الأمازيغية في الغرفة الثانية للبرلمان المغربي: نقاش التفعيل وتوصيات تدارك التأخير

عبد العزيز بنعبو
حجم الخط
1

الرباط ـ «القدس العربي»: خلصت فعاليات ندوة نظمها مجلس المستشارين «الغرفة الثانية من البرلمان المغربي» إلى توصية تتعلق بتفعيل اللغة الأمازيغية في جلساته وأجهزته، إسوة بالغرفة الأولى «مجلس النواب».

الندوة التي انتظمت يومي الثلاثاء والأربعاء في موضوع «مراحل تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية وكيفيات إدماجها في الجلسات العمومية لمجلس المستشارين وفي أجهزته» أقامها مجلس المستشارين بالتعاون مع المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، وبدعم من برنامج «التوأمة المؤسساتية المغرب-الاتحاد الأوروبي» وبرنامج «دعم دور البرلمان في توطيد الديمقراطية بالمغرب» لمجلس أوروبا.
ودعا المشاركون في الندوة إلى «تكريس أرضية للنقاش الدائم حول تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية في كل مناحي الحياة، وتقييم أبعادها الإجرائية انسجاما مع الإرادة الملكية للمكانة التي تستحقها الأمازيغية في بناء الهوية الوطنية وروح الدستور، الذي يعتبرها مكونا أساسيا للوحدة الوطنية».
كما أوصت بـ«تدارك التأخير وتجنب مزيد من هدر الزمن السياسي والمؤسساتي والحقوقي والتنموي في مجالات إعمال مقتضيات القانون التنظيمي 16-26 وذلك بتوفير الشروط المادية والبشرية والتكوينية لتنفيذها في الآجال المحددة، ومواكبتها بآلية للتعبئة الاجتماعية حول الأمازيغية ومقومات الهوية والثقافة المغربية».
بالإضافة إلى ذلك، أكدت الندوة على ضرورة «تسليط الضوء على الفاعل السياسي وعلاقته باللغات الأم، وكذلك سبل تنفيذ القوانين التنظيمية للأمازيغية كلغة المغاربة من دون استثناء، وتنزيلها في القطاعات الوزارية والقطاعات ذات الصلة» مع «ضرورة مراعاة جميع التعبيرات لتطوير وتصحيح التواصل في جميع المؤسسات والقطاعات، والتفكير في غير الناطقين بالأمازيغية، خاصة بمؤسسة البرلمان لتقريب المواطن من ممثليه».
وفي توصية أخرى، أبرزت الندوة «ضرورة التشبث بالاعتراف الرسمي بالتعدد والتنوع، كرهان أساسي على مدى ازدياد تحقق الديمقراطية في الدول التي تؤهل لغاتها المتعددة لتصبح لغات رسمية» وأيضا «احترام التعددية اللغوية والثقافية كما سطرها الدستور الجديد الذي ينص على لغتين رسميتين، العربية الفصحى والأمازيغية، والحفاظ على اللهجات واللغات الأجنبية والثقافات المحلية والانفتاح على اللغات الأجنبية».
وأشار المشاركون إلى «الاستعانة بالتجارب الدولية المقارنة والرائدة في تدبير التعدد اللغوي في السياسات اللغوية والتربوية، لتطوير وضعية اللغة الأمازيغية في المدرسة المغربية باعتبارها لغة رسمية، وإمداد المراكز بالموارد البشرية المتخصصة والكافية».
وتمت أيضا «الدعوة إلى انخراط المغرب في شعبة الذكاء الاصطناعي المسماة معالجة اللغات الطبيعية، للمعالجة الأوتوماتيكية للغات من أجل تسهيل عملية ترجمة الموروث الثقافي الكوني الهام المتوفر حاليا باللغة الإنكليزية والاسبانية والفرنسية وترجمته إلى الأمازيغية» علاوة على «إجراء مقاربة كيفية لهذه الثقافة في أفق ترسيخ وتكريس المواطنة والرابط الجماعي، عبر الاهتمام بتمثلات ومواقف الفاعلين المعنيين، والحاجة إلى التفاوض والتداول لأن إشكالات التنوع والتعدد تحيل على قبول الآخر وتلغي مواقف الإقصاء وهي محكومة بالقيم المشتركة، والتشجيع على إعادة الاعتبار للثقافات على اختلافها».
وتم التشديد في التوصيات، «على ضرورة الابتعاد عن النقاش السياسي حول تفعيل ترسيم الأمازيغية، والالتزام بإعطاء وجهات النظر التي من شأنها المساهمة في إغناء الديمقراطية التشاركية لخدمة مصلحة البلاد» و«المرور إلى مرحلة بناء ثقافة سياسية قائمة على التعدد الثقافي واللغوي، تعطي لكل الأقليات حقوقها وتعترف بخصوصيتها، مع العمل على نشر قيم التسامح والحوار بين مكونات المجتمع».
الندوة المذكورة عرفت مشاركة مكثفة لخبراء مغاربة ودوليين من منظمة «يونيسكو» وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، بتعاون مع المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، وبدعم من برنامج «التوأمة المؤسساتية المغرب-الاتحاد الأوروبي» وبرنامج «دعم دور البرلمان في توطيد الديمقراطية بالمغرب» لمجلس أوروبا.
وتأتي هذه الندوة بهدف دعم توجهات المجلس في أجرأة مخططه الاستراتيجي 2022-2027 واستجابة لتوصيات أعمال اللجنة التقنية المكلفة بتحيين مخطط عمل المجلس حول كيفيات ومراحل إدماج اللغة الأمازيغية في أعمال الجلسات العمومية للمجلس وأجهزته، وفقا لأحكام دستور 2011 والقانون التنظيمي رقم 26.16.
ووقع مجلس المستشارين على اتفاقية تعاون مع المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، تتضمن مجالات الدعم التقني وتعزيز القدرات والتكوين المستمر لإدماج الأمازيغية في أعمال المجلس وتيسير استعمالها كلغة رسمية، وتهدف إلى وضع إطار عام للتعاون بين المؤسستين قصد أجرأة وتفعيل مخطط عمل المجلس المتعلق بكيفيات ومراحل إدماج اللغة الأمازيغية في أعمال الجلسات العمومية لمجلس المستشارين وأجهزته، وكذا من أجل المساهمة المشتركة في تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية وتيسير استعمالها من قبل المجلس وتذليل جميع الصعوبات التقنية المرتبطة بذلك.
رئيس مجلس المستشارين، النعم ميارة، أكد على أن إدماج اللغة الأمازيغية في هياكل مجلس المستشارين وأعمال جلساته ولجانه وبياناته وبوابته الإلكترونية، سيغير من صورته وسيجعله مجلسا متعددا، ما من شأنه تقريب أنشطة المجلس من عموم المواطنين وانشغالاتهم، وتجسيد غنى للثقافة الوطنية وتعدد روافدها المتنوعة والمتلاحمة، مؤكدا على تضمين ورشة تعديل النظام الداخلي لمجلس المستشارين ومراجعته، توضيحا للقواعد الضابطة للعمل باللغتين الرسميتين للمملكة، والتعبيرات اللسنية المعنية، فضلا عن توحيد المعجم وإعداد المحاضر والتقارير، إلى جانب ما تفرضه الترجمة الفورية من وإلى اللغتين العربية والأمازيغية من توفير إمكانات بشرية ومادية هامة.
أما احمد بوكوس، عميد المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، فقد أشاد في كلمته خلال افتتاح الندوة، بمجهودات مجلس المستشارين من أجل إنجاح ورشة تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية ضمن المؤسسات العمومية، مؤكدا على أهمية تفعيل هذا المشروع المجتمعي، واعتبر إدماج الأمازيغية وترسيمها في المؤسسات الوطنية يدشن لمرحلة مصيرية بالنسبة لرافد مهم من روافد الهوية المغربية، وأنه بموجب الاتفاقية الموقعة، سيعمل مجلس المستشارين على تشكيل فريق عمل متخصص، بتعاون مع خبراء المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، يعهد إليه بإنجاز معجم المصطلحات القانونية المستعملة في العمل التشريعي باللغة الأمازيغية المعيرة وأبجدية «تيفيناغ» وبإعداد قاعدة المعطيات ورقمنتها لتسهيل عملية الترجمة بالجلسات العمومية وأجهزة مجلس المستشارين من وإلى الأمازيغية.
وتضمنت الجلسة الافتتاحية للندوة كلمات لكل من كارمن مورتيكوميز، رئيسة مكتب مجلس أوروبا في المغرب، ومارتين تيري، الممثلة المقيمة المساعدة لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي.
وتمحورت الندوة حول التعددية اللغوية كدعامة للديمقراطية التشاركية ورافعة للتنمية المستدامة، ومخطط عمل مجلس المستشارين المتعلق بتفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية، وإدماجها في الجلسات العمومية للمجلس وفي أجهزته، ثم تبادل التجارب والخبرات.
وأوضح بيان المجلس، أن توصيات ومقترحات الندوة، هي ترجِمت لمختلف المساهمات العلمية والرؤى والمقاربات المتعددة، التي أغنتها تفاعلات الحضور والمشاركين، وهمت مختلف الجوانب العلمية والإدارية والقانونية والحقوقية والسياسية، وما تطرحه من إشكالات موضوعية وإجرائية وواقعية، وفي استحضار لروح وأبعاد مضامين الخطب الملكية في الموضوع.
وفي تموز/يوليو 2011 أقر الدستور المغربي المعدل الذي صوت عليه المواطنون اللغة الأمازيغية باعتبارها لغة رسمية، ليكون المغرب الدولة العربية الأولى التي تذهب باتجاه إقرار التعددية اللغوية بشكل رسمي.
وكان العاهل الملك محمد السادس ألقى يوم 17 تشرين الأول/أكتوبر 2001 في بلدة أجدير (وسط البلاد) خطابا حمل أول اعتراف رسمي باللغة الأمازيغية، وقال فيه إن «الأمازيغية مسؤولية سياسية من كل المغاربة».

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية