الإعلام المصري وحراك العشرين من سبتمبر حرب الأخطاء المكررة

محمد جاد
حجم الخط
0

القاهرة-“القدس العربي”: تمر هذه الأيام ذكرى السنة الأولى لحراك الشعب المصري في العشرين من ايلول/سبتمبر، حسب الدعوة التي طالب بها الفنان ورجل الأعمال المصري محمد علي، بنزول المصريين إلى الشارع للخلاص من النظام السياسي القائم. وبالطبع سبقت هذا العام العديد من الاتهامات المعهودة التي لا يمل الإعلام المصري من توجيهها لأي شخص يُعارض ما يحدث على الساحة المصرية، مع نسيان أو تناسي الأوضاع الاقتصادية المريرة التي يعاني منها جموع المصريين. ولعل أبرزها مؤخراً القرارات التي أصدرها نظام السيسي بشأن التصالح في العقارات بحجة المخالفة في البناء. وجاء يوم العشرين وبالفعل نزل الناس إلى الشارع منددين بنظام حاكم متسلط، مطالبين بإسقاطه، والجديد هذا العام أن الأمر لم يقتصر على اليوم الموعود، بل امتد حتى كتابة هذه السطور، وما سيحدث لم يزل في علم الغيب. وبالنظر إلى تعامل وسائل الإعلام المصرية على اختلافها، نجد أن الإعلام الموالي للنظام والمؤتمر بأمره، لم يزل يلعب لعبته الخائبة، من إنكار ما يحدث على أرض الواقع، بل وصمّ الآذان بإنجازات وهمية، مما زاد من احتقان الشارع، وهو ما ساعد على تواصل التظاهرات حتى الآن في أماكن كثيرة من محافظات مصر. على الجهة الأخرى يحاول الإعلام المصري الموازي ــ العميل والمأجور حسب الإعلام الرسمي ــ التفاعل مع الأزمة، وشحن الجماهير حتى تنزل إلى الشوارع، ليتحول الحراك إلى ثورة أخرى تحاول تصحيح الأوضاع، ومحو سبع سنوات عجاف لم يعش المصريون مثلها من قبل في العصر الحديث.

المتغافلون

يتغافل الإعلام الرسمي قاصداً عما يستشعره المصريون ويعيشونه من مأساة، وهم في سبيل ذلك ينتهجون نهجاً لم يعد يجدي، فالصحف المصرية في عناوينها اليومية على سبيل المثال لا تذكر سوى أخبار وإنجازات السيد الرئيس، ومجهوداته لتوفير الحياة الكريمة للسيد المواطن المبجل. أما الفضائيات وبرامج التوك شو فأربابها يصنعون للشعب عدواً وهمياً ــ جميعهم يرددون الكلام نفسه أو منشور التوجيه المعنوي التابع للجيش ــ متغافلين عمداً عن نوعية المتفاعلين مع دعوة سبتمبر، فهم أصحاب مشكلات حقيقية، مسّتهم بالفعل في حياتهم وأرزاقهم، دون عبارات قد لا يعيها الكثيرون من هذه الفئة ــ مسميات أخرى لمطالبهم ــ كالحرية والديمقراطية. فالفئة الثائرة هذه المرّة، والتي كانت قاعدة أساسية للإعلام الرسمي، كفرت بما يُقال، وأصبحت كلماتهم تزيد من غضبهم وتؤكد موقفهم.

عواجيز الفرح

من ناحية أخرى لم نسمع ركزاً لما يسمون بالأحزاب أو الحركات والتحالفات الثورية، ليبرالية، إسلامية، أو حتى الشخصيات التي كانت موهومة بتأثيرها على الناس، فالجميع ملتزم الصمت، وتتجسد المفارقة في أنه وقبل العشرين من ايلول/سبتمبر بأيام، كان هناك اجتماع لما يُسمى مجازاً بالأحزاب، حتى يتم الاتفاق على ترشح ممثليهم في انتخابات مجلس النواب القادم! هذه المشاركة الخائبة في نظام قمعي لا تعد أن تكون جريمة بدورها في حق الناس.

الحاقدون

ونأتي للدرجة الثانية من المخلوقات المحسوبة كأعداء للنظام ــ هم أعداء له بحق ــ ولكن أن تكون مبادرة التغيير خارجة عنهم وعن جدلهم وسفسطتهم، وتأففهم من الناس، الذين يدافعون عنهم ليل نهار على الفيسبوك والمقاهي والبارات، فالأمر غير مقبول، فأصبحوا بدورهم عبئاً على ما يحدث في الشارع الآن، وما كلماتهم إلا تصديرا للإحباط، والإيعاز بعدم جدوى ما يحدث، حتى أن أحد المدافعين عن حقوق الإنسان، والتابع لمسميات حقوقية، لا يجد في الحراك سوى فرصة لإسماع النظام صوت الناس، وأن الأهمية تعود إلى توثيق الانتهاكات وحالات وعدد المقبوض عليهم، حتى لا تسقط ذاكرة الوطن!!

البهلوانات

وبجانب الوجوه المألوفة في فضائيات النظام، التي أصبحت كخيل الحكومة، تأتي سياسة الإلهاء، بتصدير وتضخيم بعض الأخبار والقضايا التافهة، معظمها ذات طابع جنسي، كرجل اكتشف أن زوجته تخونه وأن أطفاله الثلاثة ليسوا أولاده، وسؤال آخر قد يقلب المجتمع المصري في لحظة .. فهل سيتزوج “الداعية الإسلامي” ــ مش عارف مين اللي سمّاه كده ــ معتز مسعود “نسخة عمرو خالد الما بعد حداثية” من الفنانة التائبة العائدة ــ واللي ممكن تتوب تاني ــ حلا شيحة، خاصة بعد تصريح تصدر العديد من المواقع من والدها الفنان، بأن مسعود لم يطلبها منه رسمياً؟ وما موقف هالة صديقي بعد نجاحها في إثبات نسب أولادها؟ وما مصير طفلة أحمد وزينب؟ وما موقف زينة من أحمد عز، خاصة وأنه يُطالب بتعويض مليون جنيه؟ وما هو سر الخلاف بين أحمد الفيشاوي ومحمد رمضان؟ ممكن نقعد نحكي للصبح، بس كفاية كده.

إعلام الدرجة الثالثة

ولكن .. هل سيصمت النظام أمام ما يحدث؟ بالطبع لا، فهو بدوره يعد العدة، ويستعد بحشود مؤيدة للرئيس في مقابل الآلاف المتفرقة في بعض محافظات مصر ــ لاحظ أن الحراك حتى الآن لم يبدأ من المدن الكبيرة ــ وهنا لابد وأن نتوقف عند خدم النظام من الفنانين والمشاهير ــ كومبارسات كل نظام حاكم ــ وقد ظهر ذلك في كلمات بسيطة عن الأب القائد، وتحت شعارات توحي بالغثيان، مثل .. “كل الشعب معاك” و”لست وحدك” حبيبها. وكأن الرجل أحد الأيتام، أو من أصحاب الإرادة والتحدي. وبالطبع كما تم التلاعب وتصوير كارثة 30 حزيران/يونيو، فسيكون هناك عرض مسرحي ضخم، يتم من خلاله تعريف العالم بمدى العشق الأبدي لراعي الغلابة والمساكين.

التافهون

لعبة أخرى تفتقت عن ذهن النظام العبقري ابتكارها من خلال الفيسبوك ويوتيوب، فبخلاف الذباب الإلكتروني المعهود، فالخطة الجديدة أن تكون الحرب من الداخل، وذلك بنشر مقاطع قديمة من ثورة كانون الثاني/يناير 2011 والحديث على أنها تحدث الآن، وتركيب شريط صوت من التظاهرات الحقيقية، والتي تنادي بسقوط السيسي ورفاقه، وبالطبع مَن سيرى هذه الحشود وملابسها الشتوية سيكتشف الخدعة، ويعرف من دون عناء بفبركة الفيديو، وبالتالي لا توجد تظاهرات من الأصل، أو أنهم على أكثر تقدير قِلة قليلة، لا قيمة لها ولا وزن. وهي لعبة أكثر تفاهة من أصحابها.

وفي الأخير .. سيستمر إعلام النظام في تكرار الأخطاء، ولن يتعلم، لأنه لم يُحاسب عما فعله من قبل، وربما في الأيام أو الشهور المقبلة يتغير الحال .. ربما.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية