ارتبط رواج السلعة الإعلامية على الشاشات الصغيرة بعوامل الجذب والإبهار لاستقطاب القطاع الأكبر من المشاهدين، فجرت المحاولات لخلق مدارات جديدة لتوظيف المضمون والصورة بشكل يناسب طفرات التغيير المفاجئ في معنى وهدف الرسالة الإعلامية بعد إطلاق الأقمار الصناعية وقيام ثورة التقنيات الحديثة، فانتشرت برامج التوك شو وأصناف الكوميديا من كل شكل ولون، واتسعت دائرة الدراما لتملأ مساحات الإرسال بوفرة، وبدأ العمل على استحداث مسلسلات الأجزاء كموضة معمول بها في بعض الدول التي تعتمد في اقتصادها بشكل كبير على تصدير النوعيات المثيرة من الحلقات المدبلجة للهيمنة على السوق والاستحواذ على عقل ووجدان ووقت المشاهد وتحويل ساعات الفراغ في حياته إلى ورق بنكنوت.
ظلت هذه الحيل وسائل مضمونة التأثير والصلاحية لفترة طويلة، إلى أن تفتق ذهن أصحاب المحطات الفضائية ورجال الاستثمار والبزنس عن الجديد والمختلف، فظهرت برامج الطبخ وإعداد المأكولات الشهية وأطباق الحلو في مساحات محدودة من الإرسال كنوع من جس النبض والاختبار التدريجي لمدى تقبل الجمهور للتعامل مع النوعيات الخاصة من البرامج الاستثنائية القائمة على الابتكار في مغازلة المزاج العام لما يُشتهي من الأطعمة والعصائر بمختلف مكوناتها الغذائية ومذاقها وفق خُطط مدروسة ومع أساتذة متخصصين في وضع الخرائط البرامجية بجميع المحطات التلفزيونية على مدار اليوم.
تبادل المنفعة
وبالفعل نجحت الفكرة فتوسع القائمون عليها وأخذوا في تطويرها، ففطن المعلنون إلى أهميتها وحدث ما يمكن تسميته بالاتفاق الضمني بينهم وبين أصحاب المحطات على تبادل المنفعة واقتسام كعكة الإيرادات التي تتحدد أرقامها بالملايين، وعلى أثر التصاعد في نسب الأرباح دخلت شركات الاتصال للتلفونات المحمولة فوضعت رقماً للخط الساخن لتسهيل سرعة التجاوب من جانب المتصلين لمضاعفة العائد الربحي مقابل نسبة مستقطعة تحصل عليها نظير الخدمة. وبمرور الوقت صار مقدمو برامج الطبخ وصُناع الأطباق من المشاهير، وتعاملت معهم الجماهير كنجوم، فصاروا يداومون على الاتصال بهم للاستفسار والسؤال عن أهم ما يمكن تقديمه في الولائم والعزومات ومناسبات الأفراح وخلافة باعتبارهم خبراء وأصحاب تجارب وأرباب مشروعات ناجحة، ووصل الأمر إلى حد الإعجاب الشخصي وإرسال البرقيات الدالة على ذلك عبر الشاشة وعلى الهواء مباشرة.
وقد بلغ الإعجاب مبلغه فتحول إلى نوع من الدلال، حيث بدأ قطاع كبير من هواة هذه البرامج في طلب الخدمات والتوصيات بإيجاد فرص للعمل والحصول على وظائف ومعاشات ومساكن للإيواء، وهو تطور آخر ساهم في بلورة الظاهرة وأكد نجومية أصحاب البرامج والمعالي من الموهوبين في حشو الحمام والأرز المعمر والشيش طاووق وطواجن اللحم والمشويات والحلويات وغيرها من المشهيات والمُقبلات.
وقد اشتهرت الحلقات بعناوينها ومضامينها فغدت معلومة لدى العامة والخاصة وصار منفذوها أعلاماً في تخصصاتهم يشار إليهم بالبنان كنجوم السينما والمسرح وعارضات الأزياء ولاعبي كرة القدم. فمن بين البرامج الأكثر ذيوعاً وانتشاراً “الأكيل بالصحة والراحة” و”حكاوي المشاوي” و”على قد الإيد” و”شبكة وصنارة” و”الشيف” و”زي السُكر حلو وحادق” و”بالهنا” و”زعفران وفانيلا” و”اتفضلوا عندنا” و”ساندوتش وحاجة ساقعة” وغيرها من تنويعات تلعب على شهوات ورغبات المعدة والبطن، ولا تهدف لغير الربح وفائض القيمة الاستثمارية للكيانات الإعلامية والفضائية بعد أن تحول العالم بالفعل إلى قرية صغيرة وبات تبادل الثقافة بين الشعوب مرهوناً بما لذ وطاب ورضيت عنه الرقابة، كثقافة بديلة لثقافة الحوار والاستنكار والشجب والإدانة ونقد الحكومات والسُلطات، حيث الوجبات والحلويات أهم من الشعارات.