استعادت روسيا الأنفاس. انتقلت مجدداً إلى وضعية الهجوم على جبهة الدونتسك وهي اليوم تستكمل تطويقها لمدينة أفدييفكا.
تجهد كييف لتنبيه المجموعة الغربية إلى خطورة أن يتمكن الروس في هذه اللحظة المحتدمة عالمياً من أن يعاكسوا المسار الترنحي لقواتهم.
ويجهد الأمريكيون لطمأنة الأوكران كما التايوانيين بأنهم قادرون على إسنادهم بوجه الحرب الروسية كما بوجه أي تصعيد صيني ساخن محتمل، على الرغم من أن التدخل الغربي الآن، ضد الفلسطينيين في غزة، وربما بإتجاه ساحات أخرى «ذات صلة» في الشرق الأوسط، سيعني فتح ورشة عنيفة مزمنة لا يمكن من الآن التكهن بحجم الأعباء التمويلية لها وكيفية ضمان أن تبقى تغذية الجانب الأوكراني على حالها.
يأتي هذا بعد أن صار من الواضح أن آمال كييف المعقودة على الهجمة المضادة والواسعة النطاق المنطلقة في شهر حزيران/يونيو الماضي، على جبهة ممتدة لألف كلمتر بين الدونتسك وزابوريجيا، ظهرت متسرعة ومرهقة. لم تنصت أساساً كييف لنصائح أمريكية وغربية لها بالتروي وعدم توسيع نطاق الهجوم المضاد على هذا النحو الذي يستهلك كل يوم كمية مذهلة من الأسلحة والعتاد والجنود.
أصرّ الأوكران على قدرتهم على تكرار نجاحات الهجوم المضاد على جبهتي خاركيف وخرسون صيف وخريف العام 2022.
في هذين الهجومين استطاعوا استرجاع 12 ألف كلمتر مربع من جهة خاركيف، وأفلحوا في استعادة مدينة خرسون نفسها، في حين أنه، بعد أربعة أشهر على انطلاقة الهجوم الحالي فإن التقدم الأوكراني جاء طفيفاً، إلى أن استبد الجمود بطول الجبهة، ومن ثم باشرت موسكو هجومها المضاد… بهدف تقويض الهجوم المضاد.
تستعر المعارك على جبهة افدييفكا فيما أنظار العالم مثبتة بالأحرى على الحرب الإسرائيلية التدميرية ضد غزة. لأجل ذلك أيضاً تتخوف أوكرانيا من أن تحرف قضية الشرق الأوسط الأنظار عنها، وفي الوقت نفسه ترى قيادتها حالة وحدة حال مع إسرائيل.
فكل من أوكرانيا وإسرائيل تتصرفان كما لو أنهما حصنان متقدمان ومقاتلان من صفوة الحصون الأمامية للإمبراطورية الغربية. انتصار أحد الحصنين فيه تمكين للآخر.
لئن عرفت الحرب الباردة «ستاراً حديدياً» يقسم أوروبا إلى شطرين، والغرب فيهما في موقع البث الدعائي لأنماط العيش والمشاركة والاستهلاك فيه، محاولا بهذا البث تأكيد ثقته بنموذجه داعياً من هم وراء الستار للالتحاق به ومشاطرة تجربته، فإن ستاراً نارياً يرتسم اليوم، يحرص فيه الغرب على الانطواء خلفه، ويعمل على حد التسرب من خارجه إليه. أوكرانيا وإسرائيل تلعب كل واحدة منهما اليوم دوراً في تشكيل هذا الستار. كذلك تايوان.
لقد أظهرت التطورات السريعة في الشرق الأوسط في الأسابيع الماضية، والمزيج من تصنع الرهبة أمام إسرائيل ومن المجون الإرهابي من قبل الرئيس الأمريكي جو بايدن بحق أبناء الشعب الفلسطيني أن انطوائية روسيا البوتينية العدوانية، لا تقل نوعياً عن الإنطوائية العدوانية الأمريكية والغربية. وظهر أكثر من أي وقت مضى كم أن مقولة الديمقراطية تعرّضت للتمادي، بحيث باتت تخلع على من أراد قادة المجموعة الغربية وتحجب عمن لمن ينل حظوتهم أو يرتمي في أحضانهم. فمن النكت السمجة في هذا العصر أن تحتسب إسرائيل أكثر ديمقراطية من تركيا مثلا، ناهيك عن إعطاء الأولوية في الشرق الأوسط لأمن إسرائيل بدلا من تركيا، الدولة العضو في حلف شمالي الأطلسي، والذي شكل إنخراطها في هذا الحلف، أحببنا لها ذلك أم لا، معطى لعب دورا كبيرا في ترجيح كفة الغرب بالحرب الباردة.
اليوم، يمكن الافتراض أن هذا التلاعب الأرعن بمقولة الديمقراطية للتغطية على عملية تطهير إثني جارية على مرأى ومسمع من كل العالم، سيكون لها تبعات وخيمة على مستقبل فكرة الديمقراطية في العالم، والأرجح، ما بين نوبات الحرب في أوكرانيا وشيطانية الحرب على غزة أن تزداد القساوة والفظاظة في عدد لا يستهان به من المجتمعات.
يريح هذا كاهل روسيا. كونها قوة لم تأخذ موضوعة الديمقراطية على محمل الجد. أو بالأحرى قام نظامها البوتيني على معزوفة من قبيل: ابعدوا توسع حلف الأطلسي عن حدائقنا الخلفية، كي نتمكن من الخطو باتجاه الديمقراطية. طبعا، هذه مماحكة لتسويغ التسلط، لكنها تقوم على حجة منطقية ولو تلاعب بها. الحجة التي تستثمر فيها هي أنه، وطالما روسيا تواجه عملية تطريف وتطويق غريبين لها فإن أي احتكام لمنطق التعددية السياسية التنافسية سيجعلها منقسمة بين من هم «تبع الأطلسي» وبين شتات القوميين والشيوعيين. وبالتالي، النظام الأمني البوتيني المؤبد أكثر جدوى من هكذا قسمة خبر ويلاتها المواطنون الروس في عهد بوريس يلتسن المشؤوم.
أما من جهة أسلوبها في التعاطي مع مجريات الأمور، تحرص روسيا منذ هجمات حماس في 7 تشرين الأول/أكتوبر والحرب الإسرائيلية التي تلت على صياغة مواقفها بحذر .. لكنه حذر من يدرك أن اللحظة الحالية تقدم له جملة من الحوافز والفرص إن هو قاس خطاه وأحسن الاقتناص. جاءت الحرب في غزة، والإيثار الأمريكي للتوحش الأقصى، لتخفف من وقع التوحش الروسي في المسألة الأوكرانية، بل ولتظهر بأن الجنون مس الغرب هذه المرة بشكل مزعج لمعظم الشعوب والبلدان خارج الغرب، بالشكل الذي اتخذت فيه روسيا في المقابل وضعية التعقل والرزانة. بالتوازي، بمقدور روسيا اليوم التواصل مع كل الأطراف في الشرق الأوسط بلا استثناء في حين تراجعت مساحة هذا التواصل أمريكيا وأوروبياً.
ثم، لئن كانت هذه هي حال العالم، ودرجة الظلم فيه، وروسيا والصين لم تتهاويا بعد، فما الذي يمكن أن تفعله الإمبريالية الأمريكية والغربية لو كانت سطوتها أكبر وليس من يشاكس عليها على أحوال هذا الكوكب؟
الا أن روسيا تحاول عبثاً أن تعْدل بين اثنتين: التحالف الوثيق مع إيران والعلاقة الطيبة مع إسرائيل.
والأخيرة كانت خالفت الموقف الإجماعي الغربي العدائي لروسيا، وتعرضت لملامة فلوديمير زيلينسكي.
لم تقدم إسرائيل الأسلحة لأوكرانيا، رغم إلحاح الأخيرة على هذا الأمر. ليس لروسيا مصلحة الآن في تدهور علاقتها بإسرائيل، لكنها في الوقت نفسه تستقبل مسؤولين من حماس وهي معنية بالرهائن من حملة الجنسيتين الروسية والأوكرانية الموجودين بين أيدي حماس.
بالتوازي، يصعب على روسيا عدم اتخاذ خطوات أكثر وضوحا في الفترة المقبلة على مستوى رفع درجة العلاقة مع إيران.
كذلك، كلما جاء تدخل الولايات المتحدة في الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة مباشراً ونافراً، سيثقل هذا على العلاقة الروسية الإسرائيلية.
لكن هل يمكن أن يؤدي ذلك إلى تدهور معلن في هذه العلاقة؟ الأمريكيون يسعون في هذا الاتجاه، وهذا منحى إضافي يجعل الروس أكثر احترازا. ثمة في روسيا اليوم اقتناع بأن السوفييت أخطأوا بقطع العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل في آخر أيام حرب 1967 يوم أخلفت إسرائيل بوعدها لموسكو، وشملت هضبة الجولان السورية باحتلالها. المقاربة الرائجة اليوم هي أن السوفييت حرموا أنفسهم أواخر الستينات من التأثير في السياسة الإسرائيلية والقدرة على التفاعل مع طرفي الصراع، وكانت نتيجة «أخذهم طرف» العرب بعد هزيمة 5 حزيران/يونيو أنهما أعادوا بناء الجيش المصري ثم كان جزاءهم أن طُرد الخبراء السوفييت من مصر، واتجهت مصر سريعاً إلى المعسكر الأمريكي. الخلاصة عندها لزوم الاحتراز من أن لا يكرر الروس، «ما بعد السوفييت» الخطأ نفسه.
عندما انطلقت الحرب الروسية على أوكرانيا لم تكن أكثر القراءات تشاؤما تتوقع أن تدخل الحرب في متاهة التمدد الزمني، عاما بعد عام، لا يبدو لها من مسار سياسي قادر على التخفيف من أوارها، ناهيك عن الانتقال نحو الهدنة أو التسوية، فالسلام. اليوم، من الصعب تحديد متى تنتهي الحرب، أو مجموع الحروب، المنطلقة في الشرق الأوسط بعد هجمات حماس في 7 تشرين الأول/أكتوبر. سيضاعف التزامن المزمن بين الحربين الروسية على أوكرانيا والحرب الإسرائيلية الأمريكية على الفلسطينيين من مناخات الحرب العالمية الثالثة التي ما عادت تنتظر إلا تسخين على جبهة الصين – تايوان والهند – باكستان حتى ترتسم بوضوح معالمها.
لكن، الفرضية التي يمكن بلورتها الآن، ومراقبتها في الفترة المقبلة، هي أن الحرب على غزة، معطوفة على المراوحة المرهقة في الهجوم الأوكراني المضاد، انعكسا «تحريرا» لروسيا من تعثرها «السابق». وهذا انعكاس في المقلب الآخر، لعالم، خسرت فيه الولايات المتحدة الأمريكية أهلية قيادة «سلام أمريكي» يقدم نموذجا لاستقرار العالم تحت جناح الهيمنة الأمريكية، في حين استمرت فيه الصدارة الإمبريالية للولايات المتحدة.