باريس ـ «القدس العربي»: وسط عدم تفاؤل أمريكي- إيراني بشأن محادثات فيينا الرامية إلى إحياء الاتفاق النووي الإيراني، اختار الأوروبيون التريث، بالتأكيد على أنهم يعولون على الأيام القليلة المقبلة لتقييم جدية الإيرانيين في المناقشات التي يشارك فيها الأمريكيون بشكل غير مباشر، من أجل هدف مزدوج: عودة التزام إيران بشكل صارم بما تعهدت به بموجب اتفاق عام 2015مقابل العودة الأمريكية إلى خطة العمل الشاملة المشتركة، مع الرفع التدريجي للعقوبات الاقتصادية على إيران.
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يرجح، في تصريح يوم الجمعة 3 كانون الأول/ديسمبر الجاري من دبي، عدم نجاح الجولة السابعة من المحادثات النووية مع إيران، التي انطلقت يوم الاثنين وانتهت مساء الجمعة، بالنظر إلى تباعد المواقف، لاسيما الموقف الأمريكي من جهة والموقف الإيراني من جهة أخرى، قائلا إنه سيكون هناك تأخير قبل عقد الجولة المقبلة.
تحركات فرنسية
باريس، تسعى حاليا إلى المشاركة في المفاوضات على خلفية الرغبة في استخدامها لخدمة مصالحها، ولذلك فإن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يلح خلال التطرق مع ضيوفه أو مُضيِّفيه على أهمية توسيع نطاق الأطراف المعنية بهذه المفاوضات. من بين هذه الأطراف دول الجوار الإيراني، بما في ذلك المملكة العربية السعودية وإسرائيل، اللتان تريان في تطوير البرنامج النووي الإيراني خطراً على أمنهما القومي. وتشكل هذه النقطة محوراً أساسياً من محادثات ماكرون خلال جولته الخليجية (يومي الجمعة والسبت) مع قادة الإمارات العربية المتحدة قطر والمملكة العربية السعودية. وكانت أيضا أحد محاور المحادثات التي أجراها الرئيس الفرنسي في باريس يوم الثلاثاء الماضي مع وزير الخارجية الإسرائيلي يائير لبيد.
وإذا كانت إيران قد رفضت مراراً مبدأ إشراك أطراف جديدة في المفاوضات حول برنامجها النووي، فإن لبيد استغل زيارته الأخيرة إلى كل من لندن وباريس للمطالبة بمواصلة العقوبات المفروضة على طهران وتشديدها، معتبراً أن ذلك يشكل الطريقة الوحيدة لحمل طهران على التفاوض بجدية في فيينا بشأن مستقبل الاتفاق النووي الإيراني. وقال رئيس الوزراء الإسرائيلي نفتالي بينيت، ترامنا مع ذلك، إن بلاده قلقة للغاية بشأن الاستعداد لرفع العقوبات عن إيران والسماح بدخول مليارات الدولارات إليها مقابل قيود غير كافية على برنامجها النووي، على تعبيره.
قبل شروع إيمانويل ماكرون في جولته الخليجية، أجرى مكالمة هاتفية مع نظيره الإيراني ابراهيم رئيسي حثه فيها على أن تشارك بلاده «بشكل بناء» في المباحثات وعلى ضرورة أن تعود طهران بأسرع وقت «إلى احترام كافة التزاماتها وواجباتها» حيال الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وذلك تزامناً مع انطلاق جولة المفاوضات الجديدة في فيينا.
إيران والاستشهاد
بالشرعية الدولية
وكان دبلوماسيون من فرنسا وألمانيا وبريطانيا (الدول الأوروبية المشاركة في مباحثات فيينا – والموقعة على الاتفاق النووي الإيراني عام 2015 إلى جانب روسيا والصين والولايات المتحدة التي انسحبت منه عام 2018) قد أعربوا عن أملهم في أن تتضح الصورة لديهم بحلول نهاية هذا الأسبوع بشأن مسار التفاوض، محذرين من مغبة توقف المباحثات في حال عدم إحراز أي تقدم يذكر في ختام الجولة الجديدة من المفاوضات والتي استأنفت يوم الاثنين الماضي بعد نحو ستة أشهر من التوقف، على خلفية وصول المحافظ المتشدد إبراهيم رئيسي إلى السلطة في إيران في حزيران/يونيو الماضي والذي لم يكن متحمسا كثيراً لانطلاق مفاوضات الجولة السابعة من المفاوضات انطلاقا من الخطوات التي كانت قد قطعت خلال الجولات السابقة، التي يرى أنها لم تتطرق لجوهر الموضوع، أي لطلب ظلت إيران وما تزال تلح عليه وهو ضرورة رفع كل العقوبات المفروضة عليها، لأن الطرف الذي أخل بالتزاماته يتمثل في الولايات المتحدة الأمريكية بشكل أحادي بقرار من الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب.
وتضيف إيران أن الدول الأخرى ولاسيما الدول الأوروبية لم تستطع التحرك ضد الولايات المتحدة بعد خروجها من الاتفاق، بل إنها قبلت بالموقف الأمريكي للحفاظ على مصالحها. أما الأوروبيون فينظرون إلى الجولات الست الماضية باعتبارها لبنة مهمة من لبنات التوصل إلى اتفاق جديد يأخذ في الحسبان خطة العمل الشاملة المشتركة أي ما ينص عليه الاتفاق الذي أقر في عام 2015 بشكل متدرج.
وما تأخذه الدول الأوروبية المشاركة في مفاوضات فيينا حول البرنامج النووي الإيراني على إيران هو أنها تتذرع بتشكيل فريق جديد من المفاوضين لمواصلة استخدام تكتيكات المماطلة بشكل كبير والاستمرار في تخصيب اليورانيوم على نحو يجعلها تقترب شيئا فشيئا من القدرة على صنع قنبلة نووية وهو ما تنفيه طهران. ويأملون اليوم في إعادة تأهيل خطة العمل المشتركة الشاملة ثم توسيع النقاش مع الإيرانيين ليشمل الأمن الإقليمي، أي البرنامج البالستية الإيراني. غير أن هذه الخطة المتفائلة تبدو بعيدة المنال، حتى الآن، على الرغم من نجاحهم في إعادة الإيرانيين إلى طاولة المفاوضات.
صحيفة «لوموند» الفرنسية، أوضحت في تقرير لها، على ضوء استئناف مباحثات فيينا، أن الدول الأوروبية المشاركة فيها تفكر، اليوم، في فرضية «أقل من خطة العمل الشاملة المشتركة» تتمثل في اتفاقية مؤقتة، خوفًا من الفراغ الذي قد يكون فشلًا في فيينا؛ على أن تقوم هذه الصيغة على أساس الأخذ والعطاء: توقف إيران الأنشطة الأكثر إثارة للجدل في برنامجها (إنتاج معدن اليورانيوم والتخصيب بنسبة 20 في المئة وأكثر) مقابل رفع بعض العقوبات الأمريكية عنها. يعتبر الأوروبيون أن مثل هذه التسوية المؤقتة، من شأنها أن تمنع المزيد من التصعيد مع إيران، عبر فرض عقوبات إضافية أو شن هجمات جوية أو إلكترونية ضد مواقعها. غير أن هناك غياباً للثقة لدى الإيرانيين تجاه الموقف الأوروبي الذي يَرَوْن أنه متطابق مع نظيره الأمريكي طالما أنه يتجاهل أمرا مهما هو أن واشنطن هي التي خرفت الاتفاق برعاية الأمم المتحدة وألحقت بالتالي أذى كبيرا بالاتفاقات الدولية وبالشرعية الدولية. وترى طهران أن سعيها إلى رفع قدرتها على تخصيب اليورانيوم جاء نتيجة خروج الولايات المتحدة من الاتفاق وعدم قدرة الدول الكبرى الأخرى الموقعة عليه على الحفاظ عليه وحرص الدول الأوروبية الموقعة عليه على انتقاد طهران بدل انتقاد واشنطن. ولكن المحلل السياسي الدكتور محمد كلش أكد لـ «القدس العربي» أن سبب الاستياء الأوروبي هو إقدام طهران على استغلال خروج الولايات المتحدة لتعقيد سبل التوصل إلى إيجاد أفق لهذا الاتفاق إضافة إلى تطوير برنامجها المتعلق بالصواريخ البالستية، وتدخلاتها العسكرية الموصوفة أوروبيا بالمزعزعة للاستقرار في منطقة الشرق الأوسط.
أوراق من وزن غير ثقيل
والحقيقة أن الأوروبيين يواجهون ضغوطاً من إسرائيل، عدو إيران اللدود والتي أظهرت معارضتها الشديدة لتسوية مؤقتة بمساع أوروبية. وقد أبلغت حليفها الأمريكي بذلك، باعتبار أن هذه الصفقة ستكافئ النظام المحافظ المتشدد، وفق ما أفادت وسائل إعلام غربية. ويعرف الأوروبيون اليوم أنهم غير قادرين على حمل إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن على العودة بسرعة إلى اتفاق عام 2015 لأن هذه الإدارة تشاطر إلى حد كبير موقف ترامب تجاه إيران. ويعرفون أيضا أن التصعيد بين واشنطن وطهران مستمر على أكثر من جبهة وأنهم غير قادرين على احتوائه. وبالتالي فإنهم يدركون أن الأوراق التي بأيديهم في مفاوضات فيينا حول الملف النووي الإيراني ليست مهمة، لاسيما وأن روسيا والصين لديهما مصلحة في إعادة الاعتبار إلى الاتفاق أو استمرار الوضع الحالي.
وزير الخارجية الإيراني، اعتبر في وقت سابقاً أن «اتفاقاً جيداً» هو في متناول اليد إذا أظهر الغرب نية حسنة. من جهة أخرى، قال رافائيل ماريانو غروسي المدير العام للوكالة الدولة للطاقة الذرية أن التوصل إلى اتفاق مرحلي أو شامل لإعادة الاعتبار إلى اتفاق عام 2015 المتصل بالبرنامج النووي الإيراني مرتبط بإرادة سياسية جماعية، وذلك في حديث خص به قناة «فرانس 24 « التلفزيونية الفرنسية.
وبقدر ما بدا غروسي متفائلا بعض الشيء بإمكانية تجسد هذه الإرادة السياسية في وقت ما، بقدر ما شدد على ضرورة السماح للمفتشين الدوليين لتفقد المنشآت النووية الإيرانية، لاسيما بعد أن اتضح أن أجهزة الطرد الجديدة التي تستخدمها إيران الآن لتخصيب اليورانيوم متطورة كثيرا مقارنة بتلك التي ينص عليها اتفاق عام 2015. وذكر المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية أن تسهيل عمل المفتشين الدوليين عنصر فعال يسمح للأطراف المتفاوضة بالتفاوض انطلاقا من معطيات تقنية واضحة هي من صلاحيات الوكالة وليست من صلاحيات الأطراف المتفاوضة.