‘لقد مرت على جماعة الإخوان محن كثيرة طوال تاريخها منذ عام 1928 وحتى الآن فقتل مرشدها الأول وعلق على أعواد المشانق بعض قادتها، وسجن وعذب عشرات الآلاف من أعضائها فلم يفت ذلك في عضدها وسوف تواصل الجماعة نشاطها وستثبت أنها رقم صعب في المعادلة السياسية في مصر لايمكن تجاوزه أو القفز عليه’ كانت هذه الكلمات أول تعليق لي على بيان الانقلاب يوم 3 يوليو، ولم تكن هذه الكلمات نابعة من موقف عاطفي أو حماسي بل هي قراءة منطقية لوقائع التاريخ، وتاريخ الدعوات والأفكار فلم يعرف التاريخ في مجمله دعوة أو فكرة بصرف النظر عن صحتها أوخطئها أمكن القضاء عليها بالحديد والنار، بل إن العنف لا يزيد اصحاب الدعوات إلا تمسكا بها والحقيقة أن إخفاق أي فكرة ينبع في الأساس من فشلها في التطبيق على أرض الواقع، وعدم قدرتها على مراجعة نفسها وتطوير أفكارها وتصحيح مسارها ولنضرب نموذجين قريبين للتدليل على ذلك: النموذج الأول: الجماعة الإسلامية في مصر، والتي انتهجت سياسة العنف، ودخلت في صدام مع الدولة في الثمانينات والتسعينات بناء على رؤية فكرية وقراءة غير صحيحة للإسلام وتعرض أعضائها للاعتقال والتنكيل ثم دخلت في مرحلة مراجعة لأفكارها داخل المعتقلات والتي أسفرت عن التراجع عن بعض أفكارها خاصة فيما يتعلق باستخدام العنف لتحقيق أهدافها وبالرغم من ان المراجعات جاءت داخل السجون وبإشراف الدولة وهو ما ألقى بظلال من الشك على حقيقة هذه المراجعات ومدى قيامها على قناعة حقيقية ولم يكن هذا الشك قائما فقط لدى الدولة بل لدى الكثيرين من المهتمين بالشأن العام، ولكن الأيام أثبتت أن هذه المراجعات جاءت عن قناعة حقيقية بالرغم من أن الدولة أخذت تطلق سراح المعتقلين من الجماعة الإسلامية على دفعات، وعلى مدى زمني طويل حتى تيقنت من حقيقة موقفهم. وبعد ثورة 25 يناير شاركت الجماعة في العمل السياسي، وكونت حزبا سياسيا وشاركت في الانتخابات، والمتابع للممارسات السياسية للجماعة الإسلامية وحزبها يلحظ بوضوح الحرص على المصلحة الوطنية والمبدئية في مواقفها وعلى الرغم من أن الانقلاب الذي تم في 3 يوليو أثار الشك والخوف من عودتها الى العنف مرة أخرى إلا أن مواقف الجماعة الإسلامية جاءت واضحة وحاسمة في هذا الصدد، وأنه لا عودة مرة أخرى الى العنف بالرغم من التصريحات غير الموفقة لأحد المحسوبين عليها. النموذج الثاني: الشيوعية التي بدأت كفكرة على يد ماركس ثم استطاعت أن تكون دولة بل إمبراطورية، فقد تعرض من يعتنقون الشيوعية للاضطهاد والتعذيب والاعتقال في العديد من الدول ومنها مصر، ومع ذلك ظلت الفكرة راسخة في نفوسهم، ولم تستطع المطاردة الأمنية النيل منهم، ولم تسقط الفكرة الا بعد أن ثبت فشلها على أرض الواقع وبالرغم من قوة الاتحاد السوفيتي، والحرب الباردة مع المعسكر الرأسمالي بقيادة الولايات المتحدة وسباق التسلح بين المعسكرين الشرقي والغربي، والحروب بالوكالة بين الدول الخاضعة لكلا المعسكرين فإن سقوط الاتحاد السوفيتي ومعه الشيوعية لم يكن بالصواريخ والقنابل النووية من جانب الغرب بل جاء السقوط من الداخل نتيجة فشل الشيوعية على أرض الواقع فانهار الاتحاد السوفيتي وتفكك بعد سبعين عاما، وتبعه سقوط النظم الشيوعية في أوروبا الشرقية والواقع أن سقوط الشيوعية كان متوقعا، وقد توقع العديد من المفكرين هذا السقوط وكتبوا في ذلك قبل سقوط الاتحاد السوفيتي بفترة طويلة، وقد بنوا هذا التوقع على عدة عوامل أهمها منافاة الشيوعية للفطرة الانسانية إلا أنه من العوامل الحاسمة التي أدت الى هذا السقوط السريع للشيوعية هي عدم مراجعة أفكارها على ضوء الواقع، وعدم وجود المرونة الكافية لتطوير أفكارها للتعامل مع الواقع ومتطلباته كما حدث في الصين على سبيل المثال ولهذا فكل هذا الضجيج والصخب والأحكام العامة حول نهاية الإخوان التي يثيرها كتبة الانقلاب ومؤيدوه ومحاوروه لا تعدو أن تكون أمنيات لا تقوم على أي أساس من الواقع، ولوعادوا الى ما كتب عن الإخوان في أعقاب الصدام بين السلطة والإخوان أعوام 1948 و1954 و1965 لوجدوا نفس الاتهامات التي توجه للإخوان اليوم، ونفس الحديث عن نهاية الإخوان، والتي أوضح الواقع العملي والتاريخ أنها أضغاث أحلام. لقد كانت هناك فرصة حقيقية للقوى المعادية والرافضة للإخوان لاختبار شعبية الإخوان على أرض الواقع لو سارت في الطريق الديمقراطي دون تدخل الجيش، وحصرت المنافسة السياسية من خلال الأطر الديمقراطية. لا يستطيع أحد أن ينكر أن شعبية الإخوان قد تأثرت خلال العام الذي تولى فيه د.مرسي خاصة بعد الإعلان الدستوري في تشرين الثاني/نوفمبر 2012، وكانت هناك حالة من السخط الشعبي بسبب الأزمات الحياتية التي تصاعدت قبل وقوع الانقلاب خاصة الكهرباء والبنزين والسولار، وبصرف النظر عن الأسباب التي أدت الى هذه الحالة ومدى مسؤولية الأطراف المختلفة عنها فقد كانت المعارضة تستطيع توظيف ذلك لمصلحتها في الانتخابات البرلمانية التي كانت ستتم خلال شهور قليلة بل إن المعارضة كانت تستطيع ممارسة كافة اشكال الاحتجاج، والتي أعلنت بالفعل عن نيتها القيام بها مثل المظاهرات والعصيان المدني والاعتصامات لتحقيق أهدافها، فلم تكن هناك مشكلة في مظاهرات 30 يونيو بصرف النظر عن بعض الفئات التي شاركت فيها، ولم تكن هناك مشكلة في الاعتصام امام الاتحادية والدعوة للعصيان المدني كما كانوا ينوون لكن المشكلة الحقيقية كانت تدخل الجيش في العملية السياسية فلا يمكن وصف ما حدث يوم 30 يونيو إلا أنه انقلاب عسكري ولو لم يتدخل الجيش واستمرت الفعاليات وأشكال الاحتجاج حتى تحقيق هدفها أو الوصول الى اتفاق مع السلطة القائمة. لم يكن هناك مجال للتشكيك في حقيقة ما تم بأنه ثورة أو موجة ثورية وكما أنه لا مجال للتشكيك في تأثر شعبية الإخوان قبل 30 يونيو بصرف النظر عن مدى هذا التأثر فلا أعتقد أن هناك الآن مجالا لدى أي متابع موضوعي للمشهد في مصرللتشكيك بأن الإخوان استطاعوا استعادة جزء كبير من شعبيتهم إن لم يكونوا استعادوا شعبيتهم كاملة بالفعل بالرغم من الآلة الإعلامية الجهنمية التي تعمل ليلا نهارا على شيطنتهم. لا شك ان الانقلاب كان طوق نجاة لهم لاستعادة التعاطف الشعبي الذي افتقدوه مرة أخرى ومع ذلك لا زالت الفرصة سانحة أمام الانقلاب ومؤيديه مرة أخرى لاختبار مقولاتهم وما يرددونه ليلا نهارا عن انهيار شعبية الإخوان، وأنهم يقفون وحدهم في مواجهة الشعب ومؤسسات الدولة فلماذا لا يعود الجميع للشعب بدلا من ادعاء كل طرف أن الشعب معه، وأن عشرات الملايين نزلوا الى الشارع لتأييده؟ لماذا لا يتم الاحتكام الى الشعب الذي لم يأخذ اجازة أو يغادر أرض الوطن من خلال الآلية الوحيدة التي تعرفها الديمقراطية ولا مجال للتشكيك فيها وهي صندوق الانتخاب الحر النزيه لحسم الأمر وتحديد القوى النسبية للقوى السياسية؟ فإذا كان ما يذكرونه عن انهيار شعبية الإخوان صحيحا فسيثبت ذلك من خلال النتائج وينتهي عفريت الإخوان من حياتنا السياسية، أما إذا جاءت الانتخابات عكس ما يدعون فعليهم التسليم بالإرادة الشعبية الحقيقية لقد استطاع الإخوان خلال تاريخهم الممتد من عام 1928 حتى الآن، والتي تعرضت الجماعة خلالها لحالات من المد والجزر امتصاص جميع الضربات التي وجهت إليهم، وخرجوا منها أكثر قوة وصلابة نعم قد تتأثرالجماعة بهذه الهجمات لبعض الوقت ولكن ستبقى الفكرة التي هي الأساس حية في القلوب والنفوس على الدوام. د. حسين صفوت باحث ومحلل سياسي