الأمين العام المساعد للاتحاد العام التونسي للشغل سمير الشفي: إغلاق السلطة لباب الحوار الاجتماعي والمفاوضة يعني أنها تغتال ببطء العمل النقابي

حاورته: روعة قاسم
حجم الخط
0

يعد الاتحاد العام التونسي للشغل من أهم المنظمات الوطنية في تونس والتي لعبت أدوارا هامة ومفصلية على مدى تاريخ البلاد وساهم في معركة التحرر من الاستعمار الفرنسي وفي بناء الدولة الحديثة. وكان الاتحاد أيضا من الرباعي الذي حصل على جائزة نوبل للسلام بسبب دوره في تفادي انزلاق البلاد إلى الفوضى. واليوم تشهد العلاقة بين الاتحاد والسلطة الحاكمة تأزما حادا بعد غلق باب الحوار في الجانبين. في هذا الحديث الخاص لـ«القدس العربي» يتحدث الأمين العام المساعد للاتحاد العام التونسي للشغل سمير الشفي عن الأزمة الراهنة وأهم الاستحقاقات القائمة أمام الاتحاد والوضع في البلاد في خضم تهديد العمل النقابي وما إلى ذلك مما اعتبر مسّا بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية. وفي ما يأتي نص الحوار.
○ لماذا تأزمت العلاقة بين الاتحاد العام التونسي للشغل والسلطة الحاكمة؟
• أعتقد انه قبل التطرق إلى أسباب تأزم العلاقة بين الاتحاد العام التونسي للشغل والسلطة الراهنة لا بد من استعراض أهم المحطات التي مرّت بها العلاقة بين السلطة الحاكمة والاتحاد العام التونسي للشغل وذلك لفهم الأزمة الراهنة وطبيعتها ومسبباتها. وللإشارة فهي ليست أول أزمة بين الطرفين، بل على مدى تاريخ الاتحاد شهدت العلاقة دائما بينه والسلط المتعاقبة محطات فارقة من الصدام والتوتر والصراع منذ الاستقلال وحتى اليوم. فدور الاتحاد كان يتمحور دوما حول الدفاع عن حقوق الشعب التونسي ككل وليس العمال والمنخرطين فحسب، وهذا جعله في مقدمة أي صدام مع السلط. وهنا يجب أن نتوقف ولو قليلا على دور الاتحاد العام التونسي للشغل الوطني والاجتماعي حتى نتبين أوجه الالتقاء والتعارض ما بين منظمتنا العتيدة والنظم التي تعاقبت على تونس.
أولا الاتحاد كمنظمة وطنية ساهم مساهمة فعالة ورئيسية في تحرير وطننا الغالي من الاستعمار المباشر وقدمنا ضريبة الدم من أجل هذا الهدف. وكان الاتحاد وقياداته التاريخيةـ وعلى رأسهم الشهيد خالد الذكر مؤسس الاتحاد وأمينه العام فرحات حشاد، الذي كان الملهم والمنظم والمجمّع والموحد للحركة الوطنية في مواجهة الاستعمار الفرنسي- قد دفع ضريبة الدم نتيجة لهذا الدور التاريخي. بطبيعة الحال الاتحاد لم يتوقف عن لعب هذا الدور المركزي والمحوري في علاقة خلاقة ومبدعة ميّزت الحركة النقابية التونسية عن سائر الحركات النقابية تقريبا في العالم من خلال الربط الخلاق ما بين البعدين الاجتماعي والوطني. هذا الترابط والتلازم بين البعدين الوطني والسياسي أدى إلى توسيع القاعدة الجماهيرية للاتحاد التي تجاوزت منظوريه والشغالين لتشمل كل الشرائح الاجتماعية في هذا الوطن طوال فترة التأسيس وما بعد خروج المستعمر. ونتيجة لهذا الفعل والدور التاريخي الذي قام به الاتحاد سكن في عقول وقلوب الناس نظرا للمكانة التي حظي بها. هذا الفعل التراكمي عبر التاريخ أدى إلى تناقضات ما بين هذه الرؤية والمقاربة والتموقع التاريخي والاجتماعي والاقتصادي والوطني والعربي والدولي، وبين سياسات الأنظمة والحكومات التي كانت قائمة. ومن أولى هذه المعارك الرئيسية ما حصل سنة 1965 عندما وقف الاتحاد موقفا جريئا وصلبا وواضحا رفضا لتحميل الأجراء وعموم شعبنا الأزمة الاقتصادية التي تردّت فيها البلاد آنذاك من خلال إجراءات قاسية مسّت القدرة الشرائية للمواطنين. ولعل من أبرز تلك العلامات هو القرار بتخفيض قيمة الدينار بالمقارنة مع العملات الأجنبية، وهو ما يؤدي بالضرورة إلى انعكاسات مباشرة على مستوى القدرة الشرائية والحقوق الاقتصادية والاجتماعية للشغالين. وهذا الإجراء ترافق مباشرة بعيد قرار مؤتمر الحزب الدستوري الحاكم آنذاك في فترة الزعيم بورقيبة بتحويل كل المنظمات الوطنية إلى خلايا تابعة للحزب الحاكم. وهو ما رفضه الاتحاد العام التونسي للشغل بصراحة وجرأة وشجاعة. وكانت تلك المحطة، الأزمة الأولى الكبيرة، فعندئذ وقع التعسف على قيادة الاتحاد والتي كان الزعيم الوطني والمرحوم الحبيب عاشور في دفة قيادته كأمين عام للمنظمة. فلفقت له التهم والملفات الكيدية وزجّ به في السجن ووقع تنصيب قيادة لا علاقة لها بالعمل النقابي. منذ ذلك التاريخ بدأت العلاقة تتراوح بين الالتقاء، والصراع والتوتر، وكان العنوان الرئيسي والأبرز لهذا الصراع هو مسألة استقلالية الاتحاد في قراراته الداخلية وفي علاقة بموقعه وبالمربعات التي يتحرك من خلالها. ولعل العالم بأسره يعلم بأحداث 26 كانون الثاني/يناير سنة 1978 عندما شنّ الاتحاد إضرابا عاما لأول مرة في مرحلة ما بعد الاستقلال وأدى الصدام إلى سقوط المئات من الشهداء والجرحى وآلاف المعتقلين وزجّ بقيادة الاتحاد برمتها في السجون. طبعا هذا الوضع أدى إلى أزمة غير مسبوقة لدى الحكم آنذاك وإلى تفجر صراعات على مستوى الحركة الطلابية والتلمذية وترجمت إلى ما حصل في مدينة قفصة من عمل مسلح ضد السلطة القائمة. هنا تداركت السلطة النظر في الأسلوب القمعي للتعامل مع الاتحاد بطريقة أخرى أكثر عقلانية عبر إطلاق سراح القيادات النقابية والتأسيس لمؤتمر جديد يُصار فيه عودة الاتحاد بهياكله الشرعية. ومنذ ذلك التاريخ تتالت الأزمات والتقاطعات والتوافقات وهذا قدر منظمتنا.
ما ذكرته يدخل في سياق دور الاتحاد القائم أساسا على معارضة أي سلطة عندما يتعلق الأمر بالمساس بالحقوق المدنية والاقتصادية للمواطنين، هنا إلى أي مدى الأزمة الجديدة مع السلطة الراهنة نابعة أساسا من موقف السلطة الرافض لكل الأجسام الوسيطة في المجتمع بما في ذلك النقابات والجمعيات والأحزاب؟
نعم المنظمات المستقلة لا يمكن أن تكون جزءا من الحكم، وعلى الحكم أن يقبل بأن هناك منظمات مجتمع مدني قوية ومستقلة تقوم بوظيفتها وبدورها المنصوص عليه في القوانين الأساسية، سواء تعلق الأمر بالاتحاد في علاقة ببعده الاجتماعي والحقوقي وبأبعاده المختلفة وكذلك المنظمات الأخرى الحقوقية كالرابطة التونسية للدفاع عن الحقوق والحريات وهيئة المحامين واتحاد المرأة. ومن هنا من مصلحة تونس في إطار تجذير الوعي الوطني والمدني وترسيخ القيم المدنية والديمقراطية، لا بد لأي سلطة أن تكون لها سلطة مضادة بأدوات مدنية يكفلها القانون والدستور. ولكن للأسف الشديد هذه الأنظمة تاريخيا وعلى مستوى منطقتنا العربية لم تستوعب هذه الحقائق التي أصبحت من المسلمات في الفكر السياسي والبرامج الديمقراطية.
ما بعد ثورة الحرية والكرامة كان الاتحاد له الدور الرئيسي في الانحياز لمطالب تونس وشبابها والفئات الشعبية المسحوقة في ضرورة إحداث تغيير جذري واستراتيجية في علاقة الدولة بأبنائها ونسائها وشبابها والعاطلين منهم. وطرحت قضية تغيير المنوال التنموي والتشغيل لمعالجة البطالة التي تفاقمت وكان دور الاتحاد محددا في القطع مع مرحلة وبناء مرحلة جديدة. لكن للأسف الشديد تلك التجاذبات والتدخلات الخارجية والصراعات الحزبية والمال الفاسد أحبط هذه التجربة التي كانت واعدة وشعر الشعب التونسي بإحباط تلو الإحباط. وهو ما أدى إلى نوع من اليأس من التجربة الديمقراطية وأدى إلى نظرة سلبية للمكونات السياسية والأجسام الوسيطة من أحزاب وجمعيات ومنظمات. هذا الانطباع لم يكن بمعزل عن الحملات اليومية والقصف الإعلامي عبر مختلف الوسائط من شبكات ومنابر إعلامية لترذيل الأحزاب التي تتراشق بالتهم فيما بينها في علاقة بالتخابر والفساد والمحسوبية واقتسام الغنيمة. وهذا خلق رد فعل عنيف من عموم شعبنا وحتى نخبه بأن هذه التجربة بلغت منتهاها ولا بد من إعادة النظر فيها مطلقا، فكان تحرك 25 تموز/يوليو الذي لقي المناخ مهيئا للانقضاض على هذه التجربة. وكان الانطباع الأولي لدى مجمل التونسيين بأنها فرصة جديدة للإصلاح ولتصويب الأوضاع فيما يحقق تطلعاتهم في بناء الدولة المدنية القادرة والعادلة والمنصفة وتصحيح الأخطاء. ولكن للأسف الشديد يبدو أن التمشي ذهب إلى أبعد من هذه الانتظارات التي كانت سائدة لدى الرأي العام التونسي. وبدأنا نشهد مرحلة لتأسيس نموذج آخر قائم على تأصيل هذا القطع النهائي مع الأجسام الوسيطة من منظمات وجمعيات وأحزاب بمجملها وفي مناخات تكثفت فيها عملية التشويه والتراشق بفساد المنظمات بغثها وسمينها.
كل ذلك أدى إلى ما نحن بصدد التفاعل والتعامل معه اليوم من خلال قطيعة تكاد تكون كلية أفقيا وعاموديا ما بين الدولة بمؤسساتها والمجتمع المدني من جهة أخرى. لا يمكن أن نتعامل مع المجتمع المدني بالمنطق الكلياني الشعبوي، بل يجب أن نتعامل معه بتعبيراته المدنية الذي تمثله الجمعيات والمنظمات والنخب والمنابر والأحزاب الوطنية، وهذا الكل تقريبا يكاد ينتهي على مستوى الفعل الواقعي. صحيح على المستوى القانوني لم يقع المساس بقانون الأحزاب وبشكل مباشر بقوانين الجمعيات والمنظمات وغيرها ولكن على المستوى العملي وقع تغييب هذه القوى الحيّة التي تعبر عن التنوع في هذا المجتمع وفي تطلعاته وتصوراته وآلامه.
○ هنا ربما لعب المرسوم 54 دورا في تهميش هذه الأجسام وفي التضييق على الحريات فكيف ترى ذلك؟
• صحيح شاهدنا تضييقات على مستوى حرية الإعلام بسبب المرسوم سيء الذكر عدد 54 بشهادة السلطة نفسها. وأدى إلى إيقاف أكثر من ألفين من بين الذي طالتهم قضايا طبقا لهذا المرسوم. وبطبيعة الحال هذا الوضع خلف حالة من الخوف لدى النخب والصحافيين والإعلاميين والشباب باعتبار أنه حصلت تجاوزات وحصل استعمال مفرط في غير موضعه لهذا المرسوم. وزجّ بالعشرات ان لم نقل بالمئات من الشباب والنخب والمثقفين وغيرهم في السجن للاقتصاص منهم. وانسحب ذلك على الاتحاد العام التونسي للشغل في علاقة بدوره الاجتماعي وبدوه الوطني والمربع الذي احتله وتمكن منه عبر عقود من الزمن وهو أن يكون المدافع عن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للتونسيين في علاقة بقوتهم واستقرارهم المهني وبمستقبل أبنائهم وبمسألة التشغيل. وفي علاقة أيضا برؤية الاتحاد لجملة الحقوق الأساسية التي نؤمن بها لا فقط على المستوى الاقتصادي والاجتماعي بل أبعد من ذلك في علاقة بالحرية والديمقراطية وحق التعبير وبمسألة تموقع الدولة كجهاز وإدارة للاستجابة لتطلعات الناس وخدمتهم.
○ يعني هذا من أهم أسباب تعمق الأزمة مع السلطة إضافة إلى مسألة تجميد وإنهاء التفاوض الاجتماعي؟
• يعيش النقابيون تضييقا على العمل النقابي، حيث شهدنا عددا من الايقافات والنقل في وزارة الشؤون الدينية ووزارة الثقافة وعشرات النقل التعسفية وعمليات العزل الاعتباطية لمجرد أن المستهدف نقابي أو عبّر عن موقف في الفضاء الاجتماعي فيقع عزله. ورأينا ذلك في المحاكمات التي حصلت على مستوى جامعة النقل. وهذا خلق مناخا من التوتر ونوعا من الضغط على المنظمة. وبالتأكيد كانت العلاقة تتباعد شيئا فشيئا ما بين السلطة والاتحاد إلى أن وصلنا إلى مرحلة قطع الحوار الاجتماعي. فالسلطة عندما تغلق باب الحوار الاجتماعي والمفاوضة يعني أنها تقوم بعملية اغتيال بطيء للعمل النقابي. والاستهداف النقابي هو مخالفة صريحة للدستور الذي يضمن حرية العمل النقابي وحق الإضراب المضمون. وهناك الفصول التي تتحدث عن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، يضاف إلى ذلك الاتفاقيات الدولية التي تأتي في المنزلة ما تحت الدستور مباشرة والتي أمضت عليها الدولة التونسية منذ ما بعد الاستقلال مرورا إلى ما بعد الثورة. وانتهى بنا المطاف تقريبا إلى انسداد كل أبواب الحوار الاجتماعي المبني على التوازن وعلى الاحترام ما بين قوى الإنتاج الثلاث الحكومة وممثلي العمال وأرباب العمل. ووصلنا في آخر المطاف إلى تنقيحات تمسّ حقيقة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية بنص القانون الناظم للمجلس الوطني للحوار الاجتماعي. هذا الإطار الذي تأسس بعيد الثورة وانبعث بنص قانون سنة 2017 وتأسس بموجبه هذا المجلس الوطني الذي يمثل الحكومة وممثلي أرباب العمل والاتحاد العام التونسي للشغل. وينص القانون بأن كل مشاريع القوانين التي تتعلق بالشأن الاجتماعي أي العمال لا بد حتما ووجوبا ان تمرّ عبر مجلس الوطني للحوار الاجتماعي لإبداء رأيه قبل تحويلها إلى البرلمان، لكن للأسف وقع تجميد هذا المجلس الوطني.
○ من هنا لو توضحون مسألة عدم الاستماع إلى رأي الاتحاد في تنقيحات قانون الشغل فيما يتعلق بمنع المناولة والتشغيل الهشّ؟
• فيما يتعلق بمشروع القانون الذي تقدمت به الحكومة في علاقة بإلغاء المناولة لم تتم استشارة الاتحاد. وهنا للتاريخ وحتى نكون أمناء مع أنفسنا، نقول بأن إلغاء المناولة كان مطلبا ناضل من أجله الاتحاد منذ سنوات عديدة قبل الثورة وأثناء الثورة وبعدها. تمكن الاتحاد بعيد الثورة مباشرة من إبرام اتفاق بتاريخ 22 نيسان/ابريل 2011 مع الحكومة آنذاك وأنهى بموجبه السمسرة باليد العاملة وهو التعبير الأدق. لأن هناك فرقا بين هذا وذاك، فتم إلغاء السمسرة في الوظيفة العمومية والمنشآت العمومية عبر ادماج أكثر من 80 ألف عامل وعاملة في هذه المؤسسات المشغلة لهم بصيغ غير قانونية دون أي حقوق وأجور لائقة تضمن لهم الحد الأدنى من الكرامة. هذا المشروع مع صياغة قوانين تنحاز إلى الحق وتنصف العمال وتقطع مع استغلال واستعباد العمال بتلك الطريقة التي تذكرنا بقيم وأشكال العبودية في الفترة الاقطاعية ولكن لم تقع استشارتنا فيما يتعلق بقانون إلغاء المناولة. هذا الإجراء خطير، لأنه قانون يمسّ آلاف وعشرات الآلاف من العمال والأجراء ومنخرطي الاتحاد ولا يقع استشارة الاتحاد. ولكن في نهاية المطاف كان لا بد لنا أن نستغرب من هذا الإقصاء الذي لا يفهم إلا بكونه اقصاء سياسيا لتهميش الاتحاد والنتيجة خرج القانون وواجه مطبات عديدة. فلو كانت هناك مشاركة وتشاركية مع الاتحاد لكنا تجاوزنا عديد المطبات التي سنجدها في صعوبة إصدار النصوص الترتيبية لترجمة هذا القانون على أرض الواقع. بالمقابل هناك إيجابيات في هذا القانون على غرار إلغاء العقود المحددة بمدة إلا في حالات استثنائية وفقا لشروط معينة. لكن هذا القانون وقع فيه خلط بين المناولة وشركات إسداء الخدمات، وهذا خلط خطير سيؤدي إلى ضرب النسيج الاقتصادي والمؤسساتي للشركات التي تقوم بدور مهم على المستوى الاجتماعي والاقتصادي. لكن هذه الشركات لا بد أيضا أن تنظم ويقع ادخال إصلاحات في علاقة بضرورة احترام هذا الإجراء الذي وقع اتخاذه في القانون الجديد، أي أن تلغى العقود المحددة وتعوض بعقود غير محددة المدة. ولا بد ان يقع التنصيص في حوار اجتماعي تشارك فيه الأطراف على اتفاقية قطاعية لهذه الشركات المؤدية للخدمات لضمان التغطية الاجتماعية والصحية والأجور والتفاوض وفقا لمعايير منظمة العمل الدولية. بهذه الطريقة نكون قد أنهينا مسألة السمسرة باليد العاملة وعديد الشركات التي تسمسر باليد العاملة. وتجدر الإشارة إلى أن عملية التعميم فيها قدر كبير من الخطأ، باعتبار ان هناك عديد شركات إسداء الخدمات التي تقوم بدور استراتيجي في المسألة التنموية خاصة في علاقة بالشركات ذات البعد الفني والتكنولوجي والصناعي.
ونحن في الاتحاد بعد إمضاء اتفاق 15 أيلول/سبتمبر 2022 الذي بموجبه وقع تعديل الأجور في قطاع الوظيفة العمومية والمنشآت والمؤسسات العمومية، راسلنا الحكومات عبر مراسلة أولى وثانية لضرورة عقد اجتماع ما بين المكتب التنفيذي والحكومة ولكن لا استجابة. ومعنى ذلك أن هناك قرارا بالقطع مع الاتحاد وعدم احترام مبدأ أساسي من المبادئ التي نصّ عليها القانون الذي أمضت عليه بلادنا سواء في مجلة الشغل أو في الاتفاقيات الدولية أو في الدستور وهو مبدأ المفاوضة الجماعية. وبطبيعة الحال كان ذلك مصدرا من مصادر التوتر. ومن هنا لا بد من الإشارة إلى أن الاتحاد العام التونسي للشغل الذي كان حريصا على أن تكون العلاقة بينه وبين أي سلطة قائمة على الاحترام المتبادل واحترام القوانين الناظمة لهذه العلاقة واحترام الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، لكن للأسف الشديد قوبل هذا السعي والحرص للحوار الاجتماعي بغلق كل الأبواب وآخر ما صدر هو قرار لم تعرفه تونس منذ الاستقلال تقريبا، أي قرار تقدم به وزير الشؤون الاجتماعية وأنهى به كل الجلسات الصلحية ما بين الاتحاد ووزارات الشؤون الاجتماعية وإدارتها ذات العلاقة بالتصالح أي التفقدية العامة للتصالح على المستوى المركزي والتفقديات الجهوية للتصالح على المستوى الجهوي، وصدرت المذكرات بعدم الجلوس مع الطرف النقابي. وللتذكير فقط هذه الجلسات دورها صلحي من أجل إيجاد حلول ما بين العمال وأصحاب المؤسسات سواء في القطاع الخاص أو الوظيفة العمومية والقطاع العمومي.
○ لو توضحون مسألة إلغاء التفرغ النقابي والتي أثارت أيضا أزمة بين الاتحاد والسلطة؟
• قرار المذكرة التي تقدمت بها رئاسة الحكومة منذ أيام والقاضي بإنهاء كل التفرغات النقابية هو قرار لا أثر له في الواقع، على اعتبار وانه منذ أربع سنوات لم يعد هناك عدد يذكر من النقابيين الموضوعين على ذمة الاتحاد، فالعدد ينحصر في أربعة مسؤولين. قبل الثورة التفرغات كانت تهمّ كل المنظمات الوطنية والحزب الحاكم ومجلس نواب الشعب وحتى شخصيات وطنية وفنية وكانوا بالآلاف. ولكن بعد الثورة لم يقع منح أي مسؤول نقابي تفرغات جديدة إلى أن بدأ العدد يتقلص تدريجيا وأصبح في حدود أربعة مسؤولين نقابيين سنة 2025 منهم إثنان سيغادران ويحالان على شرف المهنة بعد بضعة أسابيع، يعني هي عملية سياسية أكثر منها مسألة إجرائية. لا أثر لها والأثر الوحيد هو مزيد تعميق حالة التوتر على مستوى العلاقة بين السلطة والاتحاد ومزيد توجيه رسالة إلى الرأي العام بأن الحكومة تقوم بدورها من أجل الحفاظ على المال العام. وكأن النقابيين الذين وُضعوا في حالة تفرغ نقابي كأنهم يعملون لشؤونهم الخاصة، وكأن التفرغ من أجل خدمة بلادنا في بعده الاجتماعي هو عمل للحساب الخاص وليس لحساب المصلحة العامة.
○ وأيضا الحديث عن مسألة إلغاء الاقتطاع النقابي من أجور ورواتب الموظفين والعملة؟
• لم يصدر أي قرار في الشأن وإذا كانت هناك نية في الاتجاه هذا فسيكون بمثابة إعلان حرب على الاتحاد. وهو قرار سياسي لأن الدولة التونسية لم تعد تتحمل وجود نقابة مستقلة تدافع عن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للعمال. ومن ثم فإن هذا يمثل هروبا إلى الأمام سيؤدي بالضرورة إلى مزيد تعفين الأوضاع والاحتقان الاجتماعي والتوترات وإلى توديع الاستقرار في بلادنا وهذا طبعا، أي ذي عقل لا يمكن أن يقبل به أو أن يفكر في اتخاذ إجراءات من شأنها أن تعود بالمضرة فقط.
○ أين وصلت الخلافات الداخلية داخل الاتحاد وهل تم التوصل إلى حل نهائي لتجاوز الانقسامات الداخلية؟
• ان وجود آراء مختلفة وتباينات حادة ما بين مناضلي الاتحاد العام التونسي للشغل ومناضلاته سواء أكان على مستوى الهياكل الأساسية أو الوسطى أو القيادية، هو في تقديرنا الخاص مسألة طبيعية. لأن الاتحاد انبنى وتأسس على مبدأ أساسي وهو احترام الرأي والرأي الآخر واحترام التنوع ما بين مناضليه ومناضلاته والاحتكام إلى الآليات الديمقراطية في مؤسسات الاتحاد المنصوص عليها في النظام الداخلي. والاختلافات والخلافات إن وجدت ستظل كذلك ما بقي الاتحاد، لأن الاتحاد ليس تنظيما أوليغارشيا شموليا بقيادة حديدية. ونحن من أولئك الذين يؤمنون بأنه إن لم توجد معارضة نقابية داخلية في الاتحاد تحترم مؤسسات الاتحاد فنعتقد أنه من المفيد إيجادها باعتبار أن وجود الرأي والرأي الآخر في الاتحاد هو أكبر حصانة من الداخل ولأن تكون هناك آلية مستمرة ومستدامة للتقييم والنقد والتصحيح وبالتالي نحن نتعايش على وقع هذه التوازنات والمقاربات. صحيح في بعض الأحيان بلغت مستويات غير مقبولة من حيث الخلافات ولا بد أن تدار على المستوى الداخلي. ما ينشر خارج هذا الإطار ونشر الغسيل الداخلي خارج مؤسسات الاتحاد في تقديري الخاص غير مفيد لا للاتحاد كخيمة جامعة تحضن الرأي والرأي الآخر ولا مفيد للصورة الاعتبارية والرمزية في الخارج. وهذا سيؤدي إلى استغلال العمل النقابي وهذه الهفوات لأن الاتحاد ليس ملائكيا ومناضلوه يمكن أن يقوموا بأخطاء، فهذا عمل إنساني يحتمل الصواب والخطأ، ولكن نشر الغسيل خارج الاتحاد من شأنه أن يقع استخدامه من قبل الجهات المتربصة بالاتحاد والتي لا تؤمن بحق العمل النقابي وحرية العمل النقابي واستقلاليته.
○ ماهي الرسائل التي حملتها المسيرة الأخيرة للاتحاد يوم الخميس الماضي وأهدافها؟
• بطبيعة الحال هذه المسيرة دعت إليها الهيئة الإدارية الاستثنائية للاتحاد بعد الاعتداء الذي وقع عليه يوم 7 آب/أغسطس من قبل عشرات من المواطنين المنسوبين إلى أنصار السلطة وأنصار رئيس الجمهورية ورفعوا خلالها شعارات تطالب بضرورة تجميد الاتحاد وحله وما إلى ذلك من تلك الشعارات. وهي الشعارات نفسها تقريبا التي رفعها الاستعمار الفرنسي قبل عقود ومطلبه كان إنهاء الاتحاد. هل أن الذين طالبوا بحل الاتحاد وتجميده لديهم علم بأن الاستعمار كان له نفس المطلب وأنه حاول بقوة السلاح إلغاء الاتحاد؟
الاتحاد هو تاريخ بلادنا وجزء أساسي من تاريخها ولا يمكن لأي كان ومهما كان أن يتعدى على التاريخ. الشعارات التي رفعت في المسيرة وطنية نقابية تنادي بضرورة احترام الحق النقابي وحق التفاوض والدفاع عن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للتونسيين. وبضرورة تعديل الأجور بعد أن مست القدرة الشرائية للمواطنين نتيجة الارتفاعات غير المسبوقة لكل المواد الاستهلاكية. وندعو السلطة إلى أن تعيد النظر في سياستها إزاء الاتحاد وهذا هو الهدف من هذه المسيرة. والهدف الآخر هو أن الاتحاد قد يمر بظرف صعب ولكنه بناء وطني شامخ بني بدماء الشهداء ويمثل أحلام وآمال التونسيين ولا يمكن أن يقع غلق مقراته وإلغاء دوره لمجرد عبث البعض.
○ كيف ترى الحلول لخروج تونس من أزمتها الراهنة؟
• الحقيقة لا مخرج لأي بلد الا بالحوار المبني على الأسس الصلبة الثابتة الصادقة وأن ينخرط فيه كل الشركاء على قاعدة حقهم وواجبهم في ان يساهموا بمقترحاتهم وبآرائهم لإيجاد الحلول التي تحصن بلادنا من الاستهدافات الخارجية. فنحن لا نعيش في جزيرة معزولة، بل نحن جزء من المنطقة العربية التي تشهد استهدافا استعماريا كبيرا لإعادة قولبة المنطقة وصياغة خرائطها وولاءاتها. نحن في الاتحاد قدمنا العديد من المقترحات في علاقة بالبرامج والبدائل الاقتصادية والاجتماعية، ولم نتوقف عن تقديم البرامج والتصورات والمبادرات لأن ذلك هو قدرنا ودورنا ولن نحيد عنه مهما كانت الضغوط.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية