إن كان الحديث مع عالم اجتماع خلال حرب الإبادة على غزة مسألة مهمة، فإنه في حضرة عالم الاجتماع الفلسطيني أباهر السقا، يكتسب أهمية مضاعفة، فهو ابن غزة التي تنال من اهتماماته البحثية وذاكرته الكثير.
عام 2012 تنبأ الأكاديمي السقا، بأن حجم العنف الإسرائيلي بحق قطاع غزة سيزيد، وسيضاعف من عدد الضحايا الفلسطينيين بشكل كبير جدا. جاء ذلك انطلاقا من تنظيراته المتداخلة الحقول والتي يرى فيها أن العنف الاستعماري ينتج عنفا إضافيا.
وانطلاقا من هذه النقطة يرى السقا في حديث خاص مع «القدس العربي» أنه في حال الاستمرار في ترك غزة لمصيرها وحيدة فإن ما حدث لها من محاولات تهجير وإبادة سيحدث في الضفة الغربية، والأراضي الفلسطينية عام الـ48.
وبلغة حاسمة يقدم السقا مقاربته حول ذلك ويقول: «لا شيء سيوقف الاستعمار»، معتبرا أن الإبادة الحالية قد تكون درسا للجميع، تدفعهم إلى إعادة التفكير في تشخيص الحالة الاستعمارية في فلسطين، فهي جزء من بنية استعمارية تنتج مستعمرين وواقعا استعماريا، وهي تنتج ميكانيزمات الإبادة كشكل من أشكال وجودها.
هذا الحوار كان مبعثه الأساسي محاولة قراءة ما يجري في غزة والضفة من منظور عالم اجتماع، والإجابة على سؤال أسباب ونتائج تراجع حضور عالم الاجتماع أمام تنامي دور السياسي والعسكري وطغيان خبراء الشأن الإسرائيلي.
موضوعات كثيرة يتناولها الحوار مع السقا، وهو عميد كلية الآداب في جامعة بيرزيت، وأستاذ مشارك في دائرة العلوم الاجتماعية والسلوكية، وحاصل على شهادة الدكتوراه في علم الاجتماع من جامعة نانت- فرنسا. خريج المدرسة العليا لإدارة التنظيمات الاجتماعية -سانت تيتيان-فرنسا. وله العديد من الدّراسات والمقالات العلميّة. وفي ما يلي نص الحوار:
○ من أي مكان من قطاع غزة أنت تحديدا؟
• أنا من غزة أباً عن جد، تحديدا من مدينة غزة، عائلتي هي واحدة من العائلات الموجودة في المدينة من آلاف السنين، والدي وعائلتي من غزة، جزئي الآخر من القدس، والدتي من القدس، من عائلة العلمي، جد والدتي كان أول رئيس مجلس بلدية في غزة عام 1895، وهذا يعطي دلالة أن عائلات كثيرة في غزة لديها نسب مع عائلات من القدس، هذا كان التقليد في القرن الثامن والتاسع عشر والقرن العشرين، دوافع ذلك لها علاقة بأن النخب المدنية طوال الوقت تحاول تبعيد النسب، وهذا ما يوسع شبكة العلاقات الاجتماعية والاقتصادية، ويعتقدون أنه من الجيد أن يكونوا شبكة اجتماعية واقتصادية، فجزء كبير من العائلات في غزة، الأمهات من القدس، من بعض الأسماء مثلا: الدكتور حيدر عبدالشافي والدته من القدس، رئيس البلدية السابق فاهم الحسيني زوجته ووالدته من القدس، عشرات الأسماء في الحقيقة، هذا تقليد متعارف عليه، وممارس، هناك عائلات عندها نسب في نابلس، يافا، لكن، الأكثر بين غزة والقدس، لأن القدس أقرب للجنوب من مدن الشمال، وغزة كانت في لحظة تاريخية ما تابعة لمتصرفين في القدس، وهذا يفسر بأن ثلاثة من قائمي مقام في الفترة البريطانية كانوا أصلا من القدس، هذا المشهد مغاير له أيضاً، أمين مقام من غزة كان في حلب والشام، هذه العلاقة بين غزة والقدس ملموسة.
○ متى آخر مرة كنت فيها هناك؟
• كنت في غزة حزيران/يونيو 2023، قبل الحرب ببضعة أشهر، ذهبت لعمل مقابلات لكتاب ثاني عن غزة، أنا في صدد كتابته، يعالج التاريخ الاجتماعي لغزة، وهذه المرة سأوسع الكتاب ليشمل قطاع غزة كاملا، الكتاب الأول كان يركز على المدينة، والثاني يركز على كل هذه المنطقة التي بقيت من لواء الجنوب، التي أضحت تسمى قطاع غزة.
○ ما أبرز ما شدك فيما وجدته في غزة بعد سنوات طويلة من الحصار؟
• كنت تقريبا من 15 من أيار/مايو لآخر حزيران/يونيو 2023، صدمت من الديناميات الداخلية، غزة فيها ديناميات اقتصادية واجتماعية وسياحة داخلية، رأيت منشآت حضارية مدنية ليست موجودة في الضفة، هذا كان بعد غياب 10 سنوات عن غزة، والسبب، بحكم أن غزة تقع تحت الحصار تم تطوير اقتصاد داخلي، سياحة داخلية، غزة فيها نمط مغاير تماما عن الضفة الغربية، حجم النشاطات الاقتصادية والاجتماعية، كله مختلف عن النموذج الموجود في الضفة، وهذا صدمني، وجود حركة بناء ضخمة رغم الحصار، ونتيجة وجود ممولين خارجيين، مثل: تركيا وقطر، عمل شيئا مختلفا في قطاع غزة، فمثلا: البنية التحتية للشوارع في المدن الكبرى بغزة أحسن بكثير من البنية التحتية للشوارع في الضفة، الشوارع ذات السعة العالية الكبيرة أكبر بكثير من الشوارع في الضفة، امتداد شارع الرشيد الذي يقطع من بيت حانون حتى الزوايدة حتى المناطق الوسطى في القطاع، هذا لا يوجد ما يقابله إطلاقا في الضفة، هو عبارة عن شارع يضم 4 مسارب يمينا، 4 شمالا، وجزيرة وكورنيش، هناك مشهد متغير تماما بفعل التدخلات الخارجية، وبفعل الانغلاق، وكذلك الأمر بالنسبة للسياحة الداخلية، الظاهرة المنتشرة هناك، مثلا، مقارنة مع ما يحدث في أريحا، تعتبر الأخيرة نموذجا مقزما مقارنة مع الموجود في غزة.
○ ما آخر فعل شخصي مؤثر فعلته في غزة، قبل مغادرتك لها؟
• آخر شيء فعلته كان لقاء مع رئيس البلدية، وكان بهدف شكره لحصولي على مجموعة من الوثائق التي لها علاقة بمحاضر جلسات بلدية غزة في فترة زمنية معينة. هذا عالق في ذهني لأن جزءا كبيرا من هذا الأرشيف تم قصفه، فأنا أتحدث عن وثائق مهمة استطعت أن أنقذها بحكم تعاون البلدية، وبحكم طلب كان له علاقة بالبحث، هذا عالق في ذهني لأنني أتخيل أن كل هذا الإرث الخاص بالمدينة، جزء كبير منه تلاشى، بفعل حرب الإبادة.
○ ما طبيعة شعورك عند معرفتك بقصف البلدية، محو الأرشيف، الشوارع، كيف تتعامل ذاكرتك مع المشهد الذي اختفى تقريبا في غزة؟
• بالنسبة لي غزة ليست فقط مسقط رأس، عشت جزءا كبيرا من طفولتي في المدينة، ومرتبطة بذاكرتي الشخصية وهي ذاكرة تتقاطع مع الذاكرة الجمعية لأي غزي، لأن الشوارع، المعالم الأثرية، تاريخ المدينة وذاكرتها، ذاكرة المكان، مكان الذاكرة الجمعي للغزيين المرتبط بمجموعة هذه العناصر، البلدة القديمة في غزة مقلصة بشكل كبير بالمقارنة مع البلدة القديمة في نابلس أو الخليل، بسبب أنها تعرضت للقصف في الحرب العالمية الأولى، قبيل دخول البريطانيين، دمرت أجزاء كبيرة منها، فالمدينة القديمة هناك بعكس نابلس أو الخليل أو القدس.
على المستوى الشخصي، بيوت العائلة القديمة، منها بيت موجود في الشجاعية اسمه «بيت السقا»، والأهالي يسمونه «قصر السقا»، عمره ما يقارب 400 سنة، تم تدمير أجزاء كبيرة منه، بالنسبة لي الخسارة شخصية، فمثلي مثل الآخرين، فقدت 25 شخصا من العائلة، علاوة على الفقدان المادي، من بيوت وعقارات، وأيضا باعتباري فلسطينيا، وغزة جزء من الذاكرة تتلاشى وتتحول لركام، فكل هذا يعني الكثير، يعني المس بذاتي وهويتي، الاقتلاع من المكان، حتى ولو لم أكن أعيش فيه، لكن فكرة أنه موجود، يشبه تماما شعور اللاجئ الفلسطيني الذي طرد من أرضه، فهذه العلاقة الشائكة أعيشها بشكل يومي. عندما أنظر للأماكن، لم أصدق أن هذا هو مكان الطفولة، الناس في كثير من الأحيان لا تستطيع الوصول إلى الأماكن، باستثناء أنها تعرف أنها موجودة في بعض الشوارع بسبب بقاء بعض البنايات بشكل جزئي، فالناس بناء على ذلك تتخيل ما تبقى، الأمر محزن.
○ مؤلم وموجع جدا، إذا لننطلق من الشخصي إلى العام، بالعادة في الحروب والإبادات يبرز دور السياسي والعسكري، وبتقديري في اللحظة هذه، وفي هذا النوع من العدوان الوحشي الذي نعيشه هناك أهمية لعالم الاجتماع، لصوته ورؤيته وقراءته للحدث، لماذا يغيب صوت عالم وباحث الاجتماع؟
• يغيب صوت عالم الاجتماع بسبب جهل صناع السياسة في البلاد بعلم الاجتماع، واختزاله إلى التعامل معه باعتباره خادما لمشاكل اجتماعية، وهذا فهم مغلوط، لأنه يتم التعامل مع هذه المقاربة بأن علم الاجتماع هو علم يحل المشاكل الاجتماعية، وهو ليس كذلك، الخدمة الاجتماعية تعمل على حل المشكلات الاجتماعية، عالم الاجتماع دوره تشخيص الظواهر، وهو الأكثر قدرة على تشخيص الظواهر الاجتماعية، وهناك جزء له علاقة بالسياسات الاجتماعية التي من المفترض أن ترسم ما يلي التشخيص، فغيابه مرتبط بالجهل، وبعدم الرغبة بسماع هذا الصوت، تغييب علم الاجتماع يعني تغييب كل التحليلات القائمة على فهم لماذا هذا النموذج في غزة، ولماذا ما يحدث في غزة؟ مثلا يتم التركيز من جزء كبير من الناس على ظاهرة «سارقي المساعدات» من تجار الحروب، هذه ظواهر موجودة في أي مجتمع، ولكن عالم الاجتماع يجب أن يذكر الناس، ويذكر من لا يقرأ إلا الآني، ومن خلال العودة إلى التاريخ، يظهر لنا أن ما يحدث في قطاع غزة مقارنة مع مجتمعات أخرى، هو تماما يقع في مرتبة أن غزة مكان يجب أن يحتفى به، بمعنى أن هناك حاضنة اجتماعية، سمحت لمجموعة كبيرة من العائلات بأن تستقبل عائلات أخرى، وهذا في الحقيقة لا يسلط عليه الضوء كفاية، كل هؤلاء الأشخاص الذين يحملون الجرحى، ويطعمون الجيران، وكل عناصر التكافل والتضامن الاجتماعي بين العائلات والجيران والمارة في الشارع، كلها تظهر أن هناك مجتمعا متجانسا ومتكافلا.
○ وهذا لا يسلط عليه الضوء على أهميته لنا كفلسطينيين وللعالم أيضا؟
• هذا في الحقيقة محزن حيث يغيب ذلك عن التحليل، الناس تركز على وجود سارقي المساعدات، وهذا يحدث في أماكن أخرى في العالم، ومن المهم التركيز عليه، مثلا في أمريكا عندما يحدث إعصار، يسرق الناس في مجتمع غني، في إسبانيا قبل عام ونصف حدثت فيضانات أيضا، الدولة وجدت صعوبة بإيجاد المكونات داخل المتاجر والمحال، لأن الناس سرقت، هذا في الحقيقة لا يتم التركيز عليه، ويتم التركيز على مجموعة من الجياع، حيث جزء من بقائهم على قيد الحياة مرتبط بما يبيعون، بينما كل الميكانيزمات الاجتماعية الأخرى المرتبطة بالعطاء والتضحية من أجل الآخرين، والإيثار، يتم التعامل معها باعتبارها شيئا مسلما فيه وجانبيا، وهذا أمر غير مسلم فيه.
المقررون الدوليون قالوا إن المجتمع في غزة لن ينهار مقارنة بمجتمعات أخرى انهارت خلال أيام من فاجعة طبيعية أو حرب أهلية، بحيث لم تسقط فقط القيم، بل سقطت البنى التي يقوم عليها المجتمع. المجتمع الغزي بعد عامين من الحرب ما زال صامدا، هذا لا يعني أن يتحول عالم الاجتماع إلى شخص يتحدث عن أشياء غير موجودة، بالتأكيد أن هناك ظواهر اجتماعية مرتبطة بالرغبة بالتربح، بالفردانية والنجاة، وإلا نحن لسنا بشرا، وبالتأكيد هناك لصوص ومستغلون وعملاء، وإلا سيكون هذا المجتمع مثاليا في مدينة فاضلة، وهذا غير موجود، هذا مجتمع طبيعي في تأثيرات اجتماعية.
○ ولماذا يتم تغييب هذا الأمر بالغ الأهمية في حياة من يعيش تحت الإبادة؟
• التغييب يأتي من عدم رغبة سماع هذا الصوت، بمعنى التعامل مع القضايا بجانبها التقني، وهذا نشاهده ليس فقط عند السياسي، أيضا على وسائل الإعلام، عالم الاجتماع يغيب، ويتم التركيز على عالم السياسة، وفي كثير من الأحيان عالم السياسة يركز على الجوانب التقنية، تحليل الخطاب الفلاني، قال هذه الجملة، وهذا في الحقيقة ما يحدث الآن على القنوات الإخبارية المتعددة. وفي مثال آخر، لدينا مجموعة من الأشخاص يقومون بترجمة صحف عبرية، ومحزن هذا الكم الهائل من الأشخاص الذين يتم استقبالهم باعتبارهم خبراء في الشأن الإسرائيلي، ولا يتم استقبال خبراء في الشأن الفلسطيني، وهذا مقلق، والمقلق أيضا، أن يكون خبر مقتل جندي صهيوني هو الأول، وخبر استشهاد مئات الفلسطينيين هو الثالث، هذا كله يعطيك صورة كيف تتم صناعة الخبر وكيف تتم فبركته، ولو تتم الاستعانة بخبراء علم الاجتماع، سيكون الأمر مختلفا في التحليل، لأن عالم الاجتماع يحلل بطريقة نقدية، لا يسمح بإعادة لغة الخشب، لا يسمح بالتعامل مع البروباغندا، يحللها لكن لا يستعملها.
○ كأنك تقول إننا بحاجة إلى علماء اجتماع في أكثر من سياق، في الإعلام والسياسة، وحتى ممكن في الطب؟
• مثلا، لو عملت مقارنة مع القنوات الغربية، مثل الألمانية والأمريكية والفرنسية، دائما هناك عالم اجتماع يحلل الظواهر، عالم الاجتماع في بلادنا يتم استدعاءه لتحليل مشاكل اجتماعية مرتبطة بالطلاق، بالمدرسة، وهذا خلل في الفهم، ويؤدي إلى تسطيح إيصال المعلومة عن طريق المقاربات التقنية، بمعنى جزء كبير من المقاربات المرتبطة بالحرب والإبادة مرتبطة بشكل كبير بتحليل الخطاب الجزئي البسيط، هذه عبارة عن ممارسات بسيطة. المختصون في العلوم الاجتماعية الإنسانية يتحولون على المنصات إلى صحافيين، بمعنى هم يسردون مجموعة من الحقائق، ويبتعدون عن التحليل العميق للصحافة كمتلقين نرى ما يحدث على التلفزيونات وما يميز ذلك هو تسطيح المعلومة.
○ داخل «الإبادة الأم/ إبادة غزة» إن جاز لنا التعبير، يكون الحديث عن تقسيمات متنوعة مثل: إبادة التعليم، إبادة الصحافة، إبادة الأطفال…ألخ، لو تحدثنا عن الإبادة الاجتماعية في ضوء الإبادة العامة التي تحدث في غزة، كيف تقرأ ملامح هذه الإبادة؟
• هناك نقاش حول فكرة الإبادة نفسها، بمعنى أن الإبادة قد تكون ما يحدث، فهناك كم هائل من الاستخدامات ينطبق على ذلك ما يحدث في كل المجالات المختلفة، في التعليم، في الصحة، فنحن نتحدث عن أشكال مختلفة من الإبادات جميعها آتية من حرب الإبادة. أيضا هناك نقاش بين الباحثين حول: هل هي حرب إبادة؟ أم هي عبارة عن جرائم حرب؟ وهذا النقاش لا يزال يدور عند كل الأشخاص الذين يركزون على عدد القتلى، بأي لحظة يسمى عدد القتلى إبادة؟ في الحقيقة، هذه المقاربات غير دقيقة، لأنها مقاربات تقنية، والمقاربات الحقيقية هي فكرة الإبادة، التي هي فعل ممنهج من أجل إزالة مجموعة اجتماعية محددة، وهذا ما يحدث. هذه ليست خسائر مادية أو جسيمة نتيجة حرب، وبالتالي هي ليست جريمة حرب، جريمة حرب قد تكون منظمة وقد تكون غير قصدية نتيجة آثار الحرب، لكن حرب الإبادة مرتبطة بأن هناك فعلا حربيا للإبادة من أجل تطهير جماعة اجتماعية، إزالة جماعة اجتماعية، اجتثاث جماعة اجتماعية، وهذا فعليا ما يحدث في قطاع غزة.
حسب الإحصائيات المختلفة، لدينا أكثر من 10% من سكان قطاع غزة تم إما قتلهم، أو ساهمت حرب الإبادة بقتلهم، ومنعتهم من الحصول على الغذاء أو من وصولهم للمشفى، تخيل أن 10% من السكان غير كافي لتحديد أن هذه إبادة، هنا يوجد خلل في التشخيص. الخلل الثاني في موضوع توصيف الإبادة، أن جزءا كبيرا من الباحثين يعتقدون أن ثمة تراتبيات في تصنيف الإبادات: إبادة كاملة، جزئية، إبادة بفعل أيديولوجيا، في الحقيقة هذه المسميات هدفها الأساسي هو خلق تراتبيات أجناس، بمعنى لا شيء يعلو فوق إبادة النازية، إبادة الألمان قابلة للنقاش، ما يحدث هو دولة ديمقراطية تقوم بممارسات غير مقبولة بمجموعة من المتطرفين، وهذا بالضبط ما كنت أتحدث عنه، هذه المقاربات التقنية، هدر للوقت على هذا النقاش.
○ وهذا يمتد لمساحات أخرى مثل الصراع والاحتلال…ألخ؟
• كتبت في مقالات سابقة حول استخدام أسطوانة مصطلح الاحتلال، مجرد تسمية ما يحدث بالصراع، أو احتلال يعكس تشخيصا خاطئا، فكل تبعات التشخيص مرتبطة بالخلل في استخدام الإطار التحليلي، الإطار التحليلي هو الاستعمار، فإذا نظرت إلى الممارسات بصفتها استعمارية، هذا يعني عليك المقارنة مع سياقات استعمارية أخرى. أما مقارنته مع حالة احتلال، فإن ذلك يظهر مدى الخلل في التشخيص في الإطار التحليلي، وهذا يقودنا إلى تفكيرنا بأن ما يحدث هو غير مألوف بالتاريخ الحديث، كما قال الأمين العام للأمم المتحدة، وهذا تصريح في غاية الأهمية، قد لا يحرك ساكنا، هذا أمر آخر، لكن، هذا تصريح مهم تماما لأنه بالتأكيد هناك فظاعات أخرى في التاريخ الاستعماري، وبالتأكيد عمليات الاجتثاث قد تكون أكبر بكثير مما يحدث في قطاع غزة، لكن، ما يحدث كما قال الأمين العام، هو مجتمع الفرجة، مجتمع الفرجة على الإبادة. لقد حدثت إبادات أخرى في العالم، تمت إدانتها والتعامل معها باعتبارها الشر المطلق، ولكن هذه الإبادة تحدث وتستمر المجتمعات المعاصرة بذات الإيقاع، حتى وأن كانت هناك حراكات في العالم، هذا في الحقيقة يجعلنا نفكر أن ثمة خصوصية للإبادة الراهنة، وهي أنها تمارس أمام أنظار العالم، وتمارس وفق مجموعات مهيمنة في العالم، لا تضع الفلسطينيين في مقام الأشخاص الذين يتم التعامل معهم باعتبارهم مبادين، أو أنهم هدف للإبادة.
السابق يجعلنا في حالة أرق نعيشها كفلسطينيين وكعرب وكإسلام، كجزء من هذا العالم، وهذا يتقاسمه معنا كل العالم، ما يحدث يسقط القيم والمنظومات العالمية، يسقط ما نعلمه في الجامعات حول القانون والحقوق، يسقط ما يسمى بالقانون الدولي، يسقط ما تسمى بالجماعة الدولية، يسقط المعرفة والأخلاق والقيم التي يفترض أن تكون كونية، كل هذا يسقط في امتحان غزة، لأن ما يحدث دائما هو ازدواجية معايير.
○ في مجمل ما تراقبه وتتابعه من محاولة تجاهل الإبادة، ماذا يعكس ذلك؟
• عدم استخدام مفردة الإبادة هو نزعة سياسية، أتمنى انها غير واعية، لكني أعتقد انها واعية، لأن الخوف من تبعات استخدام تعبير الإبادة قد يجر مشاكل للسلطة. هنا من المهم التأكيد على أن هذه المقاربات التي قد تبدو للبعض ترفا فكريا، في الحقيقة ليست ترفا فكريا، لأن استخدامها له انعكاسات على طريقة التشخيص. بالمقابل هناك مبالغة باستخدام مصطلحات الإبادة المعرفية وإبادة التعذيب وإبادة الثقافة، هذا صحيح لكنه جزء من إبادة شاملة، أسميها في أعمالي العنف الشامل، والذي يختلف عن الحرب الشاملة، الحرب الشاملة مرتبطة بمفهوم طبق في أوروبا أثناء الثورة الفرنسية والثورات الأخرى، العنف الشامل هو آلية تستخدم، وهذا أستخدمه في تحليل دولة الاستعمار، باعتبار أن هذا العنف الشامل يمس كل بنى المجتمع، فجزء من الإبادة آت من داخل هذا العنف الشامل، هذا العنف الشامل ينتج هذه الأشكال المختلفة، هذا أولا، ثانيا: القصور في التعامل مع الإبادة باعتبارها حدثا كردة فعل، بما فيها المستعمرون، الخطاب الذي يخرج من بعض المجموعات في غزة، هو أن المقاومة استجلبت الاستعمار، ورجعت الاحتلال، المقاومة أعطت ذريعة، في الحقيقة، هذه مقاربات غير دقيقة، هذا لا يعني أن هذه الأصوات يجب أن لا تسمع، لكن هذه مقاربة غير دقيقة، لأن فرنسا على سبيل المثال، استخدمت «حادثة المروحة» كذريعة لاستعمار بلد لـ131سنة، المروحة كانت الذريعة، لكن المنهج المخطط مرتبط بفكرة استعمار هذا البلد والقضاء على الأسطول البحري الجزائري المهدد له واستجلاب خيراته لأكثر من مئة عام. هذا القصور في التشخيص عند بعض الناس بسبب هيمنة الظروف الصعبة، وهيمنة الحرب والإبادة والجوع وصعوبة العيش، الناس تعتقد أن إسرائيل تحتاج ذريعة، طيب ماذا بالنسبة لما يحدث في شمال الضفة الغربية، ما يحدث من تهجير ما يقارب 45 ألف فلسطيني وأكثر مخيمات الضفة الغربية، ما هي الذريعة؟ مجموعة من المسلحين يطلقون النار من فترة لأخرى! برأيي هذه واحدة من الإشكاليات، في مرات كثيرة لا نفهم أن جزءا من بنية الاستعمار نفسه هو ممارسة الإبادة، ليس هناك استعمار بدون إبادة، وهذا مهم نفهمه.
○ هنا كأنك تقول إن السابع من أكتوبر وما تلاه هو امتداد لتاريخ طويل من الفعل الاستعماري؟
• صحيح، السابع من أكتوبر هو امتداد للنكبة، لكنها استمرارية للنكبة بشكل آخر، بشكل متغير، وهذا يجعلنا نقول نحن الذين نعمل بتاريخ الاستعمار إنه كلما زاد الاستعمار عمرا زاد عنفا، في الحالات الاستعمارية المختلفة، كل حالة استعمارية لا تشابه الأخرى وهذه حقيقة مؤكدة، لكن هناك قواسم مشتركة، الاستعمار في بدايته يقدم على مجموعة كبيرة من المجازر، وهذا ما فعله الصهاينة، وفعله الأستراليون والأمريكان وآخرون، ثم تبدأ عملية فرض سياسة الواقع، أن الناس تتعايش مع الاستعمار لأنها لا تملك خيارا آخر، أو تهمد للمقاومة في لحظة اجتماعية معينة، وفي لحظة أخرى معينة يتم إعادة ذلك، وهذا يحدث في أي مكان.
فكرة ما يرددوه الناس أن المقاومة هي أعطت ذريعة لإسرائيل، غير مقبول، وهذا خلل في التشخيص، هذا ليس موقفا سياسيا، بل يعكس خللا في التشخيص لأن هناك خللا في فهم طبيعة هذه الدولة الاستعمارية، فالدولة الاستعمارية تقوم على الإبادة، والتطهير العرقي، وطرد السكان الأصليين والإحلال محلهم.
الإبادة الحالية قد تكون درسا لنا جميعا، تعيدنا لإعادة التفكير بأن هذه بنية استعمارية، وهذه نتائج الاستعمار، وإعادة التفكير في تشخيص الحالة الاستعمارية، ونبتعد عن القصور التقني، مقاربات مثل دولة تحت استعمار، أعتقد قد تكون هذه فرصة لنا جميعا، لإعادة النظر إلى دولة الاستعمار، باعتبارها بنية استعمارية تنتج مستعمرين وواقعا استعماريا، وهي تنتج بذاتها ميكانيزمات الإبادة كشكل من أشكال وجودها.
○ الفلسطيني تاريخيا مر بتجارب كثيرة تعكس مقدار الظلم الذي عاشه، لكن، من الواضح أن هذه التجربة هي الأكثر صعوبة، سؤالي هنا مرتبط بالفلسطيني ذاته، هنا في الضفة مثلا والمخيمات، غياب الفعل وعدم القدرة على الفعل، حالة قلق وربما ضياع يشعر بها الفلسطيني وكإنه يتيم سياسيا، ليس هناك من يقوده في ظل مشاعره وإحباطاته، إبادة يقابلها عدم الفعل، كيف تقرأ ذلك؟
• هذا سؤال مركب ومعقد، ويحتاج إلى فهم للسياق، من المفترض في لحظات تاريخية معينة، ردد الناس في غزة «وحدنا»، بمعنى أن غزة تركت لوحدها، لكن الأمر ليس بهذا الشكل، ما يحدث اليوم هو نتاج طبيعي لهذه الأزمة المستمرة منذ 30 سنة، ومصطلح الأزمة يستخدم لفترة زمنية عابرة، لكن في الحقيقة هي أزمة بنيوية ومستمرة، وتنتج ردات فعل، فغياب الفعل في الضفة الغربية، غياب الفعل في المستعمرة الأولى، وجزء من المستعمرة الثانية في الضفة الغربية والقدس مقلق، غياب الحراك في الشتات مقلق تماما، وهذا لا يعود لأن الناس غير متضامنة مع غزة، ولا يعود لأن الفلسطيني لا يشعر بأن هؤلاء جزء منه، هذا يعود لأسباب عميقة، أولا: في الشتات لدينا أنظمة سياسية قامعة، كما تقمع المصري، تقمع الفلسطيني، وبالتالي الحراكات الفلسطينية في الخارج مشتتة ولا توجد بوصلة جامعة، في ظل عدم النظر إلى منظمة التحرير على أنها بوصلة جامعة. الأمر ينسحب على الفلسطينيين في مناطق الـ48، حيث أعادتهم سلطة الاستعمار إلى عام 1978. في الضفة الغربية الأمر مركب، لأنه تم تدمير القوى الوطنية، نتيجة عزوف الناس عن الأحزاب السياسية بمعناها التقليدي، كما أن السلطة الفلسطينية عقبة حقيقية، ليس فقط للسبب الأمني، بل لكونها بثت سياسات الاعتيادية في الحياة، كما أنها تقمع المقاومين، وتقمع الحركات الاجتماعية وتمنعها من محاولة الحفاظ على ذاتها.
كما أن القلق يتزايد في ظل أن المواطنين لا يتحركون في جنين ونابلس والخليل، فالناس في بناها الاجتماعية التقليدية، بمعنى الناس في مدنهم ومع شبكة علاقاتهم الاجتماعية والاقتصادية، لا يتحركون، وهذا أمر يجب أن نفهمه في ظل العوامل السابقة، وهو يعزز الإحساس بالوحدة والجهوية والمناطقية عند الناس، نحن نشعر بذلك بسبب غياب المؤسسة الجامعة والاستراتيجية الوطنية. يترافق كل ذلك مع أوهام العيش في نمط النموذج الإقراضي في وهم الدولة، وفي التعايش مع فكرة وجودنا تحت احتلال، أصبحنا لا نقدر إلا أن نكون مستهلكين، هذا نتاج طبيعي لتهميش دور الحركات الطلابية، ودور الجامعات. كما أن هناك سياسات مقصودة لها علاقة بتطويل عمر الإجازات (الإضرابات)، منح الناس أياما للبقاء في المنازل يمنع الفعل وكل ذلك ليس مجرد حدث يجب أن نتعامل معه باعتبار مدى ردة فعل الناس على 7 أكتوبر، يجب النظر إلى الأمر في أن هناك اختلالات بنيوية حدثت وبالتالي أنتجت هذه الظواهر.
○ هناك وجهة نظر تدعم النهج الذي يرفض التصعيد في الضفة، بالقول «بدك يصير فينا زي ما صار بغزة»، بتقديري من منظور هوية ومجتمع فلسطينيين هناك أهمية أن نستمر كمجتمع واحد ومتماسك، وهي أقل ضررا مما لو حدث في الضفة ما يحدث في غزة، بمعنى دمار المنازل والشوارع أقل من دمار أرواح الفلسطينيين في ظل ما ينتاب الناس من الاحساس بالتقصير وصولا إلى احتقار للذات، نظرتنا لأنفسنا كفلسطينيين لم تكن على هذا النحو؟
• ما تقوله يعيدني للتاريخ، لأن قراءة الأحداث من منظور تاريخي مهمة، هذا يشبه حالة الفلسطيني ما بعد النكبة، حدث مؤسس في الذات الفلسطينية، لدينا فلسطيني ما قبل النكبة، وفلسطيني ما بعد النكبة، كل نقمة الأجيال التي ولدت ما بعد النكبة يلخصه سؤال: «كيف قبلتم ذلك؟»، وهو ما نراه في الأدب والروايات، وما حدث لاحقا هو ولادة جيل (النكسة)، الجيل الذي حاول أن ينتقم، وحدث صراع الأجيال بين جيل النكبة الذي طرد، والذي حمل مسؤولية الهزيمة، والجيل الذي أخذ السلاح.
برأيي هذه الحالة التي نعيشها يمكن أن تؤسس لشيء ما، لدينا كم هائل من الظواهر شبيهة بما تحدثت عنه، أرق داخلي، شعور بالذنب، الشعور باحتقار الذات نتيجة الشعور بخيانة الآخرين، لقد شعرنا جميعا بداية الحرب بأننا نخون أخوتنا إذا لم نتفرج بالتلفزيون، كما لو كان الفعل هو مشاهدة الحدث، ولاحقا اعتدنا الفظاعة، كل ذلك يؤسس للانتقال من ردة الفعل العلني إلى مساحة الخفي، هذا الخفي بلحظة ما يحتاج إلى العودة إلى العلن، بمعنى، في التاريخ الفلسطيني حدثت حالات مماثلة، لو أخذنا مدينة غزة كمثال بعد القضاء على المقاومة عام الـ74، بدأت ظاهرة قدوم المستوطنين إلى القطاع، كانوا يأتون للتسوق وتناول الطعام، المقاومة في لحظة معينة قررت أن تنهي هذا المشهد في العلاقة مع المستعمر الذي عاش في غزة بين عام 1974 حتى بداية الثمانينيات، أعتقد أن المشهد انتهى تماما، وكم مرت علينا مشاهد قاسية، مثل روابط القرى، وفي لحظة ما، وقع حدث جلل عمل على تجميع المواطنين عبر مخزون شعبي من الاحتقان والغضب والغضب من الذات بحيث يخرج كله للعالم.
أنا أراهن كعالم اجتماع على هذه اللحظة التي ستحدث قريبا، لا يمكن لكل هذه المجموعات من الأجيال الفلسطينية الشابة أن تشاهد هذا الكم الهائل من العنف، سواء حرب الإبادة في غزة، والعنف الذي يحدث على الطرق بفعل المستوطنين في الضفة أن يستمر ذلك مألوفا، هذا عكس طبيعة البشر التي لا تستطيع الاستمرار بالذل والمهانة لفترات طويلة، وبالتالي سيكون هناك حدث شعبي عابر للطوائف، وعابر للجغرافيا الفلسطينية، نحتاج لحدث مؤسس، وهذا يعني تغيير في علاقتنا مع الأشياء.
أنا أعتقد أن السلطة عقبة حقيقية للتغيير، كي لا أكون ظالما، ليست هي العقبة الوحيدة. على المدى البعيد، سيؤسس كل ما نتعرض له لولادة مقاربة مختلفة، جيل مختلف، ستكون نتاجا للعالم الاستعماري، مرة أخرى، الناس تقول إن ما حدث في 7 أكتوبر لن يحدث، أنا أعتقد أنها مسألة وقت، الاستعمار سينتج هو بذاته، بمعزل عن رغبة المقاومين، هو سينتج عشرات السابع من أكتوبر، سيقرر الفلسطينيون ذلك نتيجة العنف الاستعماري، هذا العنف الشامل كما علمنا التاريخ، ينتج عنفا من قبل المستعمرين (بالكسر). في سجالات اليوم هناك من يقول إن العنف والكفاح المسلح غير قابل للتطبيق، حيث أن مشروعها هو الهزيمة، وهناك مفكرون ومثقفون فلسطينيون يعتقدون بوجوب وضع السلاح جانبا، والتفكير بآليات أخرى، وهذا جزء من النقاش داخل المجتمع الفلسطيني، أنا منفتح لسماع هذه الآراء لأن المجتمعات تقوم على الاختلافات، لكن، أنا لا أعتقد أن هذا غير ممكن، ليس فقط لأن هذه الرغبة تلبي رغبة المستعمر في المقاومة، لكن لأن العنف الاستعماري ينتج عنفا إضافيا، لو أننا أمام مشهد مغاير، لو أن ما نتعرض له هو ممارسات احتلال أو ممارسات سلطات تقوم بالتمييز فإن ردة الفعل تكون مختلفة، لكن المشروع الاستعماري، باستثناء أماكن قليلة في العالم قاد النموذج غير العنيف لنتائج إيجابية، لكن في الغالبية العظمى من الحالات فإن المشروع الاستعماري يزداد عنفا.
أذكر عام 2012 كتبت مقالا تنبأت به بأن حجم العنف في الحروب على قطاع غزة سيكون كبيرا جدا، وتنبأت كعالم اجتماع أنه في الحروب القادمة سيزيد عدد الضحايا الفلسطينيين وهذا ما حدث، وأعتقد هذا سيحدث في الضفة الغربية وسيحدث لاحقا إن تركت غزة على هذا الشكل من الصمت والتسليم فإنه سيحدث لاحقا في الضفة الغربية، ولاحقا في أراضي عام الـ48، لا شيء سيوقف الاستعمار.