مع كل صيف تنشغل الضفة الغربية بموضوع المياه، يتعمق الأمر مع وجود تفاوتات فلسطينية مرتبطة بسياسات الاحتلال وواقع المدن الفلسطينية. وما بين الخليل التي تشهد أكبر أزمة مياه تمر بها المدينة منذ سنوات، ورام الله التي يهدد المستوطنون فيها مصادر المياه التي تزود عشرات آلاف المواطنين وصولا إلى مناطق «ج» التي تهددها خطط الضم وفرض السيادة، وهي التي تعتبر مصدر 80 في المئة من المياه الجوفية الفلسطينية، يتعمق إحساس الفلسطينيين مواطنين ومسؤولين بأنهم وقعوا في فخ محكم نصبه الاحتلال لهم واسمه المياه.
قضايا كثيرة وشائكة تخوض فيها «القدس العربي» مع مدير عام التخطيط في سلطة المياه والناطق الرسمي فيها المهندس عادل ياسين، وفيما يلي نص الحوار:
○ غالبا، هناك صعوبة كبيرة في إدارة ملف المياه، أليس كذلك؟
• ملف المياه هو ملف استراتيجي مثله كملف اللاجئين والمستوطنات والقدس والحدود. هو أحد الملفات الخمسة التي تم تعليقها في اتفاقيات أوسلو لمفاوضات الحل النهائي، وهذا يعني أن ملف المياه بنفس أهمية الملفات الأخرى، ولا يقل عنها أهمية. أنا أقول إن ملف المياه أكثر أهمية وتحديدا عند الحديث عن الأمن المائي والماء بصفته أبرز مقومات الحياة، الملفات الأخرى سياسية بامتياز، لكن ملف المياه هو ملف سياسي أيضا واستراتيجي وأمني، وهو ملف يومي، معيشي، أساسي، وهنا تكمن أهميته.
○ نلاحظ أن مشاكل قطاع المياه وتحديداً في فصل الصيف تصبح كل سنة أكثر رعبا مقارنة مع الأعوام الماضية؟
• قطاع المياه محكوم من الاحتلال، فهو يسيطر بشكل مباشر على 85 في المئة من مصادر المياه، وأنا أقول إنه يسيطر على كافة مصادر المياه، لأنه حتى مصادر المياه المتبقية التي يديرها الفلسطينيون، هو يتحكم فيها من خلال الرخص، وبقطع الغيار، وبكل مناحي المياه، السيطرة على 85 في المئة هي نسبة عالية جداً، وبالتالي هو يسيطر على الجزء الأعظم.
أما عند النظر إلى أشكال سيطرة الاحتلال على مصادر المياه فنجد أنه يسيطر على مصادر المياه داخل الأرض وعليها، بمعنى، إنه يمنع الفلسطيني من استغلال المياه الجوفية بشكل كامل، إلا ضمن موافقات ورخص معقدة، وأيضاً فوق الأرض بمعنى هو يتحكم بالمنشآت وتراخيصها، فهو يطلب ترخيصا لتطوير أي بئر أو منشأة، وكل ذلك يضاعف المشاكل المائية.
○ ربما بعد سنوات طويلة على أوسلو، يحق لنا طرح سؤال: هل كنا على خطأ عندما قبلنا بتأجيل ملف المياه إلى المفاوضات النهائية؟
• ربما لم يدرك المفاوِض الفلسطيني أن تأجيل الاحتلال لنقاش ملف المياه يأتي لأهداف سياسية، نتحدث عن ملف أساسي ويومي، وليس فقط سياسي، كثير من المفاوضين الفلسطينيين لم يسألوا أنفسهم هذا السؤال، لماذا يتم تأجيل المياه مع الملفات الأخرى التي لها علاقة بشكل عام في إطار الدولة. لماذا ملف المياه مع هذه الملفات؟ لماذا مثلا لم يكن ملف الطاقة؟
بتقديري أن المفاوض الفلسطيني، في وقتها، لم يدرك الأهمية الاستراتيجية للمياه كسلاح يتم استخدامه في أي وقت، وهو سلاح فتاك، وكما نلاحظ، تم استخدام هذا السلاح بشكل مباشر في العدوان على الغزة من اليوم الأول للحرب، لقد أمر وزير الحرب الإسرائيلي بقطع المياه عن غزة، ورأينا ما حدث، قطع المياه وخاصة عندما تكون معظم السيطرة من الاحتلال، يعني القضاء على الحياة، لا حياة بدون مياه، لقد قلبت حياة المواطنين، ولولا تدخل مستويات عليا من المنظمات الدولية والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، لما تراجع الاحتلال عن قطع المياه جزئيا. أعتقد أن ما حدث في غزة من قطع المياه عن المواطنين هو جواب كامل لسؤال: لماذا المياه؟
○ بمعنى، أن الإسرائيليين كان في ذهنهم أن يكون هذا الملف بمثابة فخ أو كسلاح ضد الفلسطينيين؟
• لم يكن صدفة بالطبع، هذا تخطيط استراتيجي، عندما ناقشوا الملفات وأجلوا ملف المياه كان ذلك يعني أن ملف المياه سيادي، لا يمكن لدولة في العالم أن تقبل بعدم تحقيق حالة الأمن المائي. ولو نظرت قبل فترة ما حدث بين الهند وباكستان، كان يمكن للحرب أن تكون عالمية ونووية بسبب المياه.
○ في ظل سيطرة الاحتلال على كل شيء تقريبا، لو لم يكن ملف المياه في المفاوضات النهائية، ما الذي كان سيتغير؟
• كان سيكون الأمر مختلفا تماما، كان سيعطي فرصة للجانب الفلسطيني لتطوير مصادر المياه، إلى جانب زيادة الاعتماد على المصادر المحلية، عمل أنظمة داخل الأراضي الفلسطينية، وبالتالي عدم الاعتماد على شركة «مكوروت» الإسرائيلية، وهذا كانت ستكون نتائجه مباشرة ومرئية، يعني كان من الممكن أن تصبح درجة تحكم الاحتلال أقل من الوضع الحالي، فهو اليوم يتحكم بالمصدر، بمعنى أي فني إسرائيلي موجود في مكتبه يستطيع أن يقطع المياه عن الفلسطينيين، بمعنى لو كان الأمر مختلفا سيحتاج إلى وجود جيش حتى يغلق بئرا وهكذا.
إذا قارنا بين بعض المدن التي تعتمد على المياه من مصادر فلسطينية، ومدن تعتمد بشكل كامل على الجانب الإسرائيلي، ستلاحظ الفرق، على سبيل المثال، مدينة طولكرم كمدينة جميع إمدادات المياه فيها من آبار جوفية داخل المدينة محفورة قبل عام 67، فهي تعتمد على المياه من مصادرها، وبالتالي أزمات المياه التي تمر عليها في الصيف قليلة جدا، بالمقابل، أنظر إلى الخليل أو رام الله، الطبيعية الهيدرولوجية للآبار في هذه المناطق غير متوفرة، وبالتالي هي تعتمد بشكل أساسي على المياه من الجانب الإسرائيلي، وعندما يقوم الاحتلال بتخفيض الكميات تظهر الأزمة.
سبب أزمة المياه في الصيف هي تقليل الكميات من الجانب الإسرائيلي، ففي الصيف بسبب الأحوال الجوية، وزيادة الاستخدامات، وقدوم المغتربين، وزيادة الطلب على المياه للريّ، وبالتالي في الصيف يزداد الطلب على المياه لأسباب كثيرة، وبدلاً أن يزيد الجانب الإسرائيلي الكميات لتعويض الطلب، يقوم بتقليل الكميات، ويعطي الأولوية المطلقة للمستوطنات، على سبيل المثال، مستوطنة كريات أربع، القريبة من الخليل، نجد أنه لا توجد خزانات على أسطح بيوت المستوطنة، وهو دليل على أن ضخ المياه إليها 24 ساعة في الأسبوع، بينما في الخليل التي تقع على ذات البقعة الجغرافية، يحصل المواطن على المياه على حسب دورة المياه التي تكون كل 50 إلى 60 يوما، وبالتالي المشكلة ليست فنية، وليست في توفر المياه، إنما في استخدام المياه وسيلة للتعطيش، وسيلة لتضييق سبل العيش، وبالمقابل وسيلة للترفيه، فالمستوطن مرفه، كميات المياه التي يحصل عليها أضعاف الكميات التي يحصل عليها الفلسطيني، وهي متوفرة في جميع الأوقات.
○ أولا: بالصيف الحالي هل قلص الاحتلال كمية المياه التي زودنا بها؟
• تقليص المياه، إما كماً، بمعنى مثلاً أن الاحتلال يزودنا بـ30 ألف متر مكعب ويبرر وقف أو تقليص المياه لدواع فنية، كالصيانة وإلى آخره، هو لا يقول بعدم وجود مياه، الحجة دائما تكون الصيانة، وهذه ليست حقيقة، الحقيقة هي التضييق على المواطن الفلسطيني وسبل عيشه، وبالتالي هو قرار سياسي واستراتيجي، والهدف هو خلق شعور أن الفلسطيني دائماً بحاجة إليهم، ومضطر للاستسلام لهم، لأن المياه عندما تستخدم كسلاح فتاك وقاتل غير مرئي، حتى لو لم يقللوا الكميات فهناك مشكلة أكبر ترتبط بأنهم لا يأخذون بعين الاعتبار زيادة الطلب في كل سنة.
○ في رام الله والبيرة مثلا، المعروف في فصل الصيف يزيد عن سكان المدينتين كثيرا، وهذا يستدعي زيادة الطلب لاعتبار له علاقة بفصل الصيف وزيادة عدد السكان؟
• بتقديري أن زيادة الاستهلاك لا تقل عن 30 في المئة ما بين فصل الشتاء والصيف، إضافة إلى زيادة عدد المغتربين العائدين، ذلك يضاعف الطلب على المياه، وإذا لم يتم تعويض ذلك، تتضاعف المشكلة. أقول ذلك من دون النظر في قطع الامدادات بادعاء الصيانة.
○ لو حسبنا زيادة السكان في مدينتي رام الله والبيرة في الصيف، كم تزيد من نسبة الاستهلاك في ضوء الزيادات السنوية في السكان والعملية الصناعية الطبيعية؟
• لو أخذنا بعين الاعتبار معدل الزيادة السكانية 3 في المئة، وزيادة الطلب للجانب الصناعي 2 في المئة، فتقديري زيادة الكمية كل سنة يجب أن تكون بنسبة 5 في المئة عن السنة التي سبقتها، وذلك كي تستطيع أن تواكب عملية التطور.
هذا طبعا في بدون قدوم أعداد كبيرة من الزوار والمغتربين في الصيف. السنة الحالية شهدت زيادة غير متوقعة مرتبطة بما حدث في المخيمات شمال الضفة، حيث جاءت الكثير من العائلات إلى رام الله، وهذا شكل عامل ضغط إضافي على مزود الخدمة.
○ الصوت القادم من الخليل أكثر قوة وصخبا وعنفا، ما طبيعة المشكلة ببساطة؟
• المشكلة في الخليل أنها من أكبر محافظات الضفة سكانا، لديها ثروة حيوانية كبيرة، مصانع كثيرة خاصة مصانع الألبان، وبالتالي الطلب على المياه أكثر من باقي المحافظات الأخرى، في الخليل معظم مصادر المياه تأتي من الجانب الإسرائيلي، سببه أن المياه في الخليل عميقة، نحتاج إلى حفر أكثر من ألف متر حتى نصل إلى المياه الجوفية، وهذا الحفر يحتاج إلى سنوات من العمل، وبالتالي، كميات المياه الجوفية الموجودة لا تكفي لسد احتياجات السكان آنياً، وليس على المدى الطويل.
المواطن لا يتفهم فكرة الحل الاستراتيجي والخطة العلاجية، هو يريد المياه في اللحظة الحالية، فالمياه لا تقبل التأجيل، الاحتياج للمياه لا يقارن بأي شيء آخر، وهو ما جعل صوت الغضب عاليا جدا.
○ كم نسبة المياه التي تأخذها محافظة الخليل من شركة «مكوروت»؟
• تقريبا 90 في المئة، وهذا هو بيت القصيد، أي عطل فني في إمدادات المياه ينعكس مباشرة. أيضا في الخليل هناك مشكلة إضافية، وهي التعدي على خطوط المياه، قامت محافظة الخليل وسلطة المياه بعمل حملة للكشف عن تعديات الخط الناقل في منطقة بيت أمر، لقد تم اكتشاف حوالي 20 وصلة على خط 4 كيلو (زاد عدد الوصلات غير القانونية التي تم اكتشافها بعد إجراء المقابلة)، والحملة مستمرة على خط ينزف منه نحو 15 ألف متر مكعب، وحوالي 50 في المئة من المياه الموجودة في الخط لا تصل، وفي بعض الخطوط تكون النسبة 70 في المئة خط ترقوميا مثلا، وبالتالي، كان لا بد من سلطة المياه والجهات الرسمية لتكثيف الحملة للحد من التعديات، لأنها تذهب لجيوب خاصة، لاستخدامات فردية، ولاستخدامات غير مخصصة لها.
○ لكن هذا لا يعفي المسؤولين من تقصيرهم في متابعة موضوع التعديات، حيث هناك عدم متابعة مرصودة في كل الضفة تقريبا؟
• الوضع في الخليل مختلف، الفاقد في جنين مثلا على مستوى فردي، بمعنى، هناك حالات فردية صغيرة، لكن، في الخليل هي منظمة، بمعنى هي تعديات كبيرة، فحسب المعدلات 15 متر مكعب تكفي لـ225 ألف شخص، وهذا يعني حرمان هؤلاء الأشخاص يوميا من حقهم في المياه.
التعدي في الخليل يعكس أمرا خطيرا، كما أن الاحتلال يغض الطرف عن ذلك، ذلك يحدث في مناطق «ج»، التابعة للسيطرة الإسرائيلية، وهذه الخطوط هي تابعة لشركة «مكوروت»، المفارقة أن الجانب الإسرائيلي يغض الطرف عن الموضوع ويحملنا كامل المسؤولية ويدفعنا ثمنها، أما لو مس الأمر المستوطنات فإنه لن يسمح للحظة واحدة بذلك.
○ التعديات على خطوط المياه، تكون لأي أغراض؟
• للأغراض الزراعية، وأغراض المتاجرة في السوق السوداء عبر بيع تنكات المياه، لكن أكثرها تذهب لأغراض زراعية، في حين أنها مياه مخصصة للشرب. الحملة الأمنية أطلقت قبل أكثر من شهر، مع حملة توعوية مرافقة لها ويشترك في الحملة محافظة الخليل وكافة الهيئات المحلية والضابطة الجمركية والأجهزة الأمنية وكافة أصحاب الاختصاص وهذه الحملة ستستمر وعلى أمل أن تودي بنتائج ترتبط بالتخفيف من حدة المشكلة.
أما حل المشكلة بالكامل فيتطلب أمورا أكثر، أولا مفاوضات مع الجانب الإسرائيلي لتثبيت الكميات، وضمان عدم تخفيضها.
○ هل توجد في الخليل مشاريع تحلية لمياه الصرف الصحي، بحيث تتحول للزراعة؟
• حاليا نعمل على محطة معالجة الخليل، المفروض هذه المحطة توفر 22 ألف متر مكعب يوميا للاستهلاك الزراعي، هناك «محطة معالجة العروب» وتوفر حوالي 1500 متر مكعب تستخدم لهذه الأغراض، هناك مشاريع طموحة وواعدة، ولكن ليست مشغلة، موجودة على الأرض لكنها لم تكتمل بعد، في مراحلها النهائية.
○ لكن الغضب بالخليل كان حافلا.. لقد قالوا لكم «سلطة المياه من دون سلطة»؟
• حجم المشكلة كبير، لا توجد مياه، ولا يوجد مصدر بديل، وتنكات المياه يتضاعف الطلب عليها، وأصحاب صهاريج المياه يستغلون الظروف، والبلدية غير قادرة على توزيع التنكات بسبب الطلب الكبير، وبالتالي أصبحت معرضة للسوق السوداء.
نحن نتقبل ونتفهم غضب المواطنين، فالمواطن يكتوي بنار العطش، وبالتالي عندما لا يجد المياه في منزله سيلقي اللوم على المسؤول، إنهم يريدون حلا ولا يريدون سماع مبررات، أتفهم حاجتهم تماما وهجومهم الحاد. لكن وجدنا خلال الاجتماع معهم أن هناك معلومات مغلوطة لديهم عن سلطة المياه وحول الجهود التي تقوم بها، ونحن ندرك أن هناك شكا عند المواطن في قدرة حملات وقف التعديات على حل مشكلة انقطاع المياه، وهو يقول إنه لم يسمع بأي حالة تم تقديمها للمحاكمة.
لقد تفهمنا مطالبهم وامتصينا غضبهم، ونحاول قدر الامكان إيجاد حلول سريعة لتجاوز أزمة الصيف.
الحلول الآنية تتمثل في أولا: تكثيف الحملات الأمنية، وثانيا: تشغيل الآبار الموجودة في الخليل، وثالثا: الحل الداخلي، بمعنى العدالة في التوزيع، أي «نسقي بالفنجان الكل بالتساوي»، وهذه أكثر الحلول التي يمكن القيام بها. في الجانب الإسرائيلي هناك قناة مباشرة للضغط عليهم، والجانب الإسرائيلي يدعي أن المشكلة فنية، ويقدم الوعود بالحل والتسويف والمماطلة، نرى ذلك قرارا سياسيا؟ لماذا الخلل الفني يحدث في المدن الفلسطينية ولا يحدث في المستوطنات؟ نحن لا نستسلم لما يقوله الإسرائيليون ونمارس الضغط من خلال الدول المانحة والدول الصديقة ومن خلال قنوات الاتصال مع هيئة الشؤون المدنية أو الارتباط المدني والعسكري.
○ في رام الله، ما آخر التحديثات في ملف آبار المياه في منطقة عين سامية التي تشهد موجة من هجمات المستوطنين؟
• لا يزال المستوطنون يجوبون داخل حرم البير، أطفالا وكبارا، الآبار تعمل، وتم السيطرة على الاتصال، لكن الخطر ما زال مرتفعا، ومرتفعا جدا، لأن ما يحدث هو استفزازات المستوطنين للمشغلين والمهندسين من طرفنا، ربما تحدث هجمات من قبل المستوطنين عليهم، ما زال الوضع مصنفا كخطر جدا من طرفنا.
○ كنت أتحدث مع خبير في شؤون المياه وقال معلومة أن إسرائيل لديها أربع محطات تحلية، وستقوم بتشغيل أربع محطات جديدة، ولديها أيضا أربع محطات قيد التخطيط لها، وهذا يعني أن الاحتلال يفتعل أزمة المياه، ليجبرنا على شراء الماء منه، ما رأيك؟
• هذا ليس فقط في فلسطين، حتى مع الدول العربية، إسرائيل أصبحت تستغل مياه البحر للتحلية، وأصبحت أكبر تاجر مياه في المنطقة، وهي تعطي الأردن، وربما قريبا ستعطي بعض الدول العربية، وبالتالي، المياه أصبحت كالنفط، والشركات تتعاقد مع شركات القطاع الخاص، وتأخذ كميات ربما أكثر من حاجتها، وهي بحاجة إلى سوق لتسويق هذه الكميات، إذا نظرنا إلى البعد الاستراتيجي للمياه، حتى تزيد السيطرة الإسرائيلية بشكل مطلق على المياه، ستمنع أو ستحاول قدر الإمكان منع استخدام المياه الجوفية، وستتعاقد مع شركات محطات التحلية بكميات محددة، بالتالي إذا لم تستغل، فسيكون هناك فائض، وهذا الفائض إما أن يتم بيعه للسوق الفلسطيني، أو للأردني، وما يزيد يتم حقنه في المياه الجوفية لتغذية المصادر.
ما يقوله الخبير صحيح، ربما البديل في يوم من الأيام، يقول لنا الإسرائيليون اتركوا عين سامية وأنا سأعطيك بنفس السعر من شركة «مكوروت»، وهذا ما أخشى أن يحدث، لأن هذا ضمن الاستراتيجية التي يقومون بها، لتفريغ المنطقة من الوجود الفلسطيني، وأيضا زيادة السيطرة على مصادر المياه، والتحكم بها من طرفهم. بالتالي ربما يكون البديل هو الاعتماد الكامل على التمديدات من شركة «مكوروت».
○ هل ستوافقون على خطة من هذا النوع؟
• نحن لا نوافق، ونتمسك بحقوقنا المائية في كل القنوات، ونفرق بين تزويد المياه لأغراض الاستخدام، وبين المطالبة بالحقوق المائية، الحقوق المائية ثابتة، ونعمل على أكثر من مستوى في هذه القضية.
○ ضم مناطق «ج»، ماذا يعني على موضوع المياه؟
• المياه حاضرة في كل المخططات الإسرائيلية وخططهم الإستراتيجية، فهي ملف استراتيجي وليس ملفا خدماتيا، قبل أن نتكلم عن الضم، لننظر إلى جدار الفصل العنصري، ستلاحظ أن كثيرا منه قائم على حدود مائية، وبالتالي هو يأخذ في عين الاعتبار مخططات المياه، لأنه حتى تصميم الحدود الوهمية أو الخط الأخضر له أبعاد مائية، ربما المواطن لا يراها، لكن المختصين في مجال المياه والمياه الجوفية، يعلمون ما معنى تقسيم الحدود الوهمية بالنسبة للأحواض المائية.
الأرقام تقول إن 80 في المئة من مصادر المياه الفلسطينية موجودة في مناطق «ج»، عملية الضم على خطورتها تكون أكثر خطورة على الوضع المائي.
○ سؤال أخير، ما رأيك بظاهرة وجود مؤسسات فلسطينية تعمل مع مؤسسات دوليـة وإسرائيلية من أجل حل مشاكل المياه؟
• ملف المياه استراتيجي، ولا يجب أن يخضع لأي شكل من أشكال المهرجانات التي نسميها التطبيع، أو المشاريع الإقليمية، بعض هؤلاء يحاولون تذويب قضية المياه إلى مجال للتعاون أو التكيف أو التنازل عن الحقوق أو شركاء، هذا أمر لا نتعاطى معه على الإطلاق، نحن ضد أي مشروع يمس الحقوق المائية. البعض يقول إن المهم أن يشرب الفلسطيني ولا يهم من «مكوروت»، أو من بئر تحت الأرض، هذا فكر خبيث يضر بالأمن المائي، ويضر بديمومة المقاومة لا سيما ونحن إزاء احتلال يستخدم سلاح الماء، وغزة الدليل.
○ لديك خبرة 27 عاما في ملف المياه، واضح أنه تنتظرنا معركة قاسية؟
• الأمر مع المياه يشبه الوضع مع باقي الملفات المؤجلة للوضع النهائي لكن مع فارق أن ملف المياه هو الوحيد الذي يمس المواطن بشكل مباشر، إسرائيل تستخدم هذا السلاح كورقة استراتيجية في سياساتها المستقبلية، وهي لا تخفي الأمر، وتسعى إلى القضاء على أية إمكانية للتحرر من السيطرة الإسرائيلية، ليست هناك أي دولة ترضى أن تعيش من دون أمن مائي وامدادات مياه مستقلة، وليس هناك أي استقرار من دون ذلك.