تونس ـ «القدس العربي»: مرّ أكثر من نصف قرن على تقنين الإجهاض في تونس واجه خلاله هذا الحق تحديات عديدة وصعوبات من أجل حماية الاستقلالية الجسدية للمرأة لضمان تنفيذه. ويتيح القانون التونسي الصادر سنة 1973 الإجهاض بدون قيد أو شرط حتى 12 أسبوعًا لا غير، وبالتالي فقد كرس نظريا مبدأ الاستقلالية الجسدية للنساء. ولئن اعتبر إقرار هذا الحق قانونيا خطوة هامة على طريق تعزيز حقوق الإنسان، إلا أن هناك العديد من العراقيل التي حالت دون التمتع الفعلي بهذه الحقوق. فهناك عوائق اجتماعية وثقافية وصحية وإدارية تحد من الوصول إلى الإجهاض الآمن وتعيق تطبيق هذا القانون بشكل جيد.
أسباب الإجهاض
تختلف أسباب اللجوء إلى الإجهاض في تونس من حالة إلى أخرى، فالشائع أن الفتيات تلجأ للمستشفيات لإسقاط طفل ناتج عن علاقة غير شرعية، وبما أن المجتمعات في هذه الدول ترفض فكرة الإنجاب خارج الإطار الشرعي فإنه يتم اللجوء إلى هذا النوع من الإجهاض هربا من نظرة المجتمع.
وتلجأ المرأة في أحيان كثيرة إلى الإجهاض لأسباب مادية. كما أن هناك من يُجهضن لأسباب صحية خاصة إذا كن يُعانين من أمراض تجعل الإنجاب يزيد من المضاعفات السلبية لهذه الأمراض على صحة المرأة، وهذه الحالات منتشرة على نطاق واسع. وفي حالات نادرة تكون المرأة ضحية لاعتداء سافر فترغب من التخلص من ذكرى أليمة في حياتها ومن أي شيء قد يذكرها بالمجرم الذي قام بالاعتداء عليها وهو ما يجعل الأسباب متعددة ولا تقتصر على الحالة التي تتبادر دائما إلى الأذهان وهي حالة الحمل خارج إطار الزواج.
صفية.غ تحدثت لـ«القدس العربي» عن قيامها بعملية إجهاض فقالت إنها لجأت إليه مرتين لأن لديها طفلين ولكن الوضع المادي لا يسمح لها بإنجاب طفل ثالث. وقالت إن مصاريف تربية الأطفال والتعليم في تونس باتت عبئا كبيرا وهذا ما دفعها إلى اللجوء للإجهاض كحل برأيها يجنبها العسر المادي. أما عن العراقيل التي واجهتها قالت: «تعرضت إلى لوم كبير من قبل المحيط الاجتماعي ولم يكن هناك تفهم للظروف والأسباب التي دفعتني للاجهاض».
عراقيل عديدة
وتشتغل اليوم العديد من منظمات المجتمع المدني في تونس على حماية هذا الحق كجزء من منظومة حقوق الإنسان بشكل عام، وأبرز هذه المنظمات مجموعة توحيدة بن الشيخ وهي جمعية حقوقية تُعنى بحقوق الإنسان والنساء بشكل خاص. لقد تأسست هذه الجمعية التي تحمل إسم أول طبيبة في تونس ومنطقة المغرب العربي سنة 2012 ويركز عملها على الحملات الدعائية للوصول إلى الحقوق الجنسية والإنجابية ومنها حق الإجهاض.
وتؤكد هادية بلحاج رئيس مجموعة توحيدة بالشيخ في حديث خاص لـ«القدس العربي» بأن المجموعة قامت بالعديد من الدراسات التي بينت استمرار العراقيل خاصة المتعلقة بالوصم الاجتماعي، وضعف المعرفة بالقانون، والاستعمال المفرط للاعتراض الضميري من قبل بعض المهنيين الصحيين، بالإضافة إلى تفاوتات كبيرة في النفاذ بحسب العمر، والوضعية الاجتماعية، والموقع الجغرافي. وبينت محدثتنا أيضا بأن أهم العوائق هي الوصم الاجتماعي، إذ أن الإجهاض في تونس ما زال يعتبر من المحرمات ويخلق الشعور بالذنب وهو ما يتيح للبعض حرمان النساء من الراغبات في الإجهاض من الخدمة الصحية خاصة في الأرياف والمناطق الداخلية.
وتضيف بلحاج قائلة: «من أهم الصعوبات التي تعيق التمتع بهذا الحق غياب التثقيف الجنسي الشامل الذي يحرم الشباب من معرفة حقوقهم ومن ذلك الحق في الإجهاض. ويتضاعف خطر غياب المعلومة أكثر لدى فئة الشباب والنساء اللواتي يعشن في وضعيات هشة على غرار الفتيات حاملات الإعاقة ومحدودات الموارد المالية ومن يعانين من بعض الأمراض وغيرهن».
ولتحقيق النجاعة وضمان الحق في الإجهاض تدعو مجموعة توحيدة بن الشيخ إلى تعديل قانون 73 وذلك للاعتراف بالإجهاض الدوائي وتوسيع تطبيقه ومراعاة الآجال بالزيادة فيها لبعض الحالات المتعلقة بالنساء في الوضعيات الهشة. كما تدعو إلى تنظيم ما يسمى «الاعتراض الضميري» وذلك بإلزام المعترض بتوجيه المرأة إلى جهة أخرى، وبتدريب وتكوين الإطارات الصحية التكوين المناسب لضمان احترام هذا الحق وضمان مجانيته.
ولا بد برأيها من كسر ما سمته «التابوهات» أو المحرمات وذلك من خلال إطلاق حملات وطنية للتوعية وإعادة إدماج التربية الجنسية الشاملة الملائمة للأعمار داخل المؤسسات التربوية. كما تدعو محدثتنا إلى تحرير الحقوق الإنجابية من الاعتبارات الديموغرافية من خلال التعامل مع الإجهاض ووسائل منع الحمل كحق أساسي بغض النظر عن تطورات نسب الخصوبة والتي تشهد تراجعا في تونس.
عودة إلى الوراء
كما تدعو المنظمة، حسب محدثتنا، إلى إرساء آليات للمتابعة والمساءلة وذلك من أجل التوثيق والتنديد بانتهاكات الحق في الإجهاض، وحالات الرفض غير المبرّرة والعراقيل الإدارية التي يمكن أن تحصل، وتؤدي إلى عدم تمكين النساء الراشدات اللواتي تتراوح أعمارهن بين 18 و20 سنة من حقهن في الإجهاض. وتدعو أيضا إلى إعادة إرساء التعاون المؤسساتي بين المؤسسات الحكومية على غرار الديوان الوطني للأسرة والعمران البشري وإدارة الصحة الأساسية، وبين المجتمع المدني وذلك من أجل توفير عرض خدمات منسجم ومتكامل برأيها.
وتؤكد الخبيرة التونسية على أن تونس لديها من التشريعات والموارد ما يضمن حق الاستقلالية الجسدية للمرأة والذي يمكن من الحق في الإجهاض. وترى أنه حان الوقت لضمان تمكّن كل امرأة، أينما كانت وأياً كانت وضعيتها، من الحصول على الإجهاض الآمن بكرامة وبدون تمييز.
وتضيف هادية بلحاج بالقول: «لقد كانت تونس دولة رائدة فيما يخص الوصول إلى الصحة الجنسية والإنجابية وجاء قانون الإجهاض ليؤمن حق كل امرأة في التمتع بخدمات القطاع العمومي بصورة سرية ومجانية». وقالت إنها لاحظت عودة إلى الوراء في تونس خاصة فيما يتعلق بالوصول لخدمات وسائل منع الحمل. وأضافت: «نلاحظ أن بيانات عام 2018 و2024 برهنت أن الوصول لوسائل منع الحمل وبرنامج الصحة الإنجابية والجنسية تراجع إلى الوراء 7 نقاط مئوية إذ باتت النساء يستخدمن وسائل منع الحمل بصورة أقل من سنة 2010 و 2012».
وشددت محدثتنا على ضرورة الوصول إلى المعلومة فيما يخص قانون الإجهاض والخدمات المتعلقة به. وأضافت: «قمنا بمسح سنة 2022 و 2023 في 8 ولايات ويستهدف المسح الشباب ما بين 18 إلى 29 سنة من الشباب والرجال ووجدنا أن ربع الرجال وأقل من 50 في المئة من النساء في سن الإنجاب لا يعرفون أن هناك في تونس قانونا للإجهاض».
وقالت: «صحيح أن تونس رائدة وهي الدولة الوحيدة في العالم العربي التي أقرت قانون الإجهاض لكنه لا يزال في المجلة الجزائية. والقانون لم يأخذ بعين الاعتبار تكنولوجيا الإجهاض الدوائي، وبالنسبة لغير المتزوجات والقاصرات هناك بيروقراطية فيما يتعلق بحق الإجهاض».
وفيما يتعلق بالحلول المقترحة تجيب محدثتنا: «يجب تدريب الإطار الطبي وشبه الطبي فيما يتعلق باحترام اختيارات النساء. ونحن كمجموعة توحيدة بالشيخ نقدم تدريبا خاصا لتوضيح القيم وتحسن الاتجاهات فيما يخص الوصول للاجهاض». كما تدعو محدثتنا إلى مواجهة الخطاب الذي يشوه المرأة وهو خطاب منتشر بشكل لافت ولا بد من التصدي له ومواجهته حفظا لحقوق المرأة وصونا لكرامتها.