الإعلام القومي أراد العودة للشعب فجاءه بعض الإعلاميين ليسكتوا صوته ويتهمونه بالخيانة والعمالة

حجم الخط
1

القاهرة ـ ‘القدس العربي’ رغم كثرة الأخبار والموضوعات في الصحف الصادرة أمس الثلاثاء الأول من إبريل/نيسان فلم يكن من بينها ما يلفت الانتباه سوى خبر محاكمة مرشد الجماعة الدكتور محمد بديع وآخرون في قضية جديدة عن الاشتباكات التي حدثت أمام مسجد الاستقامة بالجيزة وأدت إلى قتل وجرح عدد من المواطنين.. اضافة الى قضايا اخرى، واستمرار انقطاع التيار الكهربائي، وتعهد وزير التربية والتعليم بتأمين امتحانات الثانوية العامة بالتنسيق بين الجيش والشرطة، وزيارة رئيس الوزراء المهندس إبراهيم محلب لمحافظة الوادي الجديد والموافقة على مشروع لاستصلاح مئة وخمسين ألف فدان وزراعتها اعتمادا على المياه الجوفية بعد تحديد كمياتها.
كما ذكرت الصحف الاجتماع الأول الذي عقده وزير الدفاع الجديد والقائد العام للقوات المسلحة الفريق اول صدقي صبحي مع قادة وضباط الجيش وتأكيده على أن عقيدة الجيش هي أمن مصر الوطني، ولا انتماءات سياسية له وهو جيش الشعب لا فئوية فيه ويقف خلف الشعب.
كما تم فتح باب طلبات الترشح لانتخابات الرئاسة وعمل التوكيلات لكل من السيسي وحمدين وسنخصص تقريرا اليوم بالكامل للاثنين.

حنين للعدالة الاجتماعية والانحياز للفقراء

ونبدأ تقرير اليوم بأبرز ردود الأفعال على إعلان السيسي ترشحه للرئاسة، حيث أصبح لدينا الآن مرشحان السيسي وصديقنا حمدين صباحي، وهو الأمر الذي أدى إلى خلافات ومعارك عنيفة بين الناصريين، فبعضهم يعتبر السيسي خليفة خالد الذكر مع تغييرات تتلاءم مع الواقع الجديد، والبعض يعتبر حمدين ممثل التيار، وأيضا مع تغييرات تتماشى مع ما حدث من تطورات في مصر والعالم. والأهم من الفريقين هو أن الغالبية الساحقة من المصريين التي لا تزال تعتبر خالد الذكر بطلها وممثلها رغم مرور أربع وأربعين سنة على وفاته، ترى عودته مرة أخرى في شخص السيسي. وهذه القضية غامضة التفسير لدى البعض، وهي ان الحنين لخالد الذكر هو حنين لاستقلال الإرادة السياسية ورفض أي هيمنة أجنبية عليها، وحنين لهيبة الدولة والقانون وحماية الوحدة الوطنية بين المسلمين والأقباط، ضد أي قوي متطرفة إسلامية أو مسيحية، وحنين للعروبة والوحدة والحنين كذلك للعدالة الاجتماعية والانحياز للفقراء.
أكدنا من قبل مرات عديدة تشكل روح الوطنية المصرية منذ ثورة مارس/اذار 1919 بقيادة مصطفى النحاس باشا، رغم خضوع مصر للاحتلال البريطاني إلى أن وصلت إلى ذروتها بقيام ثورة 23 يوليو سنة 1952 بواسطة الجيش، فأكملت ما بدأته الحركة الوطنية وحققت ما عجزت عن إنجازه، ومن هنا جاءت شعبيتها وشعبية الجيش، رغم بعض الأخطاء التي ارتكبها نظام عبد الناصر، أو وقع فيها الجيش وبعضها كان كبيرا ولا يمكن تبريره أو الدفاع عنه، لكن غفران الغالبية الشعبية لها دليل على أنها اعتبرت ثورة يوليو وزعيمها استمرارا لروح مصر الوطنية التي انكسرت، ورأت في الجيش والسيسي الأداة التي تقدمت لإصلاحها واعادتها إلى ما كانت عليه.
الجديد في الأمر هذه المرة أن السيسي يواجه منافسة في الانتخابات من مرشح ناصري أيضا وهو حمدين صباحي وكان لاعبا فاعلا في المشاركة مع الجيش، في الإطاحة بالإخوان مع كل الأحزاب والقوى الوطنية مثل، الوفد والدستور برئاسة الدكتور محمد البرادعي واليسار بأحزابه وقواه رغم ضعفها، بل وقوى دينية مثل حزب النور السلفي والأزهر وغيرهما، وهذه الظاهرة أدت إلى معركة وخصومات بين الناصريين انفسهم.
ومن المعروف أنه حتى أسرة خالد الذكر كانت قد تعرضت من قبل للانقسام فأيدت هدى عبد الناصر الفريق أحمد شفيق في الانتخابات السابقة ولم تؤيد حمدين، بينما أيده شقيقها عبد الحكيم، والآن انحاز حكيم إلى السيسي، كما أعلنت هدى أيضا الانحياز إليه، بل انها اتهمت حمدين بالتعاون مع الإخوان.

حمدين والسيسي يجلسان
على حجر جمال عبد الناصر

ما قالته هدى عبد الناصر أغضب ناصريا آخر هو زميلنا في ‘اليوم السابع’ سعيد الشحات فقال يوم السبت ردا عليها: ‘هدى عبد الناصر بنت أبوها، هذا وصف أطلقه البعض عليها في سنوات سابقة، ليس لأنها ابنة جمال عبد الناصر فقط، وإنما لأنها قاومت وحاربت كل من يشكك في سياسات جمال عبد الناصر ووطنيته في سيرتها الشخصية، ما يمنحها تحصين المحبة حين يتعلق الأمر بجمال عبد الناصر، لكن لا تحصين حين تدلو بدلوها في الأمور العامة، شأنها شأن المصريين عموما، حين تقول هي تصيب وتخطئ ومن هنا يأتي تقييم كلامها يوم الثلاثاء الماضي حول حمدين صباحي في برنامج العاشرة مساء للإعلامي وائل الإبراشي، الذي لم يأخذ هدنة بعد من تسخير برنامجه للهجوم على حمدين. من زاوية انك ابنة جمال عبد الناصر تغفلين حقيقة مهمة في معركة الانتخابات الرئاسية الحالية وللأسف يغفلها آخرون يذهبون نفس مذهبك وتبدأ من عدم إدراك معنى وقيمة أن جمال عبد الناصر هو الحاضر الأكبر في هذه الانتخابات أو فلنقل هو مرشحها الحقيقي.
أمامنا مرشحان واحد ناصري بجدارة الفعل والموقف والتاريخ وهو حمدين والثاني وهو السيسي يؤكد ناصريون وأنت منهم على انه ناصري وإذا صدق توصيفكم له على هذا النحو فنحن بذلك نكون أمام مرشحين ينتسبان إلى مشروع عبد الناصر، وبدلا من ان يكون هذا فخرا منك ومن ناصريين آخرين لرد الاعتبار للمشروع الناصري، وبدلا من التباهي بأنه رغم كل سنوات الهجوم الضاري على جمال عبد الناصر ينتهي الأمر الى أن المرشحين حمدين والسيسي يجلسان على حجر جمال عبد الناصر. أقول بدلا من التباهي بذلك تتحدثين بلغة يبدو منها وكأن حمدين لم يكن يوما مناضلا ناصريا وتتجاهلين أنه أصبح رمزا ليس للتيار الناصري فقط وإنما رمزا وطنيا حقيقيا. من زاوية أنك أستاذة للعلوم السياسية تقولين ان حمدين يتخالف مع الوفد وبقدر ما يعبر قولك عن رؤية مزاجية أكثر منها سياسية أسألك إذا كنت ستظلين من المرشحين الآخرين رفض تأييد الوفد له أم لا ؟ ولا هيَّ الحكاية حرام على حمدين وحلال على غيره؟ وأخيرا رغم مشروعية تساؤلك من أين تنفق حملة حمدين؟ ورغم ان كل واحد في حملته يفتخر بأنه ينفق من جيبه، أتمنى أن تتوجهي بسؤالك إلى آخرين حتى نتحقق من تحذير جمال عبد الناصر بخطر زواج الثروة بالسلطة’.

دولة ناصرية بامتياز رغم غياب عبد الناصر

أما زميلنا في ‘الأهرام’ الأستاذ في الجامعة الأمريكية الدكتور جمال عبد الجواد فقد كتب مقالا يوم الأحد في ‘الوطن’ قال فيه عن السيسي وحمدين: ‘سيظل السباق الرئاسي محصورا بين عبد الفتاح السيسي وحمدين صباحي وكلاهما له ملامح ناصرية، الخلفية العسكرية والانتماء لمؤسسات الدولة المصرية هي من أهم مؤهلات عبد الفتاح السيسي، ضاق الأمر بالمصريين بعد أن تغلب الإخوان وأتضح أن النخب السياسية المعارضة محدودة الحول والقوة، فتطلع الناس للجيش يبحثون عن السند والنجدة. لم يتأخر الجيش عن الاستجابة لمطلب الناس فأصبح قائده بطلا ومرشحا لرئاسة الجمهورية عبد الفتاح السيسي القادم من قلب جهاز الدولة المصرية، الذي أسسه عبد الناصر هو ابن جهاز الدولة يحمل ميراثه ويتمتع بدعمه. جمال عبد الناصر لم يكن مشروعه لبناء الدولة فقط بل كان توجهه اقتصاديا واجتماعيا يعلي شأن البسطاء ويراعي حقوقهم. عبد الناصر هو صاحب الأيديولوجية الاشتراكية التي وعدت الفقراء بجنة الله على الأرض. منح عبد الناصر المصريين تعليما وعلاجا مجانيا ووظيفة مضمونة في نهاية سنوات التعليم وأمانا وظيفيا مطلقا غير مرتبط إلا قليلا بالأداء والالتزام. منح ناصر المصريين كل هذا فأحبوه فظل الرمز السياسي الباقي، رغم مرور العقود الطويلة على رحيله. الأهم من رمزية ناصر الباقية هو مواصلة تعلق قطاع كبير جدا من المصريين بسياساته فاعتبروها السياسات الوحيدة الصحيحة التي على الحاكم الالتزام بها، إن كان له أن يحظى بتأييدهم منح عبد الناصر الناس الكثير من الخدمات والأمان الاجتماعي ولم يطلب منهم أن يسألوا عن التكلفة العالية لمكاسب ناصر الاشتراكية. لدينا جهاز دولة ناصري التأسيس والحجم والدور، ولدينا شارع تهمه السياسات الناصرية ولهذا فإننا دولة ناصرية بامتياز، رغم غياب عبد الناصر ورغم تقلب الحكام وتغير السياسات. المرشحان المتنافسان على رئاسة مصر في الانتخابات المقبلة يعكسان هذه الحقيقة بدقة شديدة تحدى الإخوان المجتمع كله فتصدى لهم الجميع، لكن العناصر الناصرية في الدولة والمجتمع كانت الأبرز في المواجهة إعادة إنتاج الحقبة الناصرية رغم أن ميراثها ما زال يعيش معنا هو من ضروب المستحيل، التوفيق بين ميراث ناصري وحاضر تجاوز الناصرية بأميال هو التحدي الذي يواجه السيسي وصباحي ومعهما مصر كلها’.

الشعب المصري حاضر للدفاع عن أهداف ثورته

وإذا انتقلنا إلى ‘الأهرام’ عدد يوم الاثنين سنجد رئيس مجلس إدارتها المفكر الاقتصادي المرموق وزميلنا احمد السيد النجار يتناول الموضوع بقوله: ‘تواجه مصر لحظات فارقة في تاريخها الحديث وفي مسار ثورتها التي أزاحت قمم نظام مبارك، وما زالت تناضل من أجل إزاحة ما مثله ذلك النظام من فساد وقمع وظلم اجتماعي، وأزاحت كابوسا آخر للفشل والتخلف والطائفية والمتاجرة بالدين والظلم الاجتماعي أيضا متمثلا في حكم الإخوان، وهذه اللحظة ستحدد مستقبل الوطن سنوات طويلة قادمة فبعد أن أقرت مصر دستورا جديدا يمثل الإطار القانوني لبناء النظام السياسي والاقتصادي والاجتماعي الجديد، ها هي تطرق أبواب الانتخابات الرئاسية التي ستحدد رأس السلطة التنفيذية، ليكتمل عقد النظام السياسي بالانتخابات البرلمانية بعد ذلك، والرئيس القادم أيضا سيكون محاطا بشعب حاضر للدفاع عن أهداف ثورته التي لم تتحقق ولن يكون بمقدوره أيا كان اسمه أن يعيد إنتاج نظام الرئيس المخلوع مبارك أو الرئيس المعزول محمد مرسي.
ومثل هذا الشعب لا يمكن حكمه إلا من خلال رئيس يحترم ويحقق ما يناضل الشعب من أجله، حرية تحفظ حقوق وكرامة الإنسان، وتنمية اقتصادية شاملة ترفع مستويات الدخل والمعيشة وتخلق الوظائف للعاطلين وتكافح الفقر، وعدالة اجتماعية توزع الدخل وتعيد توزيعه لتحقيق العدل عبر سياسات متنوعة في مجالات الأجور والضرائب والصحة والتعليم والدعم والتحويلات، وحتى الآن يبدو أن أهم مرشحين في الانتخابات الرئاسية هما السيدان حمدين صباحي وعبد الفتاح السيسي، وعلى الأرجح سيكون السباق الرئاسي الحقيقي مقصورا عليهما مهما كان فارق القوة والشعبية الحقيقي’.

البرادعي فضل الخروج من الساحة مبكرا

وفي ‘الصباح’ الأسبوعية المستقلة استبعد رئيس تحريرها زميلنا وائل لطفي نجاح أي مرشح ينتمي للإخوان أو لنظام مبارك وأضاف: ‘نحن إزاء بديل ثالث في كل الأحوال، وإن كانت الخطوط العامة تقول ان عبد الناصر ينافس عبد الناصر في الانتخابات القادمة وإن كانت التفاصيل الصغيرة لا تقول ذلك تماما، فالمشير السيسي وفق ما هو معلن متأثر بالزعيم جمال عبد الناصر سياسيا وإنسانيا، ومفاهيم مثل العدالة الاجتماعية واستقلال القرار الوطني تحتل أولوية كبيرة في خطابه المعلن أو في برنامجه الانتخابي.
أما حمدين صباحي فهو أبرز سياسي أنجبه التيار الناصري منذ بدايته كطالب جامعي حتى الآن. البديل الثالث بين الإخوان وفلول الحزب الوطني كان يمكن أن يتسع ليشمل التيار الليبرالي وربما كان المنطقي أن تكون المنافسة الرئيسية بين المشير السيسي مثلا بما يمثله كرجل دولة ذي توجه ناصري وتاريخ عسكري، وبين مرشح مثل د. محمد البرادعي مثلا، لكن البرادعي فضل الخروج من الساحة مبكرا، كما أن قواعد التيار الذي يمثله اختارت فعليا الانضمام للإخوان المسلمين، ومن ثم عدم الاعتراف وعدم المشاركة في الانتخابات باستثناء عناصر بعينها قررت الانضمام لمعسكر حمدين صباحي باعتباره مرشح التغيير في هذا الإطار يبدو لافتا، تصريح مؤسس جماعة 6 إبريل بأنه لن يعصر الليمون مرة أخرى ويصوت لحمدين صباحي، وعصر الليمون مصطلح يرى به أن تعطي صوتك لمرشح نكاية في خصمه وليس اقتناعا به’.

برنامج عن حمدين يثير بعض الإعلاميين

وإلى نوع اخر من المعارك حول ترشح السيسي وحمدين دارت يوم الاثنين أيضا وحذرت من تصرفات بعض من يدافعون عن السيسي. التحذير جاء من زميلنا في ‘الجمهورية’ عبد الجواد حربي الذي اندهش من غضب البعض من التلفزيون لعرضه برنامجا عن حمدين بعد إذاعته كلمة السيسي فقال: ‘ما أن أعلن المشير عبد الفتاح السيسي بيانه للترشح لانتخابات رئاسة الجمهورية مساء الأربعاء الماضي عبر التلفزيون المصري، وأعقبها برنامج عن منافسه حمدين صباحي حتى انبرت ألسنة إعلاميي الزمن الغث عبر فضائيات رجال الأعمال يلومون التلفزيون المصري ويوبخون المسؤولين عنه ويتهمونهم بالجهل والتخلف، بل وصل بعضهم إلى حد الاتهام بالعمالة لجماعة الإخوان الإرهابية، لا لشيء إلا لأنهم سمحوا بعرض دقائق يظهر فيها صباحي المنافس الوحيد للسيسي حتى الان، أي والله، وهنا يسأل أي عاقل ماذا تريدون من الإعلام القومي صحافة وتلفزيون إذا التزم الحياد بين أبناء الشعب وطرح وجهتي النظر.
سنوات طويلة يدفع فيها الإعلام القومي من أعصاب أبنائه ثمنا غاليا لانحيازه على طول الخط لحكومات فاسدة ونظام أكثر فسادا رغم انفه وانف العاملين به، وعندما ثار الشعب على هذا النظام وأراد الإعلام القومي العودة للشعب والحديث باسمه وأن يصبح لسان حالة جاء وللأسف الشديد من بين من يدعون أنهم إعلاميون ليسكتوا صوته والتزامه وحياديته المهنية بل ويتهمونه بالخيانة والعمالة’ .

إدارة فروع الجيش شيء وإدارة الدولة شيء آخر

والى ‘المصريون’ دعانا الكاتب حسام فتحي الى فنجان قهوة سادة:’ قبل أن يرتشف الرشفة الثانية من فنجان القهوة ‘السادة’ الذي يفضله، باغتُّه بسؤال، أعلم ويعلم جميع اصدقائنا أنك منحت صوتك لصديقنا حمدين صباحي في الجولة الأولى من انتخابات الرئاسة التي فاز مرسي بها.. فماذا ستفعل هذه المرة؟
وضع صديقي فنجان قهوته على طرف مكتبي بهدوء يفوق هدوء عماد أديب، ونظر لي نظرة الواثق الذي تجهز جيدا للرد على السؤال، وانحنى للأمام قليلا ليضع عينه في عيني مباشرة وهو يقول:’توقعت أن تسألني هذا السؤال قبل ايام، لكنك لم تفعل، واليوم أؤكد لك أنني ايضا سأعطي صوتي لحمدين صباحي للمرة الثانية، ولدي في ذلك 3 مجموعات من الاسباب، تتعلق الاولى بحمدين والثانية بالسيسي والثالثة بمصر، أما ما يتعلق بصديقنا الصحافي حمدين صباحي فأنت وأنا نعلم تماما تاريخه النضالي، ونقاءه الثوري، وكفاحه الطويل من اجل مصر افضل، اضف لذلك انحيازه الى الفقراء، وامتلاكه برنامجاً انتخابياً حقيقياً ومتكاملاً يستحق الاحترام.
وأما ما يتعلق بالسيسي فأنا لا أحبذ اطلاقا استمرار حكم مصر بواسطة شخصية عسكرية، ورغم عدم وجود ما يدين التاريخ العسكري للرجل، فإن إدارة فروع الجيش شيء، وإدارة الدولة شيء آخر.
أما الجزء المتعلق بمصر، فنحن بحاجة الى رئيس مدني منتخب حتى نستطيع ان نتعامل معه، من دون ان تكون عيوننا على الجيش، وعقولنا تخشى ردود أفعاله عند أي خلاف مع الرئيس، كما ان مصر بحاجة الى رئيس يتوافق عليه جميع المصريين، ولا يعاديه فصيل على حساب السلام الاجتماعي.
قاطعته ممازحا: يبدو أننا سنختلف مرة أخرى يا صديقي، وسيكون ردي على اختيارك لحمدين هو نفس اسباب هذا الاختيار.
فأولا.. لا خلاف على نقاء حمدين الثوري، ولكن هل تعتقد ان المرحلة التي وصلنا اليها تحتاج فقط الى ‘ثوري نقي’؟.. هل تظن ان مجرد انحياز حمدين للفقراء يجعله قادرا على انتشالهم من الفقر؟.. وهل برنامجه الانتخابي الذي أعلنه قبل عامين، سيتمكن من تطبيقه اليوم؟ وهل سيمتلك ادوات قمع الإرهاب واستعادة سلطة وهيبة الدولة اللتين بتنا نشتاق إليهما؟.
وألا ترى معي أن حجم الانفلات الذي وصلنا إليه، وتوغل الإرهاب والعنف الحاصل في حياتنا يستدعيان شخصاً بمواصفات السيسي وخلفيته العسكرية؟.. وألا يكفيك لتثق بالرجل أن تتذكر موقفه ضد الإخوان وانقاذه لمصر من حرب أهلية شارفت على الوقوع؟
ألا تظن أن مسألة ‘الرئيس المدني الضرورة’ يمكنها الانتظار قليلاً، حتى تستعيد مصر توازنها، وتعود للأحزاب عقولها، وتستقر بوصلات السياسيين نحو هدف واحد هو ‘إنقاذ مصر’، ابتسم صديقي وهو ينهض للحاق بموعد مهم، وقال: ليتنا جميعاً نتحاور بعقلانية، طالما أن كلا منا لديه وجهة نظر مقبولة، ثم يولي الله الأصلح لمصر، فأياً كان اسمه ستكون قلوبنا وعقولنا وسواعدنا معه، فالحمل ثقيل، والصعوبات شديدة، والعقبات كؤود.
وحفظ الله مصر وشعبها من كل سوء’.

اردوغان لن يخاف من دولة تحتضر اقتصاديا

وما ان انتهينا من شرب فنجان القهوة حتى انتقلنا الى مكتب زميله محمود سلطان:’قلت يوم 30/3/2014، أنه ليس ثمة مشكلة لأردوغان مع مصر، وأنه لا علاقة له بالإخوان، وتعود مواقفه الخشنة الأخيرة، إلى قلقه من ‘شرعنة’ حركة جنرالات 3 يوليو دوليا، وسكوت العالم عليها، لأنها ـ والحال كذلك ـ قد تشجع جنرالات تركيا على القيام بحركة مشابهة ضده، وضد ‘الديمقراطية النضالية’ في بلاده التي ما زالت مهددة بتراث ثقيل وخبرات متراكمة من الانقلابات العسكرية.
‘أردوغان زعيم سياسي ناجح، ولا يضاهيه أي قيادة سياسية في العالم العربي حاليا.. ولا يمكن أن يكون تحت تأثير’الغيرة’ من السيسي في مصر مثلا.. وجعل بلاده عاشر أقوى اقتصاد على مستوى العالم، وبالتالي فلا يمكن أيضا أن يكون خائفا أو تحت تأثير الفزع، من دولة تحتضر اقتصاديا مثل مصر، وتعيش ـ وبشكل مخز ـ في غرفة الإنعاش المالي الخليجي وحسب.علام يعادي أردوغان مصر إذن؟
الحملة الإعلامية المصرية عليه، كانت من قبيل ‘الخبل’ الذي لا تفسير له إلا ‘الجهل’ أو ‘التزلف’ للسلطات العسكرية الجديدة، أو التمسح في التطرف الوطني الزائف الذي لا يقوم على أية أسس موضوعية.
المدهش أن النخبة الموالية، انحازت إلى جماعة ‘فتح الله كولن’، ضد أردوغان، وهو انحياز يعكس حجم الجهل، والشلل العقلي، وعجزه عن فهم الصراع بين القوتين.. رغم أن أردوغان خاض معركة تكسير عظام مع كولن، تشبه إلى حد كبير معركة القوى المدنية والنخبة العسكرية ضد الإخوان في مصر.
ولم يسأل المثقفون المصريون، كيف لجماعة ـ كولن ـ’ ذات أصول صوفية محضة، استطاعت ان تخترق أدوات الدولة الباطشة في تركيا، مثل القضاء والشرطة والإعلام.. وعندما اختلفت مع أردوغان، وظفت كل هذه الأدوات لتصفيته معنويا وسياسيا وزجت بنصف رموز نظامه في السجون.
أردوغان واجه ‘الكولنة’ في أسوأ صورها المناهضة لمفهوم ‘الدولة الوطنية’.. وأنقذ بلاده من هيمنة جماعة دينية ‘غامضة’ وتمتلك شبكة علاقات دولية مريبة، ولها جهاز أمني سري يتقاطع مع أجهزة أمنية إقليمية وعابرة للقارات، ووثيق الصلة بالموساد الإسرائيلي.
حراك 30 يونيو في مصر، يزعم بأنه تأسس لمواجهة ‘الأخونة’.. وتأسيسا على هذا ‘الزعم’، فإنه كان من الطبيعي أن يسعده ما فعله أردوغان ضد ‘الكولنة’ في تركيا.. على أساس ـ بحسب حيثيات 3 يوليو ومزاعمها فيما بعد ـ تطابق التكتيكات التنظيمية بين ‘الأخونة’ في مصر و’الكولنة’ في تركيا للهيمنة على كل مفاصل الدولة وتأديب المعارضة من خلالها.
كان بالعقل وبالمنطق أن يلقى ‘اردوغان’ الدعم من مصر.. وليس تجريحه وشتمه واتهامه بأنه إخواني كابرا عن كابر.. ولكن ماذا نفعل إذا لم يفهم البقر على حد وصف الزعيم الوطني الراحل سعد زغلول’.

على مصر ألا تنعزل عن محيطها الخارجي

ومن ‘المصريون’ الى ‘الشروق’ ومقال الكاتب عمرو خفاجي عن العالم الذي يتغير يقول:’ من الانتقادات الكلاسيكية التي توجه للحزب الديمقراطي في الولايات المتحدة الأمريكية، أن سياسته الخارجية أثناء وجوده في البيت الأبيض تتسم دوما بالارتباك وعدم الوضوح، وغالبا ما تنتهي بخذلان موقف الولايات المتحدة على الصعيد العالمي، على العكس تماما من منافسه التقليدى الحزب الجمهوري، الذي يقود دوما سياسة خارجية تعبر عن العملاق الأمريكي القوي، وحينما تفجرت الأزمة الأوكرانية عادت من جديد هجمات الكتاب والمحللين على الرئيس أوباما وعلى تعامله مع الموقف، بعضها وصل إلى الطعن في كفاءته وكفاءة فريقه، وهي الهجمة الثانية، التي يتعرض لها أوباما وحزبه في فترة قصيرة بعد موقف البيت الأبيض من الأحداث في سوريا وخاصة مع تصاعد أزمة استخدام الأسلحة الكيماوية، التي وصلت لقيام الرئيس الأمريكي بإعلان قرب قيام بلاده بتوجيه ضربات عسكرية مؤثرة لنظام بشار الأسد. إلا أن الكاتب الشهير فريد زكريا كتب مقالا مهما هذا الأسبوع في ‘الواشنطن بوست’ يطرح رؤية مغايرة تماما لما استقرت عليه الصحافة الأمريكية تجاه الأزمة الأوكرانية، وقيام روسيا بضم القرم لها، حيث انتقد زكريا كل نقاد أوباما وسياسته الخارجية، كاشفا عن دقة العمل الذي يقوم به الرئيس الديمقراطي وفريق عمله، ومؤكدا، وهذا هو الأهم فيما كتب، أن العالم تغير، ولا يجوز أن تتعامل أمريكا مثلما كان يتعامل العالم مع مثل هذه المشاكل في بداية القرن الماضي، وأن أوباما يملك وعيا كاملا بحقيقة اللحظة، فنظريا، كما يقول زكريا، إن حروب الحدود انتهت منذ زمن، وأن جميع نظريات الصراع التي تشرحها قد سقطت، وبالتالي إن ما تقوم به أمريكا، في هذا الصراع هو الصواب، وأن هذه هي الحداثة السياسية المطلوبة… إن الحاصل في القصة الروسية الأوكرانية، أعتقد أنه يجب أن يشغلنا، وأن نتابعه، ونتشابك معه، بالشكل الذي يحافظ على مصالحنا ويرسخ مكانتنا على الساحة الدولية، وأعتقد أن الفرصة تبدو سانحة لنا الآن، رغم الانشغال بالهم الداخلي، فليس معنى حالة التغيير، التي تعيشها مصر الآن، أن تنعزل عن محيطها الخارجي، وأن تتوقع في توقيت الذهاب لاختيار رئيس جديد، فلدينا مؤسسات عريقة مثل الخارجية قادرة على أن تصوغ مثل هذه المواقف التي أصبحت لازمة لتحديد مكانتنا وسط هذا العالم، الذي يبدو أنه يتغير فعلا، حيث صارت شراسته وقبحه وتوحشه، في غاية الأناقة والإنسانية، لكنه مازال شرسا وقبيحا ومتوحشا وعلينا مواجهة كل ذلك بما يحقق مصالحنا’.

متى نعرف أن نكون جزءا
من هذا الكون والفضاء الواسع

و’اخيرا مع الكاتبة خولة مطر في ‘الشروق’ عدد اليوم نفسه تتحدث عن الوطن الذي لا يحافظ على ابنائه فيرمي بهم الى البحر والمجهول:’ أشباح المدن تلاحقهم أو ربما هم من يحملها في حقائبهم المتخمة بما لذ وطاب من هناك.. هم القادمون أو النازحون أو الهاربون من الفقر والعوز والبطالة في قراهم أو حتى مدنهم المكتظة.. يرتحلون منذ عقود إلى مدن النور.. أو هكذا يقولون حيث فرص العمل أو التعليم والصحة كلها تتحملها الدولة أو بعضها حتما. من الجنوب إلى الشمال يهاجرون وعندما يحطون برحلاتهم ينبشون تلك المدن شبرا شبرا.. يتجولون ليتلاصقوا معا.. ربما بحثا عمن يشبههم أو ربما حنينا لذلك الوطن الذي لم يعرف كيف يحافظ على أبنائه فرماهم للبحر والمجهولين.. وعندما يستقرون يكونون مدنهم الخاصة.. عالمهم الذي يعيدون صياغة تلك البقعة لتصبح شبيهة بالوطن الذي كان ليس كل الوطن بل ربما تلك القرية النائية فى باكستان أو بنغلاديش أو صعيد مصر أو البلدة النائية في الجزائر والمغرب أو جبال اليمن.. كلهم يعيدون صياغة ذاك الذي كان وطنا. يتمسكون به رغم أنهم سعداء بالحرية وبعض رغد العيش الذي يوفره الوطن البديل.. يريدون أن يفترشوا الشوارع وينشروا مكبرات الصوت فوق كل حائط.. ثم يرفضون ذاك الوطن أيضا. إنه لا يشبهنا.. يكررون، ثم يعيدون على أبنائهم رؤيتهم الضيقة لكل ما هو كان ــ الدين أو الأرض أو الأخلاق أو الفضيلة ــ من هناك…
يعيشون ازدواجية تبدو أحيانا وكأنها شكل من أشكال الانفصام. يفزعك أن تجد عناوين الصحف البريطانية تتحدث عن ختان الإناث فى برمنغهام… رغم أن القانون يجرم هذه العادة. تأتيك الأرقام والحوار المطول ربما لأنه عند اقتراب موسم الصيف.. يعود هؤلاء ما كان الوطن ‘ليطهروا’ أنفسهم وليعلنوا للجميع أن الوطن البديل لم يغيرهم.. بل إنهم أكثر تمسكا بالعادات والتقاليد!! يفزعك عدد الفتيات اللاتي كبرن في ربوع برادفورد، كرويدون، أيلنغ، كامدن، يقتربن كل صيف من عالم لا يعرفن عنه شيئا ليزوجن لرجال من نفس القبيلة أو العائلة صونا للشرف كما يفهمونه.
فى المقابل يزداد العداء لهم. يطرح السؤال المكرر، إن لم يكن نمط حياتنا يعجبكم فلماذا تهاجرون بالمئات وتأتون إلينا محملين بالكثير مما هو بعيد عن ثقافة الكون.. أو حتى لماذا تأخذون ما تشاءون وترفضون كل ما يرتبط بالحقوق الأساسية لأبنائكم قبل الآخرين. تتجول في مناطقهم في لحظة تتصور أنك لم تغادر ذاك الشارع الضيق والمترب في تلك البلدة البعيدة… المحال بلافتات بلغات مختلفة من الأوردو، للعربية، للفارسية أو الهندية.. لا شيء باللغة الأم لذاك البلد الذي نزحوا إليه.. نقلوا عالمهم إلى هناك بكل تفاصيله.. أبقوا نساءهم حبيسات تقاليد بالية وغلفوها كالعادة بالدين. وقفوا على حافة العالم لا هم هنا ولا هم هناك.. أرسلوا أبناءهم إلى عالم جديد ثم قرروا إعادتهم إلى القمقم.. ضاع الأبناء بين العالمين فرحلوا يبحثون عن الهوية فكان أن تلقفتهم شبكات التواصل الجديدة واستغلهم الآخرون لنشر فكر التكفير كما نشرت ‘الفاينانشال تايمز’ مؤخرا. ضاع الجيل الثاني والثالث بين العالمين.. فكان أن انتشر الجهل أكثر.. متى نعرف أن نكون جزءا من هذا الكون والفضاء الواسع… متى نفتح النوافذ لأبنائنا ليتعلموا وينموا ويتحرروا من كل ذاك الجهل… متى نترك فتياتنا ليكبرن دون ختان أو زواج مبكر… حينها فقط سنلتحق بركب الكون والإنسانية أما قبل ذلك ونساؤنا حبيسات الجهل فلا مستقبل لنا هنا أو هناك’.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية