التسلية والترفيه تتصدر أولويات ما يهدف إليه خطاب النتاج الدرامي في المنطقة العربية، وإن بدا بين فترات متباعدة في بعض ومضاته وكأنه يأخذنا بعيدا عن أجندته إلى ناحية متعة التفكير. وفي شهر رمضان حيث يطول السهر في البيوت العربية ليلا ًبعد مشقة الصّوم، يرتفع عاليا سقف مشاهدة الأعمال الدرامية بدلا عن جلسات السمر التقليدية التي طوت صفحتها مجتمعاتنا بعد ان اقتحمتها الفضائيات ووسائل الاتصال الحديثة.
والمتلقي العراقي عادة ما يكون أمام خيارات عديدة، قبل ان يستقر رأيه على المسلسلات التي سيتابعها طوال شهر رمضان. وأمام الكم الكبير من النتاج العربي، وارتفاع المستويات الفنية للدراما المصرية والسورية في العقدين الأخيرين، أصبحت الأعمال العراقية في وضع لا تحسد عليه، نظرا لتواضع مستواها من حيث الأفكار والموضوعات والرؤى الإخراجية والأداء المسرحي لدى معظم الممثلين العراقيين، ومع هذه الإشكاليات المزمنة في جسد وروح الإنتاج العراقي، كان من الطبيعي ان يبقى خارج دائرة المنافسة في سوق الدراما العربية، وأن تكون معركته خاسرة في كسب رضا الجمهور العراقي، وتكاد التعليقات الجريئة على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي التي يتشارك في تدوينها أشخاص عاديون ومثقفون ونقاد وصحافيون وفنانون، أن تتفق على هشاشة المستوى الفني للإنتاج الدرامي العراقي مقارنة بالعربي. والنقد لا يطال الممثلين فقط، بل ما يتم طرحه من موضوعات مستهلكة ومخيّلة فقيرة وضيق في الأفق الإبداعي عند غالبية المخرجين، وحوارات تائهة من جانب المؤلفين تفتقد في صياغتها إلى الشحنة الدرامية مثلما تفتقد إلى اللون والطعم والرائحة، بالتالي تعجز عن ملامسة وعي ووجدان المتلقي.
ألماس مكسور وبنات صالح
ما تمَّ عرضه في الموسم الرمضاني الجاري تجاوز الخمسة عشر عملا توزعت بين مسلسلات درامية وبرامج كوميدية خفيفة، وسنتوقف أمام مسلسلين دراميين.
الأول حمل عنوان «ألماس مكسور» إنتاج «ام بي سي» عراق، تأليف السينارست العراقي محمد حنش، إخراج اللبناني دافيد اوريان. والثاني بعنوان «بنات صالح» إنتاج «ام بي سي» عراق قصة وسيناريو وحوار الصحافية اللبنانية ندى عماد خليل، إخراج السوري اياد نحاس.
اختيارنا لهذين العملين لم يكن عشوائيا، بل جاء بناء على ما حظيا به من دعاية مسبقة قبل عرضهما، إلى جانب ذلك – وهذا سبب مهم من وجهة نظرنا- ان جهة الإنتاج قد اعتمدت على فريق عمل سوري ولبناني في التأليف والإخراج والتصوير وبقية المراحل التقنية، وهذا ما دعانا إلى أن نستنشق هواء التفاؤل ونتطلع إلى ان تكون النتيجة الفنية مضيئة بما يكفي لتزيح العتمة التي تقبع فيها الدراما العراقية منذ ثلاثة عقود، إلاَّ انَّ آمالنا إكتوت مرة أخرى بجمرة الخيبة، بعد ان تمخضت التجربة عن ثمرة فيها من العلل ما يضاف إلى الأمراض المزمنة التي تعشعش في الدراما العراقية، فكان واردا جدا ان تنهال سهام النقد من جانب الجمهور قبل النقاد، خاصة بعد ان ارتكبت في العملين أخطاء لا يمكن التغاضي عنها، فعلى سبيل المثال في مسلسل «ألماس مكسور» تم القفز من فوق أعراف البيئة الاجتماعية في الريف العراقي، بكل ما تفرضه من اشتراطات صارمة على الشخصية العراقية وخاصة المرأة في السلوك والتقاليد والأزياء، فتوارت القرية العراقية خلف ملامح القرية المصرية، وهذا ما أشار إليه الناقد السينمائي د. طاهر علوان في تعليق كتبه على صفحته في فيسبوك جاء فيه انها «مجرد نموذج مشوه من القرية المصرية من خلال العُمدة وبنات القرية الممشوقات، على الأقل هناك يلبَسن ما يغطي الرأس للمصداقية، بينما هنا الشعر يلعب في الهواء، والعُمدة هنا يلقي خطبا عصماء، والشخصيات بصفة عامة تبدو وكأنها تؤدي من دون بروفات مسبقة».
إذن هناك خلل بنيوي يتحمل مسؤوليته المخرج اللبناني، لانه لم ينجح في إيجاد مقاربة فنية واقعية تحاكي عناصر البيئة العراقية الريفية، وبذلك تبرأ العمل من سلطة المكان المحلي، على الرغم من ان عنصر المكان في مقدمة العناصر الفنية التي تبعث الروح في الأحداث وتمنح الشخصيات فرصة التحرك والتفاعل في واقع ملموس، بالتالي فإن غياب وتزييف المكان أفضى إلى ان يتجرد المسلسل من أي ملامح عراقية ويتحرك في فضاء هجين.
الانتحال في «بنات صالح»
يشير تايتل مسلسل «بنات صالح» إلى ان القصة والسيناريو والحوار بتوقيع الكاتبة والصحافية اللبنانية ندى عماد خليل، لكن الحقيقة خلاف ذلك، واتضحت خيوطها منذ ان عُرضت الحلقة الأولى، إذ تبيّن للجمهور بان المسلسل قد تم انتحاله جملة وتفصيلا من مسلسل مصري بعنوان «لا يا ابنتي العزيزة» للكاتب يوسف فرنسيس، وإخراج نور الدمرداش، وسبق ان تم عرضه عام 1979 وتأكدنا من ذلك بعد الاطلاع حلقات المسلسل المصري في موقع اليوتيوب.
لربما ذهبت الكاتبة ندى عماد خليل بعيدا في خيالاتها واقتنعت من ان الجمهور على درجة من السذاجة بما يكفي لتنطلي عليه عملية الانتحال بمجرد ان تجري تعديلا طفيفا تتحول بموجبه شخصية الأب من موظف بسيط يقطع التذاكر للمسافرين في عربة ترمواي في المسلسل المصري (مثله عبد المنعم مدبولي) إلى شيف يعمل في أحد المطاعم في المسلسل العراقي!.
ما أقدمت عليه ندى خليل لا يمكن تبريره ويعد انتحالا لجهد الكاتب المصري الراحل يوسف فرنسيس، وكان من الممكن قبوله لو أشارت في تايتل البداية إلى أن العمل مقتبس عن المسلسل المصري، وطالما خلا من الإشارة فإن ذلك يعني انتحالا.
الحديث عن المخرج السوري اياد نحاس الذي تولى إخراج «بنات صالح» يعيدنا إلى إشكالية المسلسلات العراقية، فعلى الرغم من قناعتنا بأهمية استقطاب أسماء عربية من ذوي الاختصاصات المهمة، لكن ما ينبغي أخذه بالاعتبار ضرورة التعاقد مع من تتوفر في سيرتهم المهنية عناصر التميّز في الرؤية والمعالجات الفنية إضافة إلى الخبرة، وإلاَّ ما جدوى هذا الاستقطاب إذا لم تؤخذ هذه العناصر على محمل الجد؟ فالمصريون على سبيل المثال كانوا قد استعانوا قبل عدة أعوام بالمخرج السوري حاتم علي والتونسي شوقي الماجري الذي عمل أيضا في الدراما السورية، بعد ان وجدوا دفقة جديدة من النضج والتميز قد ظهرت في الدراما السورية وبقوة فارقة، ساهم فيها وبحضور لافت علي والماجري، إضافة إلى أسماء أخرى، حيث أضاف هذان المخرجان إلى الدراما السورية، عناصر أساسية تدخل في جوهر صناعة الفيلم السينمائي، منها مثلا اختيار الأماكن الواقعية بدلا عن الديكورات المصنعة داخل الاستديوهات، واعتماد الكاميرا الواحدة في تصوير اللقطات بدل تصوير المشهد كاملا باستخدام ثلاث كاميرات داخل استديوهات التلفزيون، كل هذه المفردات كانت شبه مغيبة في غالبية الإنتاج المصري، لذلك جاءت النتيجة مثمرة في جميع ما قدمه هذان المخرجان من مسلسلات في مصر، ومن ثم بدأنا في السنين اللاحقة نلمس دفقات جديدة على مستوى الشكل والأسلوب تكتسي بها الدراما المصرية.
عندما لا يعبّر الشكل عن المحتوى
طالما ما زلنا عند مسلسل «بنات صالح» لابد من ان نطرح سؤالا فرض نفسه علينا منذ ان عرضت الحلقة الأولى، نتقصى من خلاله الدوافع الدرامية التي جعلت المخرج اياد نحاس يعتمد اللقطة المائلة إلى الجانب، في جميع مشاهد المسلسل؟
دارسو الفن السينمائي وتاريخه لا يختلفون على ان المخرج ينحاز إلى خيار اللقطة المائلة في حالات استثنائية، ليلفت انتباه المتلقي إلى فكرة ما يود إيصالها عبر رمزية المَيلان وما يبثه من دلالات، كأن يوحي إلى نهاية بائسة سيؤول إليها مصير الشخصية في المشاهد اللاحقة، ولكن من غير المستساغ بصريا وجماليا، اعتماد اللقطة المائلة في جميع مشاهد حلقات المسلسل، لِأنَّ لكل مشهد فكرة تختلف عن ما تبوح به الأفكار في المشاهد الأخرى، وبناء على ذلك يسعى المخرج عبر مخيلته وأسلوبه إيجاد معالجات فنية مختلفة لكل مشهد، بما يجعلها تساهم في التعبير عن فكرته، وإذا ما تجاهل هذه القاعدة الإخراجية وخالفها وانحاز في تعامله مع جميع المشاهد إلى منطق الاستسهال، فالنتيجة ستكون خواء وتسطيح العمل الفني وسقوطه في دائرة الشكلانية.
التمثيل في دائرة النقد
إذا ما تطرقنا إلى أداء الممثلين الذين قدموا لنا الشخصيات الرئيسة في المسلسلين، فإننا لا نستطيع ان نخفي خيبتنا أمام استمرار ظاهرة الأداء المسرحي التي باتت صفة ملازمة لغالبية الممثلين العراقيين، في مقدمتهم محمد هاشم الذي قدم لنا شخصية الأب، في مسلسل «بنات صالح» وما يثير الاستغراب ان هاشم مضى عليه أكثر من ربع قرن وهو يقف أمام الكاميرا، ونال عديد الفرص المهمة، ولو كان قد درسها جيدا لتمكن من تطوير أداءه بما ينسجم ويتوافق مع حساسية الكاميرا، إلاَّ انه ما يزال مشدودا إلى الأداء المسرحي، وعلى ما يبدو لم يبذل جهدا من المراقبة والنقد والمران لأدواته الجسدية والصوتية حتى تستجيب لما تفرضه الكاميرا من اشتراطات تقتضي حساسيتها المفرطة ان يميل الممثل وهو يقف أمامها، إلى الاختزال والتكثيف والإيحاء في جهده وهو يحاول التعبير عن أفعال وردود أفعال الشخصية، خاصة عضلات الوجه، وأن يُقلِّص من حركة اليدين قدر ما يستطيع. بقية الممثلين لا يقلون عن هاشم مبالغة في التعبير الجسدي والصوتي، مثل الممثلة بيداء رشيد وزهور علاء وغيرهم لا يسع المجال لذكرهم. في المقابل لابد من الإشادة بالممثل اياد الطائي الذي يتقن في معظم الشخصيات التي يلعبها التعامل مع الكاميرا وإيصال مشاعر الشخصية اعتمادا على الفعل الداخلي بقدر محسوب من الإيحاء الخارجي، ومن غير ان يسقط في دائرة الإفراط الجسدي والصوتي للتعبير عن انفعالات الشخصية النفسية، تنسحب هذه القراءة النقدية أيضا على الممثل كريم محسن الذي كان شارك في مسلسل «ألماس مكسور» وقد عودنا في مجمل أعماله على ان يكون حضوره مؤثرا بأداء رصين يشي عن خبرة متراكمة تعينه في تقديم الشخصيات واستحضار ملامحها.
الخلاصة ان المخرج صاحب الخبرة في التمثيل، يتحمل مسؤولية إدارة وتوجيه الممثلين في كل تفصيلة من عملهم، فهو الذي يرسم لهم الملامح الداخلية للشخصيات أثناء التمارين الطويلة التي تسبق التصوير، وأي نجاح وتفوق في أدائهم يعود الفضل فيه إلى ما بذله من جهد معهم، والعكس صحيح أيضا، ونرى بأن مخرج مسلسل «ألماس مكسور» دافيد اوريان قد نجح في إدارة الممثلين وخاصة الوجوه الشابة، على العكس من مخرج «بنات صالح» الذي أخفق في هذه المهمة.