حزب الله سيرد على الهجمات التي نفذتها إسرائيل في سوريا ولبنان. هذا هو التقدير الواضح لجهاز الأمن كما تم إبلاغه للمستوى السياسي أمس. التأهب العالي في الجيش الإسرائيلي يستمر وخاصة على الحدود مع سوريا ولبنان، لكن أيضاً يستمر الحفاظ على التأهب على حدود القطاع خوفاً من تصعيد آخر هناك.
تحملت إسرائيل المسؤولية عن الهجوم في سوريا، السبت، الذي قتل فيه مقاتلون من حزب الله، أعضاء خلية قادها حرس الثورة الإيراني الذي كان سينفذ هجوماً بواسطة طائرات مسيرة مفخخة في هضبة الجولان. بعد بضع ساعات تم تشغيل طائرة مسيرة أيضاً ضد مكتب لحزب الله في الضاحية، الحي الشيعي في جنوب بيروت. لم تتحمل إسرائيل المسؤولية عن ذلك، لكن حسن نصر الله اتهمها بتنفيذ الهجوم في خطابه الذي ألقاه مساء أول أمس. وقد هدد نصر الله بشكل صريح بالرد بهجوم على طول الحدود ضد جنود الجيش الإسرائيلي.
الإدراك السائد في إسرائيل هو أن نصر الله سيفي بوعده. حزب الله حدد أيضاً في خطابات لنصر الله في الأشهر الأخيرة خطوطه الحمراء في المعركة بين الحربين مع إسرائيل. وصرح حزب الله بأنه سيرد على المس بمقاتليه في سوريا وعلى محاولة مهاجمته في لبنان. وكرر نصر الله هذه الأمور بشكل مؤكد، لأن هذه هي مقاربته التي يلتزم بها بشكل علني بسبب التهديد الصريح الذي وجهه.
إن مسار التطورات متعلق بشكل كبير بنتائج رد حزب الله. في حملة تصعيد سابقة بين الطرفين في كانون الثاني 2015 اختارت إسرائيل “احتواء الوضع” بعد أن قتل حزب الله ضابطاً وجندياً في جبل الشيخ، رداً على قتل سبعة نشطاء لبنانيين وإيرانيين في عملية نسبت إلى إسرائيل في هضبة الجولان السورية. إذا تسبب رد حزب الله بإصابات كثيرة فسترد إسرائيل بعملية. بكلمات أخرى، النتائج التكتيكية يمكن أن تملي سير الأمور على الصعيد الاستراتيجي.
أثناء خطاب نصر الله في بيروت، وردت تقارير عن هجوم آخر نسب إلى إسرائيل على الحدود بين سوريا والعراق. تسعة مقاتلين من المليشيات الشيعية وكتائب حزب الله العراقية (نوع من الحركة الشقيقة لحزب الله في لبنان) قتلوا في قصف بطائرات مسيرة في الجانب العراقي على المعبر الحدودي. وفجر أمس، بعد بضع ساعات من تهديد نصر الله لإسرائيل وتحديد خطوطه الحمراء، جاءت تقارير حول هجوم آخر استثنائي في لبنان. هذه المرة، حسب ما نشر هناك، قصفت طائرات مسيرة إسرائيلية قاعدة لمنظمة فلسطينية منسية (الجبهة الشعبية – القيادة العامة)، التي أسسها أحمد جبريل في البقاع في لبنان. وشكلت منظمة جبريل في السابق بالنسبة لإيران وحزب الله فرعاً تنفيذياً للعمليات التي لم يكونوا معنيين بتحمل المسؤولية المباشرة عنها، وربما تكون خلفية الحادثة متشابهة هذه المرة أيضاً.
رئيس لبنان، ميشيل عون، وصف أمس هجمات الطائرات المسيرة بـ “إعلان حرب إسرائيلية”. في المقابل، نشر رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، أمس، إعلاناً اتهم فيه إيران بأنها “تعمل في جبهة واسعة من أجل تنفيذ هجمات إرهابية قاتلة ضد دولة إسرائيل”. نتنياهو، بما يمكن أن يفهم كطلب للمساعدة، توجه إلى المجتمع الدولي من أجل “العمل على الفور لجعل إيران توقف هذه الهجمات”.
وحسب الهجمات الأخيرة التي نسبت إلى إسرائيل، يبدو أنها تشير إلى إيران وحزب الله عن سياسة جديدة عدائية أكثر. إلى هذه الأمور تضاف الهجمات المباشرة من رئيس الأركان كوخافي ووزير خارجية إسرائيل كاتس ضد الجنرال قاسم سليماني، قائد قوة “القدس” في حرس الثورة الإيراني. كوخافي اتهم سليماني بشكل مباشر بالمسؤولية عن تخطيط عمليات الطائرات المسيرة في هضبة الجولان. وكاتس اعتبر سليماني هدفاً رئيسياً لعمليات إسرائيلية.
بين السياسي والأمني
المواجهة الحالية بين إيران وإسرائيل تستمر خلال معظم سنوات العقد الحالي. في بداية الحرب الأهلية في سوريا، تركزت الهجمات المنسوبة لإسرائيل على قوافل السلاح الإيرانية التي مرت في الأراضي السورية في طريقها إلى حزب الله في لبنان. منذ كانون الأول 2017 حدث تغيير، وعدد من الهجمات كان موجهاً لمحاولة تمركز إيران العسكري في سوريا – أنظمة السلاح التي نشرتها إيران وقواعد المليشيات الشيعية التابعة لها.
في الشهر الماضي، حسب ما نشر في مصادر أجنبية، حدث تغيير آخر في السياسات: إسرائيل بدأت بمهاجمة أهداف إيرانية في الأراضي العراقية (رغم أن عدداً من النشاطات التي نسبت إليها كانت بالخطأ وأدت إلى انفجار قذائف في مخازن سلاح للمليشيات).
بكلمات أخرى، وسعت إسرائيل حدود المعركة ضد إيران، وطهران حاولت الرد بهجوم، وهذا إحباط يضع الطرفين على عتبة دائرة دموية متزايدة. وهذا الأمر يطرح سؤالاً: ما هو سبب تغيير السياسة الإسرائيلية، وهل ثمة ما يبرر ذلك؟
للمعارضة في إسرائيل نوعان من الردود العكسية حين تقرر الحكومة تصعيد خطواتها العسكرية. حزب “أزرق أبيض”، الذي كان ثلاثة من قادته الأربعة رؤساء أركان سابقين، ينتقل إلى صمت متوتر، وطني، ويؤدي التحية للجيش، في يواصل إمطار نتنياهو بالنار بسبب سياسة ضبط النفس له في غزة. رئيس الحكومة تعرض مرة أخرى لهجوم أول أمس على خلفية إطلاق صافرات الإنذار في أعقاب إطلاق الصواريخ على سدروت أثناء مهرجان. أصوات أخرى في الشبكات الاجتماعية، اتهمت الليكود بمؤامرة سياسية التي يتم في إطارها إشعال الحدود بهدف تغيير جدول الأعمال في الحملة الانتخابية وإملاء نقاش أمني، يخدم نتنياهو كما يبدو.
هذه الادعاءات سمعت أيضاً في السابق على خلفية الحدث نفسه الذي ذكر في كانون الثاني 2015 والذي حدث عشية الانتخابات. في حينه تبين أنها كاذبة.. فنتنياهو ضبط نفسه ولم يدهور الوضع إلى مواجهة مع إيران وحزب الله. لقد تصرف رئيس الحكومة بصورة عامة بشكل حذر وبمسؤولية في توجيه الخطوات في الشمال خشية من التدهور نحو حرب.
السؤال المطروح الآن هو: هل تغير شيء ما في اعتبارات نتنياهو إزاء وضعه المضغوط في الاستطلاعات، والحاجة إلى اجتياز نسبة الـ 61 مقعداً بدون ليبرمان من أجل تشكيل الحكومة القادمة ووقف الإجراءات القانونية الآخذة في التبلور ضده.
في إسرائيل السياسي دائماً مختلط بالأمني ويصعب الفصل بينهما. قد يبدو الاعتبار الرئيسي لنتنياهو اعتباراً أمنياً: إسرائيل تلاحظ وجود إجراءات إيرانية متزايدة لبناء قوة عسكرية على حدودها، وشن هجمات ضدها. حسب المنسوب إليها، هي تعمل من أجل إحباطها حتى في عمق أراضي العراق وأراضي لبنان.
بهذا الشأن، وباستثناء ضعف المعارضة وغياب إشراف خارجي للجنة الخارجية والأمن في الفترة بين الحملتين الانتخابيتين، تجدر الإشارة إلى ضعف الكابنت. إن نتنياهو ووزير الدفاع، وفي الكابنت، لا يوجد وزراء ذوو تجربة مثل إيهود باراك وبوغي يعلون وافيغدور ليبرمان، الذين يمكنهم تحديه كما في السابق. وكما سبق وأشار مراسل “هآرتس”، حاييم لفنسون، فإن الكابنت الحقيقي الآن يتشكل من المستشارين المقربين من رئيس الحكومة (سفير إسرائيل في الولايات المتحدة رون ديرمر، ورئيس الموساد يوسي كوهين، ورئيس مجلس الأمن القومي مئير بن شبات، وبدرجة أقل رئيس الأركان كوخافي). وتبدو السيطرة هناك لخط صقوري يناسب مقاربة نتنياهو.
وفي الصورة، ثمة تطورات تقف بين الولايات المتحدة وإيران. في البداية وصل وزير خارجية إيران محمد جواد ظريف بشكل مفاجئ إلى بياريتس، حيث يعقد هناك لقاء لزعماء الدول العظمى السبع. لقد صرح رئيس فرنسا ماكرون، أمس، بأمله من نشوء ظروف لعقد قمة بين رئيسي الولايات المتحدة وإيران في الأسابيع القريبة القادمة. لكن ثمة شكوك بأن نتنياهو، المعني بتعزيز الضغط الأمريكي على إيران، يعتبر ذلك بشرى جيدة.
يجب شكر آيزنكوت
رئيس الأركان كوخافي تحول مؤخراً إلى عزيز اليمين. الشبكات الاجتماعية تثني عليه وتمدحه. الحماسة التي بدأت بقرار ترقية عزيز هذا القطاع، العميد عوفر فنتر، ازدادت على خلفية الهجمات الأخيرة في الشمال. وقد رافق هذا المديح أكثر من مرة صدى الهجمات المتكررة على من سبق كوخافي، غادي آيزنكوت، الذي أنهى ولايته في كانون الثاني الماضي.
ولكن الآن بالضبط، حيث المواجهة مع حزب الله تتصاعد، فمن الجدير ذكره بأن إسرائيل مدينة بشكر رئيس الأركان السابق بسبب تصميمه على أن ينفذ في كانون الأول الماضي عملية “درع الشمال”. في هذه العملية كشف الجيش الإسرائيلي ودمر ستة أنفاق هجومية حفرها حزب الله تحت الحدود مع لبنان داخل الأراضي الإسرائيلية. وفي الوقت الذي يسخن فيه الشمال مرة أخرى، فمن الجيد أن إمكانية إدخال مئات مقاتلي الكوماندو بصورة مفاجئة إلى منطقة الجليل، تم سحبها من حزب الله. وهذا لم يكن ليحدث لو لم يدفع بذلك آيزنكوت بدعم من نتنياهو.
بقلم: عاموس هرئيل
هآرتس 27/8/2019