الاقتراب من عالم الرسامين، يعني أننا سنقف عند نزعتهم الدائمة إلى الحرية للتعبير عندما يتفاعلون في مساحاتهم اللونية مع موضوعات تتعلق بالحياة أو الطبيعة أو عوالم داخلية يعيشها الرسام نفسه، وفي مجمل هذا السياق يتوق الفنان إلى الخروج عن الأطر، سواء في ما يخص رؤاه الفنية والتعبير عنها بمعالجات تخرج عن حدود ما هو معروف من أساليب ومدارس، أو ما يتعلق بجوانب مرتبطة بحلقات أخرى يبدأ دورها بعد الانتهاء من اللوحة، منها مثلا المتاحف، أماكن العرض، الجانب التسويقي، الوسطاء الذين يمارسون دورا بالغ الأهمية في تقييم اللوحات. ورغبة الفنانين في التحرر من المنظومات القديمة تنسحب أيضا على ما أشرنا إليه من آليات للترويج عن أعمالهم ووصولها إلى المتذوقين الحريصين على اقتناء اللوحات، والمجتمع الفني الخاص بالرسامين يمثل استقطابا لفعاليات أخرى ليست ذات طابع ثقافي فقط، بقدر ما هي تشكل رصيدا اقتصاديا مرتبطا بحركة سوق بيع اللوحات وشراءها، وترقى أهمية هذا النشاط التجاري لأهمية الفعل الفني والثقافي، للرسم وبقية الفعاليات المرتبطة به.
وأبرز ما يعززه سوق الأعمال الفنية أنه يمثل تجمعا غير متجانس من حيث الاختصاصات، بينهم رسامون وجامعو أعمال وتجار لوحات، وأصحاب معارض ورجال أعمال وساسة، إلا انهم يلتقون عند أهمية الفن باعتباره سلعة ثقافية، تخضع قيمتها النقدية لقانون العرض والطلب، لكن السلعة الفنية تتميز في كونها غير متاحة لعامة الناس، ولا تشكل مقصدا أساسيا في حياتهم، طالما لا توجد مفاضلة بينها وبين مستلزمات العيش لديهم، إضافة إلى ارتفاع أسعارها مقارنة بمستوى مرتباتهم.
وعلى ذلك فإن نموذج المجتمع الذي ينخرط في سوق اقتناء اللوحات الفنية يبدو مترابطا من الناحية الاقتصادية إلى جانب علاقات اجتماعية تحكمها روابط وثيقة، بغض النظر عن مستويات ذائقتهم وثقافتهم وتقييمهم الفني. وأعضاؤه يبدون على درجة مهمة من التماسك في ما بينهم، وكأنهم يقيمون ستارا حديديا حولهم، يقيهم من تسلل الدخلاء الذين لا يملكون مقومات اقتصادية تمكنهم من الانخراط في بيئتهم الاجتماعية.
الفنانون أيضا ليس أي واحد منهم يملك فرصة النفاذ إلى هذا النادي الطبقي، إذا لم يكن جزءا منه، ولأجل ان تكون منه، ينبغي عليك ان تبذل جهدا كبيرا حتى تلفت الأنظار، ومن ثم تعرف كيف تخاطب عالمهم، لأنك إن لم تكن تملك موهبة التواصل معهم، ولربما لن تسنح لك الظروف للدخول إلى صالات العرض الراقية التي يرعونها ويتعاملون معها عبر أنشطة مؤسساتهم، وقد يفرضون عليك وضعا خاصا، لا يتناسب مع مستوى أعمالك الفنية، بالشكل الذي تنجرف فيه لبيع نتاجك في محلات تبدو شعبية بالقياس إلى الأماكن التي يتعاملون فيها عملية البيع والشراء.
عالم افتراضي
ازاء هذا الحال برز عنصر تنافسي شديد لم يكن متوقعا تمثل بسوق بيع اللوحات عبر الإنترنت، فبعد ان اكتسح عالم الاتصالات الرقمية حياة الناس في كل مكان، أصبح بالإمكان إقامة المعارض الفنية في هذا الوسط الافتراضي، ويمكن للجميع ان يستمتعوا بالاطلاع على الأعمال الفنية. كما ان الرسام بامكانه ان يسوق أعماله إلى جميع أنحاء العالم، وما من قدرة لذاك الحرس القديم ان يحول دون ذلك، ومن السهولة ان يصل ويتواصل الفنان مع أعرق صالات العرض، بدون وسطاء وتجار يفرضون عليه مزاجهم ويحددون ما ينبغي عليه أن يرسم.
حدود المعرفة مع الآخر انفتحت على سعتها، ولم يعد أصحاب الصالات الفنية يتعاملون مع أناس يعرفونهم وجها لوجه، وبات بإمكانهم ان يوطدوا الصلات مع فنانين من جنسيات مختلفة. بمعنى ان التعاطي في سوق بيع وشراء الأعمال الفنية لم يعد خاضعا لقوة الوسطاء /التجار الذين لا صلة لهم بالفن بقدر ما يهمهم أن يملأوا جيوبهم بالأموال، بعد ان يكونوا قد استثمروا جهد الفنان في نشاطهم التجاري.
اليوم تتفنن صالات العرض في تقديم خدمات استشارية مجانية الهدف منها تقديم مستوى من المعارف لكل محبي الفنون، أسماء وتجارب وأساليب ومدارس، ولكي يطلعوا على كل ما هو جديد في الفنون، فالتسويق المعلوماتي الثقافي يساهم في رفع مستوى الذائقة، وكسب مساحات أوسع من المتلقين والمقتنيين للأعمال الفنية. هذا التجلي الثقافي في العمل الذي تمخض عن شيوع الإنترنت في عالم تسويق وترويج اللوحات، بات من غير الممكن ألا يعد قوة مهمة في تطوير النشاط الإنتاجي في عالم الرسم، حتى أصبح معدل ما يتم إنتاجه من لوحات في العالم مرتفعا بشكل متصاعد. وهذا يعني ان الحواجز التي كانت تقف أمام نمو الحركة الفنية في إطار الرسم قد انهارت، وجرفت معها القوى التقليدية التي كانت قد أقامتها، ولم يعد سوق اللوحات حكرا على فنانين معينين نالوا رضا هذه القوى ولا حكرا على متلقين ينتمون إلى طبقات اجتماعية مرفهة فقط ، فقد انفتحت الأبواب أمام الثقافة والفنون لتؤطر حياة الناس جميعا، بدون استثناء، طالما هناك شبكة إنترنت، فالديمقراطية يبدو وكأنها تحققت في الفنون بشكل جيد، ووفرت مناخا ممتازا للرسامين بشكل خاص حتى يشعروا بانهم غير مقيدين في الوصول بأعمالهم إلى ما يبتغونه من آفاق، بعد ان زالت الحواجز بينهم وبين مجموعات جديدة من المجتمع الإنساني فسمحت لها ان تدخل إلى معاقل الفنون التشكيلية وعوالمها. بينما لم تستطع الديمقراطية ان تثبت نجاحها في ميدان السياسة.
خيارات أوسع
وتشير ربيكا ويلسون، كبير أمناء غاليري Saatchi Art ونائب الرئيس إلى ان السبب الوحيد الذي جعلها تعمل على تقديم خدمات ثقافية حول الأعمال الفنية والأساليب والمدارس هو الترويج لثقافة فرعية تم تجاهلها، وتضيف “لأننا كنا قد وصلنا إلى المرحلة التي لم يعد فيها في عالم المعارض سوى القيمة النقدية، ولا يمكننا العمل وفقًا لهذه الشروط بعد الآن. وهذا يعني ان الطبقة الخاصة في المجتمع التقليدي ما قبل الإنترنت كانت تتعامل مع الفن ليس لقيمته الجوهرية، بل أن غالبيتهم ينظرون إليه باعتباره استثمارا اقتصاديا لا أكثر يقتصر تداوله بين أفراد هذه الطبقة”.
يمكن القول إن نمطية هذا العالم القديم قد آلت إلى التراجع، ومن البساطة ملاحظة انحسار دور وأهمية صالات العرض والمزادات التقليدية في تلبية حاجة الفنانين والمقتنيين للأعمال الفنية، وبات لعروض المنصات الفنية والتسويقية على شبكة الإنترنت مساحة مريحة للناس بينما لا يشعرون بهذه الحرية في صالات العرض التقليدية، وهكذا الحال بالنسبة للفنانين أنفسهم لأن سوق الإنترنت وفر لهم عروضا أفضل وخيارات اوسع لعرض أعمالهم وتسويقها ولفت انتباه المتلقين إليها.
وعلينا أن نأخذ بنظر الاعتبار نتائج هذا التحول، من ناحية القيمة الترويجية التي ربحها الفن التشكيلي على المستوى الجماهيري من خلال طرق التسويق الواسعة الانتشار عبر الإنترنت، والنقطة الأبرز التي تبدو جلية هنا تتمثل في التواصل الاجتماعي الذي بات قائما بين الفنان والجمهور، وهذا ما ساهم في ترويج أعمالهم، ومنحهم قدرا كبيرا من الاستقلالية الفنية والاقتصادية، والتوغل إلى مناطق نوعية جديدة من المتلقين ينتمون إلى ثقافات مختلفة. وفي ما يتعلق بمن يرغبون في اقتناء الأعمال الفنية، غالبا ما كانوا يفتقرون إلى الخبرات بهذا المجال، فإن ما يتم تقديمه من خدمات استشارية ومعارف ومعلومات تضطلع بها المواقع الفنية والمزادات في العالم الافتراضي تساهم في تقديم المشورة، وفي توسيع نطاق الأسماء الفنية التي يتم الاهتمام بنتاجها، وبذلك يتم كسر احتكار الأسماء التي كرستها وتكرسها الطبقة التقليدية التي كانت تتحكم بسوق ترويج الأسماء والأعمال الفنية.
كورونا والمعارض
تجربة جائحة كورونا التي فرضت حجرا على أنشطة المعارض، ساهمت في ازدهارها عبر الإنترنت وشاهدنا إقامة العديد من المعارض الشخصية والجماعية، أدت بالتالي إلى أن يحصل تحول في حركة بيع وشراء اللوحات، بعيدا عن الآليات القديمة التي كان فيها تجار اللوحات يهيمنون عليها، فنحن أمام عالم جديد ومثير، أمست فيه معارض وأسواق تداول اللوحات كلها تتم عبر الإنترنت مع اتساع دائرة المتداولين لهذا النشاط.
ومنذ وقت مبكر من العام 2007 كانت على سبيل المثال ربيكا ويلسون المديرة الأسبق لـSaatchi Gallery بلندن قد مارست نشاطا فعالا في إطلاق المعارض على شبكة الإنترنت، كما أنشأت فعالية “أحاسيس جديدة” وكانت عبارة عن جائزة لطلاب الفن تحدد أكثر الفنانين الشباب جدية في المملكة المتحدة.
بناء على ذلك نستطيع ان نؤكد على ان الفن التشكيلي مع ما حصل من تغييرات في العالم الذي كان سائدا قبل شيوع الإنترنت، قد دخل مرحلة من الازدهار الكبير، لم يشهده من قبل، وأخذ يمارس حضورا قويا ومؤثرا في الثقافة العالمية، لأن الحدود التي كانت تفصل بينه وبين تمدده اجتماعيا وثقافيا واقتصاديا قد اضمحلت إن لم تكن قد انهارت.