لندن – «القدس العربي»: هكذا وبتظافر الجهود سقطت محاولات الفريق العنصري الإسرائيلي بيتار القدس استجلاب اهتمام نادي برشلونة، واستغلال عوز النادي الكتالوني للمال ليستضيفه النادي الصهيوني مقابل حفنة من الدولارات.
ولعل هذا الانتصار لم يأتِ وليد الاحتجاج الفلسطيني فحسب، وإنما نتاج حراك متكامل لمناصري فلسطين الكثر ممن رفضوا إعطاء النادي صك الغفران بعدما أوغل في عنصريته.
بيتار القدس الجاثم على أرض فلسطين المحتلة، شكل لبرشلونة محطة مغرية للمنازلة، ليس فقط لكون مدرب برشلونة رونالد كومان هو شقيق إروين مدرب الفريق العنصري، ولا لكون المباراة غُلفت بشعارات وهمية تسويقية كالسلام والإنسانية، بل أيضاً لما سيدفع مقابلها من مال ترويجي غير مسبوق. هذا المال جعل برشلونة يتخلى عن اللعب مع فياريال الفائز بالدوري الأوروبي في الموعد ذاته على أرض القدس المحتلة، مقابل المباراة المزعمة مع الفريق العنصري الأول في العالم.
بيتار القدس استقدم ذات يوم لاعبين من البوسنة والشيشان، فلم يصمدا أمام حجم التحريض وهتافات الكراهية والحقد، وما تعرضا له من مشجعي النادي، فقررا الرحيل إلى غير رجعة. وهو الفريق ذاته الذي فكّر أحد المستثمرين العرب أمام نشوة التطبيع، لا أن يستثمر في فريق هلال القدس مثلاً، بل في بيتار القدس العنصري، ليلفظه جمهور النادي، ويشتمونه ويستهزئون بماله، إلى أن وصلت وقاحة هذا الجمهور للتعرض للنبي الكريم محمد عليه أحسن الصلاة والتسليم، ويتنمرون أكثر فأكثر على العرب وثقافتهم.
وعليه تسابق اتحاد الكرة الفلسطيني ومعه جيش من المحبين لبرشلونة والحريصين عليه للدفع باتجاه التضحية بهذه المباراة، ليس فقط مراعاة لموقف مشجعي النادي الكتالوني في معظم دول العالم الحر، والالتزام بقرارات الفيفا، وقرارات الشرعية الدولية التي اعتبرت القدس محتلة، بل أيضاً انتصار لمئات الأطفال والنساء الذين سحقتهم قذائف إسرائيل وصواريخها في حروبها واجتياحاتها في غزة والضفة.
لكن توجه برشلونة للأراضي المحتلة ليست خطوة مستغربة، فالنادي الكتالوني يحمل لقب الأعلى مديونية بين أندية العالم، وهو بحاجة ماسّة لضخ المال بأي وسيلة، إذ ما زالت إدارة النادي الجديدة تحاول معالجة كوارث الحالة الاقتصادية المستعصية التي خلفتها الإدارة السابقة وجائحة كورونا. فبعدما خفضت راتب نجمها الأول ميسي لأكثر من النصف في عقده الجديد، ورواتب معظم النجوم وبيع عددٍ من اللاعبين، توجه النادي إلى إقامة موسمه التحضيري في الدول التي توفر العائد المادي الأكبر. فكان الكيان الصهيوني من السبّاقين في دفع المال الأوفر لتنظيم العديد من المشاريع للنادي الكتالوني في الأراضي المحتلة، بُغية استخدام كرة القدم واسم النادي لتبيض صورته السوداء أمام العالم.
كانت البداية بإعلان برشلونة عن إقامة معرض تعريفي عن النادي في مستوطنة حولون جنوب تل أبيب في منتصف الشهر الجاري. تبع ذلك الإعلان عن مباراة «كلاسيكو الأساطير» بين أساطير برشلونة وريال مدريد في ملعب «بلومفيلد» في تل أبيب بتاريخ 20 الجاري. وكانت النهاية في نية إقامة مباراة ودية مع بيتار في القدس والتي ألغيت تحت الضغط الجماهيري الفلسطيني قبل الإعلان الرسمي عنها. ورغم إلغاء المباراة بشكلٍ رسمي، إلا أن الأخبار تتحدث عن استمرار المفاوضات بين رئيس النادي الكتالوني خوان لابورتا مع المنسقين من الاحتلال للخروج بالحل الأمثل للطرفين. إذ يمكن إقامة المباراة في تل أبيب مع نادٍ ليس اسرائيلياً على سبيل المثال. لكن مهما كانت صيغة الاتفاق أو الحل الجديد، فالأعذار ستبقى مرفوضةً رفضاً قاطعاً. فالجائحة طغت بعواقبها على الجميع، والمديونية العالية ترافق جميع الأندية العالمية. فالتعاطي مع الاحتلال وشعارك الأول هو ‘أكثر من مجرد نادٍ’ هو خيانة لذاتك ولهويتك التي ترافق مشجعيك. إذ لطالما عرفنا أن مدرسة وأكاديمية برشلونة «لاماسيا» والتي أنجبت ثلةً من أعظم لاعبي التاريخ كميسي وتشافي وإنييستا، تعلم الأخلاق والاحترام والإنسانية قبل لمس الكرة، وهو ما رأيناه طيلة مسيرة هؤلاء الأساطير. فمن يغلف نفسه بهوية الإنسانية ويعلمها في منهاجه يجب ألّا يخالف مبادئه ويتعامل مع احتلالٍ غاشم يقتل ويأسر ويصيب أطفالاً أبرياء يوماً تلو الآخر. لكن العالم اليوم مرٌ بطبعه، فالمال يحرق أكبر مبدأ وأكبر هوية. والمؤسف أن الجهود التي بذلت لم تتمكن من إقناع برشلونة بإلغاء المعرض وكلاسيكو الأساطير والمباراة الودية بشكلٍ نهائي. إذ يبدو المردود المادي عاليا جداً، لدرجة أن إدارة برشلونة نسيت مبادئها والملايين من جماهيرها التي تعارض هذا القرار.
لكن لا بد من الثناء على الجهود الجبارة التي بذلت لقتل فكرة إقامة برشلونة مباراةٍ ودية مع النادي الذي يفخر بعنصريته الأعلى بالعالم، آملين بضخ كامل الجهود لقطع علاقة النادي بالكيان المحتل قطعاً تاماً. فإن أقيمت المباراة على أراضي العاصمة الفلسطينية المحتلة ومع هذا النادي بالذات، ستشكل صاعقة غير مسبوقة على الساحة الرياضية العالمية، ولكانت حركةً في قمة السذاجة من النادي الكتالوني، إذ كان سيحظى بالمال الذي يريده لفترةٍ وجيزة، لكنه سيخرج من قلوب الملايين من الجماهير التي رافقت هوية وشعارات النادي الوهمية والكاذبة.