نيويورك ـ «القدس العربي»: تقول التقديرات الإخبارية والمعلومات المتوفرة عن سير المعارك في أفغانستان إن طالبان قد تجتاح العاصمة كابل خلال 90 يوما بعد الانسحاب الأمريكي في نهاية شهر آب/أغسطس الحالي. ومع أن هذه التقديرات غير علمية وتعتمد على التطورات على الأرض وسرعة انهيار الجيش الأفغاني والتفاف القبائل حول حركة طالبان، إلا أن الأمر الواضح أن الكفة هذه الأيام تميل لصالح حركة طالبان. لكن لن تكون النهاية هنا ولن تفرش السجادات الحمر للحركة، والمعضلات التي ستواجهها ستضعها أمام خيارين، إما العمل مع بقية الأطراف الأفغانية وتشكيل حكومة وطنية تشمل كافة أطياف الشعب وإلا ستكرر مشهد الحرب الأهلية بين عامي 1990 و 1996 والتي حصدت الأخضر واليابس وخلفت تركة ثقيلة أمام حركة طالبان فأساءت للبلاد والعباد وانتهت إلى احتلال البلاد من قبل الإمبريالية الأمريكية عام 2001.
الانسحاب الأمريكي الحالي من أفغانستان يذكرنا بما حدث بعد الانسحاب السوفييتي في نهاية عام 1989 وانفضاض التحالف الدولي الذي كان يدعم حركة المجاهدين. ترك الأفغان لمصيرهم آنذاك فانطلقت الحرب الأهلية التي استمرت ست سنوات دمرت الأخضر واليابس وانتهت بسيطرة حركة طالبان على البلاد سوى جيب صغير في أقصى الشمال لا يزيد عن 5 في المئة من مساحة البلاد. الحرب الأهلية في أفغانستان هذه المرة قد تكون أقسى وأصعب وأكثر ضراوة خاصة وأن هناك مئات الألوف المنضوين تحت مظلة الجيش والأجهزة الأمنية والميليشيات القبلية المعارضة لطالبان والتي لن ترفع الراية البيضاء بسهولة. كما أن دول الجوار لن تسمح لنظام قريب من حدودها بإعادة إنتاج طبعة ثانية من طالبان 1996 مدعومة بالفكر الداعشي والقاعدة وتحويل أفغانستان إلى خيمة للمتطرفين بعد هزيمتهم في العراق وسوريا.
ما الذي سيحدث بعد الانسحاب هذا هو السؤال؟ فهذا شعب عنيد يتحد ضد الغرباء ويتشظى في كل اتجاه عندما يحاول أن يسوس أمور بلده بنفسه.
التطورات في المشهد
تقول ديبورا ليونز، رئيسة بعثة الأمم المتحدة للمساعدة في أفغانستان «يوناما» حول ما يجري الآن في أفغانستان «إن هذه حرب من نوع مختلف، تذكرنا بسوريا مؤخرا أو سراييفو في الماضي غير البعيد. إن مهاجمة المناطق الحضرية تعني إلحاق أضرار جسيمة وإحداث خسائر فادحة في صفوف المدنيين، عن قصد». وذكرت في مداخلتها أمام مجلس الأمن يوم 6 آب/أغسطس الحالي أن الخسائر البشرية كانت مدمرة. فقد تم تسجيل أكثر من 1000 ضحية في الشهر الماضي وحده، بينما تم تدمير المنازل والمستشفيات والجسور والبنى التحتية الأخرى. وقالت «خلال حديثي مع الأفغان، فإن الانطباع الذي لدي الآن هو أن السكان ينتظرون بتخوف ظلا مظلما يمر فوق المستقبل الأكثر إشراقا الذي كانوا يتخيلونه من قبل. من الصعب بالنسبة لي وصف حالة الرهبة التي نواجهها كل يوم».
وقد حذرت بعثة الأمم المتحدة في أفغانستان في تقرير أخير عن ضحايا المدنيين من أنه بدون خفض كبير في التصعيد في العنف، فإن أفغانستان في طريقها لتشهد في عام 2021 أعلى عدد على الإطلاق من الضحايا المدنيين المسجلة في عام واحد منذ أن بدأت بعثة الأمم المتحدة لمساعدة أفغانستان في تسجيل الضحايا عام 2009. وذكر التقرير أن عدد الضحايا المدنيين في أفغانستان بلغ في النصف الأول من عام 2021 مستويات قياسية، بما في ذلك زيادة حادة بشكل خاص في عدد القتلى والجرحى منذ أيار/مايو عندما بدأت القوات العسكرية الدولية انسحابها، واشتد القتال في أعقاب هجوم طالبان.
وقد حذرت ليونز مجلس الأمن في إحاطتها أن الأفغان يواجهون هذا الظلام القادم وهم يشعرون بتخلي المجتمع الإقليمي والدولي عنهم. «إنهم يتوقعون قدرا أكبر من المشاركة والدعم الواضح، إذ إن المجلس مكلف بصون السلام والأمن الدوليين».
أفغانستان الآن إذن تمر بمنعطف خطير. فإما مفاوضات سلام حقيقية أو مجموعة متشابكة بشكل مأساوي من الأزمات: صراع عنيف متزايد مصحوب بحالة إنسانية حادة وتضاعف انتهاكات حقوق الإنسان، وعواقب وخيمة قد تمتد إلى ما وراء حدود البلاد. إن محادثات الدوحة والتي لا تبشر بمخرجات حاسمة قد تكون فرصة لمنع أفغانستان من الانزلاق إلى حالة كارثية خطيرة للغاية بحيث لا يكون لها مثيل في هذا القرن آخذين بعين الاعتبار عدد اللاجئن والمشردين وملايين الألغام المنتشرة في البلاد ونسبة الفقر والبنى التحتية المدمرة. الاحتفال بهزيمة الوجود الأجنبي شيء، وبناء دولة تستجيب لمتطلبات شعبها الذي يزيد عن 35 مليونا شيء آخر يجب أن نحذر منه قبل وصول «الفاس إلى الراس».
التحديات التي تواجهها البلاد
في المجال الإنساني: تعمل الأمم المتحدة بكافة وكالاتها في أفغانستان. كما أن هناك أكثر من 150 منظمة غير حكومية تعمل على القضايا الإنسانية. ويتلقى المساعدات الإنسانية نحو 18.4 مليون أفغاني. يقوم على توزيع المساعدات في المجالات المختلفة نحو 7000 موظف محلي و 720 موظفا دوليا يعمل 300 منهم داخل البلاد وعلى الأرض والباقي يعملون عن بعد. وأعلن مارتن غريفيثس أمام مجلس الأمن الدولي يوم الجمعة 6 آب/أغسطس أن المنظمات الإنسانية ملتزمة بالبقاء في أفغانستان وتقديم الإغاثة والمساعدات لجميع المدنيين، لكنها بحاجة إلى وصول بدون عوائق وضمانات بأن عمال الإغاثة ومقدمي الخدمات يمكنهم تقديم المساعدات والخدمات من دون تدخل. لكن الأمم المتحدة أعلنت أن لديها خطة لترحيل الموظفين الدوليين إلى أماكن آمنة إذا ما تدهورت الأوضاع الأمنية لدرجة أن تصبح حياة الموظفين في خطر. فإذا ما اجتاحت طالبان البلاد كلها عسكريا فستضطر الأمم المتحدة إلى إجلاء موظفيها طلبا للسلامة وهذا سينعكس بشكل كارثي على الملايين الذين يعتمدون على المساعدات الإنسانية.
لقد أطلقت الأمم المتحدة نداء لجمع 1.28 مليار دولار للمساعدات الإنسانية في أفغانسان لعام 2021 لم يصل منها إلا 488 مليون دولار أي بنسبة 38 في المئة فقط نصفها من الولايات المتحدة. لكن الاحتياجات الإنسانية تتزايد كل ساعة. المستشفيات الآن مكتظة بالمصابين، والغذاء والإمدادات الطبية آخذة في التناقص، الطرق والجسور والمدارس والعيادات والعديد من البنى التحتية الحيوية تتعرض للتدمير. كل يوم يتسبب الصراع في خسائر أكبر للنساء والأطفال. استمرار الصراع في المدن وضواحيها يعني ببساطة مزيدا من المجازر يكون وقودها المدنيين. لقد تم تشريد 390000 شخص منذ بداية العام كما قتل 1000 شخص خلال الشهر الماضي، بينما وصل عدد من قتلوا في المعارك الداخلية بين الأفغان أنفسهم منذ عام 2009 نحو 40000 أفغاني. الحرب الأهلية، إن انطلقت، ستعيد البلاد إلى أيام التسعينيات والتي شهدت من الدمار في سنة أو سنتين أكثر بكثير مما شهدته عشر سنوات من الاحتلال السوفييتي.
في مجال حقوق الإنسان: كل التقارير التي تصل إلى الأمم المتحدة من المناطق التي سيطرت عليها طالبان تشير إلى ارتكاب انتهاكات جسيمة ضد المدنيين والصحافيين والنساء والأطفال. وقالت مفوضية حقوق الإنسان إن عاصفة من الفظائع متواصلة في حصد الأرواح ونشر الرعب، وتجعل من إمكانية تحقيق السلام أمرا بعيد المنال. وقالت إن المكاسب التي تحققت وخاصة في ميدان تعليم المرأة تتعرض للهجوم وتتقلص بسرعة، مضيفة أن حقوق النساء والفتيات، بما في ذلك الوصول إلى مؤسسات التعليم والأسواق والخدمات الصحية الأساسية، آخذة في التناقص. وإن الوصول إلى المعلومات وحرية التعبير أمران مثيران للقلق على حد سواء، حيث تم إغلاق وسائل الإعلام المستقلة في المحافظات التي سيطرت عليها طالبان. إن مستقبل أربعة ملايين فتاة في المدارس والجامعات قد يصبح الآن مهددا إذا عادت حركة طالبان لعقلية التسعينيات وبدأت تغلق المدارس والجامعات وتمنع المرأة من ممارسة الوظائف العامة وبالتالي تنسف كل ما حققته المرأة في العشرين سنة الماضية. إن هذا الأمر يثير تخوفات المجتمع الدولي وخاصة مجلس حقوق الإنسان الذي يقدم التقارير الدورية عن الحالة المتردية لحقوق الإنسان وخاصة حقوق المرأة في المناطق التي تخضع لسيطرة طالبان.
نظام غير مقبول دوليا: المجتمع الدولي لن يتقبل نظام طالبان إذا أصر على الاستيلاء عسكريا على أفغانستان. قد يصبح النظام الذي تقيمة حركة طالبان منبوذا دوليًا إذا أصرت الحركة على نهج الحسم العسكري بدل التفاوض على نظام شامل يجمع الأطياف الأفغانية كلها بدون إقصاء أو استحواذ. والدعم الدولي سيكون مرتبطا مع أي حكومة مستقبلية بمدى التزامها بالمشاركة الشاملة والانتخابات النزيهة، وحماية حقوق الإنسان، والابتعاد عن احتضان الجماعات المتطرفة مكررا تجربة عام 1998 عندما استقبلت الحركة القاعدة وتحالفت معها. وعملية عزل النظام أمر سهل هذه الأيام في ظل نظام دولي متشابك ومترابط ماليا وتكنولوجيا واقتصاديا. وللعلم فإن كثيرا من قادة طالبان ما زالوا على قوائم العقوبات ولم ترفع أسماؤهم بعد عنها. أفغانستان بحاجة إلى مليارات الدولارات لإعادة الإعمار بعد أكثر من أربعين سنة من الحروب. وقد حذر مجلس الأمن الدولي في بيان رئاسي أن التفاوض من أجل التوصل إلى حل توافقي سلمي يوقف المعارك الحالية ويبعد شبح الحرب الأهلية ويعطي فرصة للتوصل إلى حل شامل، هو الضمان الوحيد لبقاء المجتمع الدولي منخرطا في الشأن الأفغاني. ونعتقد أن هذه هي مصلحة عليا للشعب الأفغاني أولا ولحركة طالبان ثانيا.
إن ما تحتاجه أفغانستان الآن تكثيف الجهود لإنجاح مفاوضات الدوحة ووقف القتال وحماية الشعب الأفغاني ومنحه الأمل في مستقبل أفضل بعد سنوات من الصراع المرير.