«الإغراء»… سلعة سينمائية بائرة في زمن اليوتيوب

ربما مثّل عنصر الإغراء عاملاً أساسياً من عوامل الجذب في الصناعة السينمائية على مستوى العالم كله، خاصة في ذلك النوع التجاري من الأفلام، التي كان يُعول منتجوها في مسألة العائد الربحي على المشاهد العاطفية الصريحة، وهو القانون الإنتاجي والدعائي، الذي نقلته السينما الأمريكية والأوروبية في الكثير من تجاربها التجارية الضعيفة، التي غزت العالم كله وحققت أرباحاً بالملايين، غير أنها تصدرت في بعض الأحيان العروض المهرجانية، وحصلت على العديد من الجوائز، باعتبارها أفلاماً تحررية تناقش القضايا المُجتمعية الحساسة والدقيقة بجرأة تُحسب لها ولصُناعها.
وقد استمر هذا المفهوم سائداً لفترة طويلة، وعبّرت عنه أفلام اكتسبت شهرتها من هذا الادعاء، كان من بينها على سبيل المثال فيلم «غريزة أساسية» الذي اهتزت له دور العرض وامتدت له الطوابير بمسافات طويلة، ولم يكن هذا الفيلم استثناءً، بل على العكس كان مجرد عينة من أفلام كثيرة احتلت الصدارة في أكبر العروض التجارية، وأقوى المهرجانات العالمية، إبان فترة الترويج للفيلم الأمريكي بوصفة الأقوى إنتاجاً والأكثر شعبية.
ومن واقع التفاعل مع هذا النوع السينمائي الرائج آنذاك، انتشرت مقولة القصة والمناظر كوصف ساخر للأفلام الإباحية المشاركة في المهرجانات، يتندر به جمهور الشباب على التجارب الهابطة، في ما يُشبه النقد الذاتي لممارساته المتهورة وميوله المُنفلتة، بيد أن الظاهرة نفسها انتقلت إلى الفيلم المصري، إذ فتحت الرقابة في مراحل كثيرة نوافذ ضيقة سمحت بتمرير بعض المشاهد الجريئة، في إطار المُعالجة الفنية، شريطة أن تكون ذات صلة بالموضوع، وشيئاً فشيئاً اتسعت مساحات النوافذ، فزاد عدد المشاهد، وبعد فترة وجيزة طرحت السينما نماذج لقضايا ومُشكلات استدعت تعميم مفهوم المُعالجة للنوعيات الخاصة من الأفلام، وبناءً عليه رأينا أفلاماً مثل، «أرجوك اعطني هذا الدواء» لنبيلة عبيد ومحمود عبد العزيز و«خمسة باب» لعادل إمام ونادية الجندي و«درب الهوى» لأحمد زكي وحسن عابدين ويسرا ومديحة كامل و«شوارع من نار» لنور الشريف و«قصاقيص العشاق» لحسين فهمي وغيرها الكثير، حيث أصبحت هذه الأطروحات شبه عادية وغير مرفوضة رقابياً أو حتى اجتماعياً، اللهم غير بعض التحفظات من جانب فئة قليلة محافظة، ترى في ذلك خروجاً على التقاليد والآداب العامة، بالإضافة إلى احتجاجات النقاد المُتصلة بالمستوى الفني والأدائي في بعض الأحيان.
وبمرور الوقت وبتكرار الأفلام والقصص والحكايات، لم يعد الجمهور المصري يغترب أو ينزعج كثيراً من جرأة المشاهد، أو اللغة السينمائية، وصارت هناك اتجاهات إبداعية مختلفة في هذا الخصوص، يرى بعضها أن الاستغلال التجاري للمشاهد العاطفية الساخنة يُضعف الفكرة ويُفسدها، ويستدلون على رأيهم هذا، بما طرحة كبار المخرجين أمثال صلاح أبو سيف ويوسف شاهين وبركات في أفلامهم، من معان مهمة استُخدم فيها الإغراء بالإيحاء، ودون فجاجة كفيلم «الأرض» و«باب الحديد» و«شباب امرأة» و«دعاء الكروان» وغيرها، بينما هناك من المخرجين من يُفضل تقديم الحالة الدرامية كما هي بقليل من التصرف، مع استخدام العناصر الملائمة للتعبير بغير قيد أو شرط طالما أن الصورة لم تخرج عن إطار المعنى المُستهدف في النص المكتوب، وهذه الجدلية لا تزال قائمة، ولن تنتهي رغم أن المشاهد العاطفية بأبعادها الغريزية وأهدافها التجارية لم تعد ذات أهمية قصوى بالنسبة للمُتفرج، الذي تتجه إليه أنظار المنتجين كمستهلك رئيسي لبضاعتهم البائرة، بحكم المتغير الثقافي والتكنولوجي، الذي أتاح للفئات كافة فرصاً عديدة للانتقاء والاختيار، عبر اليوتيوب المتخم بكل النوعيات السينمائية المصرية والعربية والأجنبية.
وأمام هذه القفزة التكنولوجية، التي وضعت العالم كله بين يدي المُستخدمين للكمبيوتر، والمتعاملين مع أحدث الوسائط الإلكترونية، لم يعد هناك مبرر للتوظيف الحسي للمشاهد العاطفية، سواء المُتضمنة داخل نسيج القصة الدرامية، أو المُقحمة على النص، فكلاهما فقد صلاحيته بالنسبة للقاعدة الجماهيرية العريضة، التي كانت تمثل في السابق دعماً قوياً للاقتصاد السينمائي، وتفرض ذوقها بقوة على الصناعة والتجارة والسوق الاستهلاكية، وينصاع المنتجون لرغباتها طوعاً أو جبراً، أما وقد تغيرت المعادلة القديمة تماماً، واختلفت النظرية التجارية، فإن من العبث الاعتماد الكلي على سخونة المشاهد وجاذبية النجمة أو دلالها، لاسيما أنه وفق ما تقدم من مُعطيات وبراهين، وثبت بالتجربة الواقعية، لم يعد للإغراء كوسيلة جذب محل من الإعراب في رفع معدل الإيرادات، باللعب على الشهوات والرغبات والغرائز، في ظل وجود الوسائل التقنية والتكنولوجية المنافسة بقدراتها الفائقة على تلبية كل الاحتياجات بمجرد ضغطه على زر الكيبورد، تلك الضغطة التي تنهار أمامها صروح الإنتاج الفني التجاري بكل مواصفاته ونوعياته ومستوياته، الغثة والسمينة وما بين – بين!

كاتب مصري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية