الأمين العام لحزب التكتل الديمقراطي التونسي د. خليل الزاوية: نشتغل مع الأحزاب التقدمية من أجل صياغة تصور جديد للعمل السياسي لاسترجاع ثقة المواطن

حاورته: روعة قاسم
حجم الخط
0

خليل الزاوية هو ناشط سياسي ونقابي تونسي ووزير سابق للشؤون الاجتماعية، وهو الأمين العام الحالي لحزب التكتل الديمقراطي من أجل العمل والحريات، وكان عضوا في الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان. تطرق في هذا الحديث لـ»القدس العربي» إلى المشهد العام في تونس في خضم التحديات والأزمات الراهنة. واعتبر أن تونس تشهد تصحرا للمشهد السياسي وافتقارا للنقاش السياسي حول أمّهات القضايا من الأزمات الاقتصادية والاجتماعية. وقال إن القرارات الأخيرة المتعلقة «بمحاكمة التآمر» ستكون لها تداعيات على الوضع في البلاد لأنها تخلق أجواء خانقة. وأكد على ضرورة التوافق على طيّ صفحة الماضي والمضي قدما في بناء تونس متسامحة. وقال إن الأسلوب الوسطي والمعتدل بات ضرورة للمجتمع ليصبح معتدلا ومتوازنا ومتسامحا بين مختلف مكوناته وأطيافه.
وفي ما يأتي نص الحوار.
○ ما رأيك بنتائج المحاكمات الأخيرة المثيرة للجدل التي طالت معارضين ورجال قانون ورجال أعمال وإعلاميين، وما تأثيرها على المناخ السياسي بوجه عام؟
• أن محاكمة ما يسمى بقضية التآمر لم يكن لها أي معيار من معايير المحاكمة العادلة والشفافة. فبغياب المتهمين وبغياب أية مواجهة بين المتهمين ومن بلغّوا عنهم، وبغياب أية مرافعة من المحامين، فإن القرارات القضائية تعتبر إدارية وليست محاكمة عادلة مثلما نصّت عليه جميع التشريعات في العالم. وبالنسبة لتونس تمثل انتكاسة كبرى لأنه منذ ثلاثين سنة على الأقل والديمقراطيون يدافعون عن المحاكمة العادلة واستقلالية القضاء وشفافية المرفق العدلي. وبعد الثورة شهدنا تقدما نوعا ما نحو الاستقلالية وتركيز سلطة قضائية مستقلة يتمّ إصلاحها تدريجيا. ولكن اليوم نعيش انتكاسة كبرى حيث لم يصبح للقضاء مجلس أعلى وانما التعيينات المتعلقة بالقضاة تكون بأوامر إدارية وليست بقرارات من المجلس الأعلى للقضاء. والآن لم يعد القضاء سلطة، بل بات وظيفة ككل الوظائف الإدارية تنطبق عليها التعليمات من سلطة الإشراف. بالتالي هذه المحاكمة لا ترتقي لمعايير المحاكمة العادلة والشفافة وتمثّل انتكاسة وتراجعا في المسار الديمقراطي في تونس.
الأحكام التي اصدرت في قضية التآمر فيها من الشطط الذي يفقد المعنى، يعني أحكام سجنية تصل إلى 66 سنة و43 سنة، وعديد المتهمين لا يعرفون بعضهم البعض. وبالتالي قواعد وأسس المؤامرة تفتقد لأية مصداقية. وهذه القرارات ستكون لها تداعيات على الوضع في تونس لأنها تخلق أجواء خانقة وتحاصر كل صوت معارض أو صوت ينتقد السلطة الحاكمة. وهذا يؤدي إلى عملية انغلاق تام للحكم الحالي بما لا يبشّر بالخير.
○ وكيف تؤثر تعقيدات المشهد السياسي والحقوقي على وضع الحريات في البلاد؟
• إن وضعية الحريات في تونس متأزمة حتى قبل هذه المحاكمة. فقد شهدت البلاد إيقافا للعديد من الوجوه السياسية والإعلامية والصحافية والمدونين الذين لا ذنب لهم سوى التعبير عن رأيهم بكل حرية، وكل ذلك بمقتضى الأمر 54 الذي مكّن السلطة من اتهام كل معارضيها بالمسّ باستقرار البلاد.
○ ما تأثير تغييب الأحزاب السياسية عن المشهد السياسي وعن المشاركة في الحكم؟
• المشهد السياسي اليوم هو مشهد متأزم فلا حياة سياسية في تونس، لأن المواطن عزف عن العمل السياسي والاهتمام بالشأن العام، وغُيّبت الأحزاب وكل عمل منظّم. كذلك تمّ تهميش الجمعيات والنقابات، بالتالي أي نقاش حول الشأن العام اليوم أصبح مفرغا من محتواه. والمجلس النيابي الذي تمّ انتخابه بنسبة 11 في المئة فقط لا يمثّل الشعب، وأصبح هذا المجلس فقط يصادق على مشاريع القوانين التي تعرضها الحكومة ولا يمثل سلطة تشريعية أو سلطة رقابية للحكومة أو السلطة التنفيذية. بالتالي اليوم نشهد تصحرا للمشهد السياسي وافتقارا للنقاش السياسي حول أمّهات القضايا من الأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي تعيشها البلاد، ناهيك عن الوضع السياسي ووضع الحريات بصفة عامة.
○ كيف تقيمون حصيلة مسار حزب التكتل وأبرز التحديات التي تواجه العمل الحزبي في تونس خاصة أن حزبكم من الأحزاب القليلة المتواجدة التي ما تزال تسعى لإثبات دورها ووجودها في مشهد بلا أحزاب أو مجتمع مدني؟
• حزب التكتل الديمقراطي من أجل العمل والحريات ناقش خلال مؤتمره الأخير عديد القضايا الراهنة وأجرى تقييما للمرحلة السابقة. وسوف يواصل هذا التقييم من أجل استخلاص الدروس من انتكاس المسار الديمقراطي والعودة لمنظومة أفقية ممثلة في حكم فردي للسلطة التنفيذية. يجب أن نستخلص الدروس من الأزمة ومن فشل كل المجتمع السياسي في بناء حوار سياسي مجتمعي يقنع المواطنين ويمكّن من التقدم بالبلاد، وخصوصا الفشل في ايجاد حلول للإشكاليات الاقتصادية والاجتماعية التي تعيشها البلاد من أزمة المالية العمومية وأزمة الصناديق الاجتماعية وأزمة البطالة المتفاقمة وأزمة الاستثمار في ظل تراجع الاستثمار العام والخاص، وكذلك أزمة المؤسسات العمومية التي تُعد في حالة إفلاس في جزء منها لا يستهان به. فمن الضروري اليوم أن نقيّم كل هذه الأزمات وأن نقيّم أداءنا مع المواطن ونبحث في كيفية إرجاع المواطن لدائرة الحوار السياسي والمجتمعي في انتظار أن يعود لصندوق الاقتراع. وبذلك يتحلى الاقتراع بالمصداقية ويمكّن من صعود سلطة لها مصداقية لدى الشعب وقادرة على تنفيذ برنامج فاعل للإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية وتقنع به المواطنين، ويمكّن كذلك من بناء دولة المواطنة ودول الديمقراطية والحرية ذات البعد الاجتماعي.
○ ما رمزية شعار مؤتمركم الأخير «أحرار لا رعايا» وما هي أبرز مخرجاته؟
• قمنا بالتحضير لمؤتمرنا منذ أكثر من سنة، وفي الحقيقة روح التوافق طغت على المؤتمر ومخرجاته وتمّ انتخاب القيادة المركزية. أما بالنسبة لشعار «أحرار لا رعايا» فهو شعارنا الذي استخدمناه سابقا. وبعد الثورة كنا نعتقد أن المواطنة نقطة أساسية وأننا تجاوزنا مسألة الحرية بعد أن حصلنا عليها. لكن اليوم عدنا إليها نظرا للوضع الحالي في البلاد. فالنقاش الأساسي اليوم في تونس هو كيف نعود إلى مسار ديمقراطي يضمن احترام الحريات مثل حرية التعبير والتنظيمّ واحترام المحاكمة العادلة واستقلالية القضاء والتوازن بين السلط ضمن دستور ديمقراطي يضمن كل هذا؟ وهذا مبدأنا الأساسي ونشتغل عليه مع أصدقائنا من باقي الأحزاب الذين يشاطروننا الرأي والرؤية نفسها.
○ في علاقة بالمبادرات السياسية المطروحة هل يمكن اليوم توحيد المعارضة لحلحلة الأزمة السياسية؟
• أولا يجب على الأطراف السياسية أن تعيد مراجعة طريقة عملها وشعاراتها وطريقة اقناعها للمواطنين، ونحن حاليا في نقاشات غير معلنة بين أعضاء الشبكة التونسية للحقوق والحريات والذي نحن كحزب تكتل أعضاء فيها مع باقي الأحزاب على غرار حزب العمال والحزب الاشتراكي وحزب القطب وحزب المسار الديمقراطي والتيار الديمقراطي وآخرين، ونحن نعمل لصياغة تصور جديد. ولكن يجب في المرحلة الأولى أن يقع نقاش بعد الرجّة الكبيرة في البلاد خاصة بعد الانتخابات الرئاسية وما تمخضت عنه من نتائج والمحاكمات السياسية وآخرها قضية المؤامرة. أما بالنسبة للمبادرات المطروحة، فهناك عديد الرؤى ولكن بالنسبة مثلا للحزب الدستوري الحر، أعتقد أن هناك مسافة بينه وبين باقي الطيف الديمقراطي. فالمسألة تتعلق بالاعتراف بثورة 2011. فنحن نعتبر أنه في سنة 2011 وقعت ثورة في البلاد ضد منظومة الفساد والديكتاتورية وأن دستور سنة 2014 ديمقراطي يتماشى مع أهداف الثورة. ولكن الحزب الدستوري بعيد عن هذه التصورات. واليوم ليس هدفنا أن نطلب من الحزب نقدا ذاتيا ولكن يجب أن تكون لديه قراءة أخرى. فبعد الثورة انقسم وُرثة التجمع وتكونت في مرحلة أولى المبادرة الدستورية بزعامة كمال مرجان وأقرّ حزبه بالأخطاء التي وقعت من فساد وديكتاتورية وأقرّ بالثورة واعتبرها مشروعة ولم يعتبرها مؤامرة. وقال إننا منخرطون في المسار الجديد، وشارك حزبه في انتخابات المجلس التأسيسي. وعلى هذا الأساس تمّ التعامل معه كحزب لديه أفكار واقتنع أن البلاد تغيرت وان ما كان واقعا سابقا لم يكن مقبولا. فالإشكال مع الدستوري الحر هو قراءته لما وقع في سنة 2011. لذلك أتمنى أن يقوم الحزب الدستوري الحر بخطوات وقراءة نقدية ومراجعات لأننا ضد سياسة الإقصاء.
○ ما أهمية أن يخرج الحزب بقراءة نقدية واقعية في ظل غياب الثقة بين المواطن والأحزاب، خاصة بعد تعثر تجربة الانتقال الديمقراطي وما شهدته من اختراقات وجمود وفشل المصالحة الوطنية؟ وكيف يمكن الخروج من دائرة الانقسامات والتناحر السياسي؟
• حزب التكتل يشتغل مع عديد الأحزاب التقدمية من أجل صياغة تصور جديد للعمل السياسي والحزبي وكذلك للعمل الجمعياتي لاسترجاع ثقة المواطن واهتمامه بالشأن العام والانخراط به والدفاع عن حقوقه ومكتسباته. وهذا يتطلب نزاهة في التقييم ونقدا ذاتيا لكل الأخطاء التي قمنا بها. كذلك ضروري أن تحصل المصالحة الوطنية التي لا تقوم بين الأطراف السياسية، بل تكون بالأساس بين المواطن والدولة. بالتالي يتمكن المواطن من الإحساس بأن الدولة ليست عدوا له أو قامعة له بل أن الدولة جعلت لتحميه وتخدمه وتوفر له العيش الكريم، وهذا لا يتوفر إلى حد الآن نظرا للأزمة التي تعيشها الدولة التونسية التي لم تتطور لتصبح قادرة على تجاوز منظومة الأمن بالقمع والردع، وتجاوز منظومة عدم تشريك المواطن في أخذ القرارات فيما يخص مستقبله الاقتصادي والاجتماعي.
○ في خضم هذه الأوضاع الصعبة، برأيك كيف يمكن استقطاب جيل جديد من الشباب يقبل على النشاط الحزبي؟
• في حزب التكتل نولي للشباب أهمية كبرى فلدينا منظمة شبابية تمّت إعادة هيكلتها وانتخاب قيادة جديدة لها من الشباب. فالصيغة الطاغية على المؤتمر الأخير هو الوجود الشبابي النسائي حيث جلّ القيادة أصبحت من النساء. كذلك في هياكل الحزب تمّ انتخاب37 في المئة من المسؤولين في القيادة العليا للحزب من النساء، وهذا يعتبر تحولا كبيرا بالنسبة لحزبنا الذي يعوّل على دور الشباب والنساء لتطوير مردوده وتطوير انتشاره في البلاد. فالعمل يجب أن يكون بهدوء وعلى المدى المتوسط والطويل من أجل استرجاع الجيل الجديد من الشباب الذي يدافع عن حقه ولا يفكّر في مغادرة البلاد بالطرق الشرعية أو غير الشرعية. وهذا يتطلب منا تجندا كبيرا ولغة سياسية جديدة ليست مرتبطة بالمدارس المحنّطة القديمة المؤدلجة والتي تدفع الشباب نحو الصدام. بل بالعكس اليوم الأسلوب الوسطي والمعتدل بات ضرورة للمجتمع ليصبح معتدلا ومتوازنا ومتسامحا بين مختلف مكوناته وأطيافه. وهذا لم نتوصل إليه بعد 14 سنة من الثورة للأسف. وضروري أن نشتغل عليه وهذا يتطلب مجهود الجميع والتوافق على طيّ صفحة الماضي والمضي قدما في بناء تونس متسامحة، نكون فيها جميعا متنافسين على السلطة والمقاعد لكن ليس لنا أعداء في الوطن وهذا هو الشعار المركزي الذي يجب ان نهتم به.
○ بحكم علاقتك المتينة بالمنظمة الشغيلة، برأيك ما سبب غياب الاتحاد العام التونسي للشغل عن المشهد؟
• أعتقد أن غياب اتحاد الشغل ناتج عن سببين، السبب الأول هو أن السلطة الحالية همّشت دور الاتحاد ولا تريد – بحسب المنظور الجديد للسياسة أي النظام القاعدي- أن تكون هناك وساطة بين رأس السلطة التنفيذية والقواعد الشعبية، إذ لم يعد للنقابات دور أساسي. وبالتالي هناك غياب لأية حوارات أو نقاشات مع النقابات، فحتى المفاوضات الاجتماعية فيما يخصّ الزيادة في الأجور يتمّ اقرارها من قبل السلطة التنفيذية من دون استشارة النقابات. والسبب الثاني لغياب الاتحاد ناتج عن الأزمة الداخلية التي يعيشها من انقسام في قيادته حول وضعه الداخلي. فمن الضروري أن يعقد مؤتمرا استفتائيا من أجل استرجاع وحدته ووحدة قيادته، وهذا المؤتمر الذي هو محل صراع ونقاش داخلي أدى إلى قطيعة بين الأطراف داخل القيادة النقابية ما زاد الوضع تأزما.
أعتقد أن الاتحاد سوف يسترجع عافيته وقوته لأن لتونس تجربة عريقة وطويلة في مجال النشاط النقابي منذ مطلع القرن العشرين. وكذلك لأن الحركة النقابية هي جزء أساسي في تأسيس الدولة التونسية وفي مسارها في كل المراحل التي مرّت بها، سواء كانت مع الحركة الوطنية إبّان الاستعمار أو بعد تأسيس دولة الاستقلال. وهذا سوف يبرز بكل تأكيد في ظل استفحال الأزمة الاجتماعية وضرورة العودة للهياكل النقابية ودورها. وهذا ما عشناه أخيرا خلال أزمة قطاع الصحة حيث أن نقابات الصحة قررت تحركا جماعيا كان له الأثر الكبير وأجبر السلطة على التفاوض مجددا مع النقابات بعد انقطاع دام لأكثر من سنتين. وتمّ القبول بالتفاوض مع قيادة الاتحاد ومع نقابات اتحاد الصحة التي لها مطالب واضحة وأساسية وموحّدة. وهذا يمثل منعرجا في قطاع الصحة وفي نشاط الاتحاد العام التونسي للشغل.
○ فيما يتعلق بأزمة القطاع الصحي وما أدت إليه من هروب الكفاءات التونسية للخارج، كيف ترى مقاربات الحلول؟
• الأزمة في قطاع الصحة أزمة هيكلية لتمويل القطاع الصحي، إذ ليست هناك سياسة واضحة لتمويل المستشفيات والقطاع الصحي. فالسياسة الحالية ترتكز على دعم ميزانية الدولة، وهذا ما جعل الصندوق الوطني للتأمين على المرض يعيش أزمة سيولة مالية. لقد أصبحت الدولة – في إطار أزمة المالية العمومية -غير قادرة على توفير الميزانية الكافية لنشاط المستشفيات العمومية. فباتت تشكو من اختلال في ميزانيتها المالية ولم تعد قادرة على خلاص المتعاملين معها وعلى توفير الحاجيات لعلاج المرضى بصفة جيدة ومقبولة، ما أدى إلى بعض الأزمات التي عشناها. كما أن القرارات القضائية فجرّت الوضع وجعلت الطاقم الطبي وشبه الطبي يقرّر الدخول في الإضراب. فالقرارات القضائية الأخيرة ألزمت الطاقم الطبي وغير الطبي بشروط علاج متطورة، في حين أن الإمكانيات مفقودة على مستوى المستشفيات العمومية.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية