الحريات في مصر: “الأخ الأكبر” وصناعة المواطن الصالح

محمد جاد
حجم الخط
0

القاهرة ــ “القدس العربي”: “عدد السجون في مصر حالياً 54 سجنا بالإضافة إلى 320 مقر احتجاز داخل أقسام ومراكز الشرطة، أما أماكن الاحتجاز غير المعروفة والسرية فلا يعرف عددها. يقدر عدد المسجونين السياسيين في مصر بحوالي 60 ألف سجين ومحبوس. بلغ إجمالي الانتهاكات 5418 انتهاكاً، شملت تنفيذ حكم الإعدام على 14 مواطنا، في قضايا ذات طابع سياسي. وإحالة 143 مواطنا إلى المفتي. الحكم على 173 مواطنا بالإعدام من محاكم الجنايات، و25 مواطنا بالإعدام من المحاكم العسكرية، و39 آخرين بالإعدام من محكمة النقض، و4 مواطنين بالإعدام بعد النقض العسكري. حالات القتل خارج نطاق القانون 345 مواطنا. حالات القبض التعسفي 878 مواطنا. عدد المختفين قسريا 903 مواطنين. عدد المدرجين على قوائم الكيانات الإرهابية 2597 مواطنا”. (مقتطف من تقرير مركز الشهاب لحقوق الإنسان).

لم يعد يخفى على أحد أن مصر تمر بفترة من أسوأ فترات القمع وعلى كافة المستويات، بداية من القبض العشوائي وتلفيق القضايا، كذلك الاختفاء القسري، وصولاً إلى أحكام الإعدام. وفي ظل استتباب الأمر لـ “الأخ الأكبر” يأتي القمع الممنهج للحريات، هذه الكلمة المحذوفة من قاموس السلطة المصرية. وقد جاءت عدة تقارير دولية ومحلية مؤخراً لتكشف عن المأساة التي يعيشها المواطن المصري، نذكر منها، تقارير مؤسسة “فريدوم هاوس” الأمريكية للحريات، و”هيومن رايتس ووتش” وقرار البرلمان الأوروبي، و”مركز الشهاب لحقوق الإنسان” ومؤسسة “عدالة لحقوق الإنسان” والتنسيقية المصرية للحقوق والحريات، ومؤسسة “حرية الفكر والتعبير”. ومن خلال نظرة سريعة إلى هذه التقارير نجد أن الدولة المصرية سعت بكامل طاقتها وأجهزتها إلى إخماد أي صوت معارض لطموحاتها السلطوية. فقد مددت العمل بقانون الطوارئ خلال العام بأكمله، وعليه ارتفعت وتيرة محاكمة مواطنين أمام القضاء الاستثنائي (القضاء العسكري ومحاكم ونيابات أمن الدولة). كذلك عمدت الدولة إلى إصدار عدد من التشريعات التي تتيح لها السيطرة الكاملة على نطاقات التعبير عن الرأي والمتمثلة في الصحافة والإنترنت، حيث أصدر البرلمان ثلاثة قوانين تهدف إلى تنظيم الحقل الإعلامي، وهي قانون المجلس الأعلى للإعلام وتنظيم الإعلام وقانون الهيئة الوطنية للصحافة والهيئة الوطنية للإعلام، كما أصدرت قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات ــ المعروف إعلامياً بقانون الجريمة الإلكترونية ــ والذي هدفت الدولة من خلاله إلى شرعنة ممارستها السابقة على صدوره فيما يتعلق بحجب المواقع ومراقبة الاتصالات.

التقارير الدولية

يذكر تقرير “فريدوم هاوس” أن مصر جاءت في المرتبة الـ 126 من جملة 195 دولة، إذ وصفها التقرير بأنها من أكثر الدول تراجعا في حريات الإنترنت. وأضاف أن المعارضة التي تواجه النظام بشكل جدي لا وجود لها، حيث ظل النشطاء الليبراليون والإسلاميون يتعرضون باستمرار للمقاضاة الجنائية والسجن. من ناحية أخرى تذكر “هيومن رايتس ووتش” في تقريرها لهذا العام أن السلطات المصرية تذرعت بقوانين مكافحة الإرهاب وقانون الطوارئ لسحق المعارضة السلمية خلال 2018 بما في ذلك ملاحقة الصحافيين والنشطاء الحقوقيين، فاستخدام مكافحة الإرهاب كغطاء لسحق كل أشكال المعارضة قد تكون السمة الدامغة لمصر، ولم يعد هناك مجال كبير للاعتراض السلمي على الحكومة من دون التعرّض للاحتجاز والمحاكمة الجائرة كـ “إرهابيين”. وكذلك جاء قرار البرلمان الأوروبي في كانون الأول/ديسمبر الفائت ليدين بشدة القيود المستمرة على الحقوق الديمقراطية الأساسية، ولا سيما حرية التعبير على الإنترنت وخارجها، وحريه تكوين الجمعيات والتجمع، والتعددية السياسية. وأعرب البرلمان عن قلقه البالغ إزاء المحاكمات الجماعية التي تجريها المحاكم المصرية والعدد الكبير من أحكام الإعدام والأحكام الصادرة بالسجن لفترات طويلة، ويدعو السلطات القضائية المصرية إلى الكف عن تطبيق عقوبة الإعدام على الأفراد، بمن فيهم الأشخاص الذين تقل أعمارهم عن 18 عاما وقت ارتكابهم الجريمة المزعومة. كذلك دعى القرار الدول الأعضاء إلى وقف صادرات تكنولوجيا المراقبة والمعدات الأمنية إلى مصر التي يمكن أن تسهل الهجمات على المدافعين عن حقوق الإنسان ونشطاء المجتمع المدني.

قوانين سيئة السمعة

بدأت الحكومة المصرية، في 24 أيار/مايو 2017 حملة واسعة للرقابة على الإنترنت نتج عنها حجب ما لا يقل عن 500 موقع إلكتروني متنوع ما بين مواقع صحافية وأخرى تتبع منظمات مجتمع مدني. إلى جانب الحجب، ألقت السلطات المصرية القبض على الكثير من الناشطين عبر الإنترنت ووجهت إليهم تهماً وفقاً لعدد من القوانين المختلفة، أهمها قانون الاتصالات وقانون العقوبات المصري وقانون مكافحة جرائم الإرهاب. من خلال قائمة التهم المعهودة، مثل إساءة استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، ونشر الأخبار الكاذبة، والانضمام إلى جماعة إرهابية. إلا أن هذه القوانين لم تكن كافية، لذلك سنت الدولة قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات، بهدف السيطرة التامة على الإنترنت وقمع مستخدميه وتقنين ممارسات الدولة في الرقابة على هذا الفضاء وحجب مواقع الويب والمراقبة الجماعية على الاتصالات. هذا القانون الذي أقره البرلمان في 5 حزيران/يونيو 2018 وصدَّق عليه رئيس الجمهورية ونشر في الجريدة الرسمية، ليصبح سارياً من 18 اب/أغسطس 2018. إلا أن قانون تنظيم الصحافة والإعلام يرسخ اتهامات أكثر اتساعاً وتعدداً، كما يقنن للمرة الأولى قيام السلطات المصرية بحجب الحسابات الشخصية على مواقع التواصل الاجتماعي وهو ما يعتبر انتهاكاً لنصوص الدستور المصري والمعايير الدولية ذات الصلة بحماية الحق في حرية التعبير. فتم منح جهات التحقيق أو جهات التحري والضبط ــ الشرطة ــ صلاحية حجب المواقع مباشرة، بينما جاءت الرقابة القضائية على مثل تلك القرارات رقابة لاحقة، حيث يمكن لجهات التحقيق أن تطلب حجب مواقع إلكترونية إذا ارتأت أن هذه المواقع تشكل تهديداً للأمن القومي أو تعرض أمن البلاد أو اقتصادها القومي للخطر، كما يلزم القانون شركات الاتصالات بتنفيذ قرار الحجب فور وروده إليها، وفي حالة عدم التنفيذ يتم توقيع عقوبة الحبس لمدة لا تقل عن سنة وبغرامة لا تقل عن خمسمئة ألف جنيه ولا تجاوز مليون جنيه أو إحدى هاتين العقوبتين. فالقانون يفرض المراقبة دون أن تكون مرتبطة بوجود تحرك قضائي لكشف تورط ما في جريمة منصوص عليها قانوناً، وهو ما يتنافى وما جاء في المادة 57 من الدستور المصري والتي تنص على  “للحياة الخاصة حرمة، وهي مصونة لا تمس. وللمراسلات البريدية، والبرقية، والإلكترونية، والمحادثات الهاتفية، وغيرها من وسائل الاتصال حرمة، وسريتها مكفولة، ولا تجوز مصادرتها، أو الاطلاع عليها، أو رقابتها إلا بأمر قضائي مسبب، ولمدة محددة، وفي الأحوال التي يبينها القانون”.

أنظمة وبرمجيات

وقد أشارت “مؤسسة حرية الفكر والتعبير” إلى تورط السلطات المصرية في شراء أجهزة وبرمجيات لمراقبة الإنترنت من إحدى الشركات الفرنسية بمساعدة من قِبَل حكومة دولة الإمارات العربية المتحدة مقابل 10 ملايين يورو. تساعد تلك الأنظمة والبرمجيات السلطة في مراقبة المستخدمين وتعقب المكالمات الهاتفية والرسائل النصية والبريد الإلكتروني والشبكات الاجتماعية. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل امتد إلى إعطاء الحق لجهات الأمن القومي بالإطلاع على البيانات المشار إليها مع إلزام مقدمي خدمات الاتصالات بأن يوفروا الإمكانيات الفنية لتلك الجهات، وهي، رئاسة الجمهورية، والقوات المسلحة، ووزارة الداخلية، والمخابرات العامة، وهيئة الرقابة الإدارية. ومن ناحية أخرى أصدر النائب العام، قراراً بتكليف المحامين العموم ورؤساء النيابات في الاستمرار في متابعة وسائل الإعلام المختلفة ومواقع التواصل الاجتماعي لضبط ما يصدر عنها من أخبار وبيانات وإشاعات كاذبة، من شأنها الإضرار بالمصلحة العامة للدولة، وكذلك خاطب القرار الجهات المسؤولة عن الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي، لإبلاغ النيابات بهذه البيانات. كما أعلنت النيابة العامة عن أرقام يمكن للمواطنين من خلالها في كافة المحافظات إبلاغ النيابات عن الأخبار والبيانات التي تضر بمصلحة الدولة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية