الإخوان يمنحون السيسي تفويضا ويخفضون سقف مطالب الثورة

ربما كان من غير الإنصاف، بل وانعدام الواقعية أن نتوقع أن يستقر الوضع في مصر بهذه السرعة، لكن الأكيد أن هناك العديد مما لا يبعث على الاطمئنان. لا أكتب هذا بصدد خطاب الفريق السيسي اليوم، وإنما بصدد حالة اللاحسم السائدة منذ الإطاحة بحكم الجماعة ( أو اللاسلم واللاحرب إذا أردنا الاستعارة من تاريخنا الحافل بالالتواء والمط) التي يمثل هذا الخطاب آخر حلقةٍ منطقيةٍ فيها.
والحقيقة أن أكثر ما يلفت الانتباه هو طول نفس أنصار الجماعة، الأمر الذي أدهش العديد من الناس والجمهور، الذي تصور واهماً أن مجرد إسقاط الرئيس مرسي وأعمدة الجماعة كفيلٌ بكنسهم من التاريخ، ولست في حاجة إلى الاشارة إلى ما اتسم به هذا التفكير الحالم الوردي من سذاجة، فإذا كان من المؤكد أن نزول جحافل ‘حزب الكنبة’ من مستقراتهم كان من المحتم أن يسقطهم، فلا يعني ذلك بالضرورة طردهم من التاريخ في التو واللحظة، وعلينا ان ندرك أنه إذا كانت الأفكار والنظريات تخبو ولا تموت، فإن جماعةً وجدت وتعايشت في ظل قدرٍ متفاوتٍ من العداء، طيلة ما يزيد على الثمانية عقود، تحميها مجموعة من المقولات السردية المغلقة والمكتفية بذاتها بما لا يسمح بتسرب نقطة ماء، هذه الجماعة من الوارد ألا تذوي وتموت بسرعة أو ببساطة. يجوز أنها منيت بخسارة كبيرة وفقدت الكثير ممن انتخبوها لأسبابٍ عديدة، إلا أن ذلك لا يفيد بحتمية موتها المباشر.
والملاحظ أن الجمهور بعد أن اعتبر أن ما يحدث من مناوشات لا يعدو أن يكون ‘حلاوة روح’، فقد بدأ القلق والشك يتسرب إليه بعد أن طالت المواجهات وصارت أنباء القتلى خبراً يومياً، مما أنطق الناس بمجموعةٍ منطقيةٍ من الأسئلة من نوعية، لماذا لا يتم القبض على أعلام رابعة العدوية المحرضين على العنف؟ وهل من الممكن أن نصبح مثل سورية والجزائر في تسعينيات القرن الماضي؟ والكل لا شاغل له سوى، إلى متى تستمر هذه الفوضى؟
هذا على مستوى الشارع الشعبي، أما على مستوى الجدل العام بين الناشطين والمنتمين إلى المعسكرين والإعلاميين والمثقفين، فإن الوضع أكثر بؤساً… فعدا معارك الشوارع، استمر الجدل والتراشق بالاتهامات بين الفريقين مع فارق ازدياد الشراسة والكراهية، وأضيف إلى ذلك كم من الشماتة المسفة، ولا نبالغ إذا قلنا ان التلاسن كثيراً ما ينحط إلى مستوى الردح، كما أن أكثر ما يكتب يصب في سياق تفسير وتحليل مسببات سقوط الإخوان أو الدفاع عنهم أو الهجوم على 25 يناير من الأساس (و30 يونيو بالتبعية) نافين عنه صفة الثورة.
وكل ذلك مفهوم وجميل، إلا أنه لا يحل مشاكل الجمهور الملحة، فالهرج والمرج مازالا حاضرين، حتى إن اختار الناس تجاهلهما، والفقر مازال ينهش والأرزاق متوقفة… لقد سئم الجمهور، والتنظير والتفسير لا يشبعان جائعاً.
أنا أعلم ما هي خطيئة الإخوان الكبرى: خفض سقف المطالب الشعبية!
حين اعتصم الشباب يوم 25 يناير (ذلك اليوم الذي يبدو الآن بعيداً لكثرة ما أعقبه من أحداث وصراعاتٍ وانتكاساتٍ) كانوا لا يطمحون في أكثر من بعض المطالب الإصلاحية، من قبيل تعيين نائب رئيس وإقالة الحكومة والاعتراض على عسف منظومة الأمن ورفض التوريث إلخ… عنف رد النظام وعناد وبطء مبارك هي من حولت الاعتصام إلى حراكٍ ثوري حقيقي مكتمل الجوانب ورفع سقف المطالب إلى بعد الثورة الحقيقي: البعد الاجتماعي – الاقتصادي المطالب بإعادة تشكيل المجتمع والاقتصاد انحيازاً إلى الفئات المسلوبة والمهمشة، وإن لنا أن نقرر بمنتهى اليقين والثقة أن الجماعة في الرئاسة من وراء واجهة د. مرسي لم تفعل شيئاً طيلة العام الماضي، سوى أن تكفلت بخفض سقف المطالب عند الغالبية العظمى من الجمهور، عن طريق الحماقات المتكررة والتعالي على بقية الأطراف السياسية والجمهور والثقة المفرطة في النفس في غباء حتى بات الخلاص منهم المطلب الثوري الأول، وربما الوحيد لدى الكثيرين، ويتبع ذلك أنه من الطبيعي، بل والمنطقي أن نقول انهم إن لم يكونوا ‘الطرف الثالث’ أو فصيلاً من الثورة المضادة بامتياز، لما يتسمون به من مزاجٍ رجعي محافظ وإصلاحي في أفضل الأحوال، وانحيازهم لاقتصاد السوق بصورته الأكثر وحشيةً وبدائيةً، فإنما لكونهم كفروا الكثيرين بالثورة، مما حدا بهم للترحم على أيام مبارك وحبيب العادلي، وجعل لإعلام الفلول والمتحولين بليل منهم حجةً على الحراك الثوري برمته، فها هم يرفعون أصواتهم وكأنهم أول من نادى بالثورة وسقوط مبارك، وكأنهم لم يهاجموا ويجرمو الثوار من 25 يناير وحتى 11 فبراير، في مقالاتٍ وساعاتٍ مسجلة من البث والمداخلات الإعلامية.
إن الحكومة الجديدة لا تشذ كثيراً في رأيي عن هذا المنحى العام من انخفاض سقف المطالب، ولما وصفتها في الأسبوع الماضي بأنها ‘حكومة معقولة ومتوازنة نوعاً ما من التكنوقراوط والوجوه المقبولة شعبياً وعالمياً’، فإنني قد أغفلت في غمرة الأحداث أن أؤكد على أن الطابع الغالب عليها هو الالتزام بنفس الانحيازات الاجتماعية الأساسية لنظام مبارك والجماعة من بعده، وليس أدل على ذلك من استمرار أو إعادة تدوير بعض الوجوه الوزارية السابقة… فليس من مجالٍ إذن للحديث عن تغييراتٍ جوهرية لبنية الاقتصاد وانحيازاته، وغاية ما هنالك (على الأقل في ما يتعلق بالتشكيل الوزاري) هو إدارة أكفأ وأكثر نزاهة (في ما نرجو!) مع تطعيم للوزارة ببعض الشخصيات ذات النفس اليساري والقومي.
مازال الصراع الاجتماعي غائباً، أو متوراياً في الخلفية، ولم تنجز الثورة خلال عامين أي تغييرٍ ثوري حقيقي وعميق يغير من بنية المجتمع وينعكس تأثيره على حياة الملايين، كالإصلاح الزراعي عقب ثورة 23 يوليو مثلاً، وليس أدل على ذلك من مقولة ان هذه الحكومة ما هي إلا إدارة انتقالية وان الانتخابات هي الفرصة للتغيير، فالثورات الشعبية لا تشتعل من أجل الاستحقاق الانتخابي الديمقراطي فقط، وإنما لخللٍ عميق في بنية المجتمع وتوزيع الثروة، وإننا حين نقبل فرحين باستعادتنا الحق الانتخابي فقط من الإخوان فإننا ننتصر للإصلاح الشكلي، بما يعيدنا لما قبل 25 يناير، وهو ما لا يجب، ولن يكون في رأيي.
لقد أعادتنا ثورة 30 يونيو إلى التاريخ، ولكننا مازلنا في أول طريق الثورة والتغيير. سوف يحصل الفريق السيسي على التفويض الشعبي الذي يرجوه ليشكل غطاءً له، والحقيقة أنه سيكون مديناً به للإخوان ومن وقف معهم، لما اتسموا به من عشى أثناء حكمهم وعمى الآن، يحجب عن عقولهم وأفهامهم إدراك أبعاد الصورة واستمرارهم في الحماقة، اللهم إلا إذا كانت هناك تربيطات وتحركات في الخفاء لا نعلمها مع أطرافٍ داخلية وخارجية.
لقد أسهم الإخوان برجعيتهم في إحباط وعرقلة الحراك الثوري طيلة حكم المجلس العسكري، ثم أجرموا بخفض سقف مطالب الثورة وتطلعات الناس… أرجو ألا يضيفوا إلى هذه السلسلة من الفشل إعادة إنتاج الأبطال الشعبيين و’المخلصين’ و’المنقذين’ الذين تهتف لهم الجماهير بالروح والدم…

‘ كاتب مصري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية