.
يحتاج هؤلاء لعراف يفك طلاسم الأفارقة السود “القريقيري” قوي المفعول. أو هكذا يعتقد سكان شمال افريقيا إذا ما واجهوا فريقا من فرق بلدان افريقيا الساحل. أقوياء لا يتعبون يتحملون الحر والقر ويعرفون العجب من السحر. هذه المرة احتاج المشاهد التونسي لخدمات محسن العيفة، وصدقت عرافته وحدسه. لكن على التلفزيون أن يحسن اختياره وبرامجه حتى يقوي حجته.
البوار صفة ذميمة تلاحق المغربيات
ناقشت قناة 360 مسألة اجتماعية شائكة لها عواقب وخيمة على نفسية النساء والفتيات ممن لم يتقدم أحد لخطبتهن. فئة البائرات أو “البايرات”، السوق الاجتماعية الكاسدة، التي ما زالت رائجة ومحقرة للمرأة كإنسان، ولن تكون كاملة في مجتمع ذكوري إلا إذا ارتبطت.
انتشر فيديو البرنامج، ورأى بعض المواطنين مع تحليل المحلل النفساني الدكتور محسن بنزاكور للظاهرة، والتي تبدو مرضية في نهاية الأمر، لأنها وإن قيلت من باب الدعابة في بعض الأحيان فهي تمس بوجدان المرأة المقصودة بهكذا عنف لفظي يحفر في الأعماق. واللجوء للأسلوب الضاحك هو لتبرير وتمرير خطابات خطيرة مخربة للنفس البشرية.
على المجتمع تجاوز هذه الرواسب، التي تحقر المرأة والتي تكرسها عديد المؤسسات، بما فيها المؤسسة التربوية، على حد تعبير الاختصاصي النفسي، وأن نربي أولادنا على أن يكونوا مواطنين صالحين يساهمون في بناء الوطن، وتبقى فرحة الزواج للذات قبل أن تكون للزواج الاجتماعي.
تبقى التصورات الاجتماعية تحفر في الأذهان والمؤسسات في المجتمع، لا سيما ما تعلق منها بالمرأة، إن لم تتزوج، وإن تزوجت ولم تنجب. وإن أنجبت الإناث فقط، ولم تنجب الذكور.
ولـ”شاطا ماطا” رأي في بوار النساء، ربما لكثرة أشباه الرجال. العهدة على “اليوتوبر” المغربية”.
“سولكينغ” الجزائر: على خطى “دريك”
فعلها “سولكينغ” بعودته للجزائر وتصويره أغنيته الجديدة “أمل”، التي قام من خلالها بالتنقل في مدن الشرق وانطلاقا من شرق العاصمة في منطقة القبائل ومنحه هدايا وإعانات لناس لا يعرفهم، مثلما فعل ذلك، العام الماضي مطرب الراب الكندي دريك، الذي وزع إيرادات كليب أغنيته “مشروع الله” على أناس لا يعرفهم في أحياء ميامي الفقيرة. حيث وزع مليون دولار عليهم، لكنه حصد مشاهدة وحب ترليون مشاهد. هكذا اقتبس “سولكينغ” الفكرة الجميلة المتمثلة في العطاء بسخاء على البشر، الذين يعيشون ظروفا صعبة.
كرم نحتاجه في زمن الشح، هذا والتعاطي مع الإنسان فقط، دون الأخذ بعين الاعتبار تاريخه وانتماءه وخلفيته الإيديولوجية.
وحدها الإنسانية، التي تفرض منطقها وهي الهوية، التي تبنى عليها المشاريع، التي يحبها الله والبشر.
أتعجب مع الكاتبة الفذة غادة السمان، عندما تعجبت من وجود تمثال “الجندي المجهول” في البلدان العربية كلها، وكم تمنت أن يُعامل المواطن كذلك الجندي المجهول!
كاتبة من الجزائر