الإيرانيون بين فكي الفقر ووعود النظام الكاذبة

حجم الخط
0

 اللغة الفارسية أصبحت هي المسيطرة في أحد أحياء دمشق الفاخرة. صور الزعيم الإيراني الأعلى، علي خامنئي، معلقة على جدران البيوت، مقاولون وعمال أفغان أُحضروا من إيران ويكملون بناء بيوت وإصلاح الشوارع. أسماء الشوارع تحمل أسماء مقاتلين وقادة إيرانيين قتلوا في معارك في سوريا، وحصل الحي على اسم “الحي الإيراني”. في القريب، ستنضم إليه أحياء أخرى بعد توقيع بين إيران وسوريا على اتفاق في كانون الأول، بحسبه ستقوم شركات إيرانية ببناء نحو 2500 وحدة سكنية جديدة، سينتقل إليها إيرانيون أو شيعة من العراق.

جهات في المعارضة السورية تقدر بأن هناك هدفاً استراتيجياً لهذا التمدد العقاري الإيراني في الدولة، وهو زيادة حصة السكان الشيعة على الأقل في العاصمة، بتعزيز التغيير الديمغرافي بكل الدولة. مشكوك فيه إذا كانت إضافة بضعة آلاف من الشيعة لسوريا ستغير الخارطة الطائفية في الدولة، رغم أن السيطرة على بيوت اللاجئين السوريين غير جديدة، وهي لا تحدث في دمشق فحسب، بل في كل محافظة يسيطر عليها النظام.

ليس بيوت اللاجئين وحدها هي التي تحولت إلى ممتلكات لرجال حرس الثورة الإيراني أو مواطنين إيرانيين، فثمة مواطنون سوريون يجدون أنفسهم أمام عروض مالية مقابل بيوتهم، لا يمكنهم رفضها، في أسوأ الحالات هم وعائلاتهم يطلب منهم مغادرة بيوتهم تحت تهديد السلاح. يشارك في هذه العملية رجال “حزب الله” الذين تحولوا إلى وكلاء عقارات يشترون الشقق عن طريق وسطاء سوريين ويبيعونها لاحقاً لزبائن إيرانيين، ثم يضعون عمولة الوساطة في جيوبهم.

يرى مدنيون إيرانيون ورجال حرس الثورة أن السكن في سوريا هو الخيار الوحيد أحياناً الذي يمكنهم من أن يكونوا أصحاب بيوت. في حين أن إيران توسع استثماراتها في تطوير وبناء عقارات في سوريا، فإن أزمة السكن تزداد وتتعاظم في إيران نفسها، وتهدد حكومة إبراهيم رئيسي.

       شراء شقق بمبلغ 3.5 مليارات دولار

 في السنة الماضية، حسب تقارير رسمية إيرانية، تم إصدار 30 ألف رخصة فقط للبناء، 6 في المئة أقل مما في العام 2021. إضافة إلى ذلك، تم عقد حوالي 40 ألف صفقة بيع وشراء مقابل 80 ألف صفقة في 2021. حتى لو بنيت جميع الشقق التي خطط لها لما كان هناك ما يوفر نقص السكن الذي يجعل نحو 40 في المئة من العائلات الإيرانية تسكن في شقق مستأجرة.

يمكن معرفة حجم احتياجات السكن في إيران من تصريحات الرئيس رئيسي. وعد الرئيس الإيراني في حملته الانتخابية ببناء مليون شقة في كل سنة من سنوات ولايته الأربع. عندما سئل وزير التطوير الحضري، رستم قاسمي، في نيسان الماضي عن الخطة، قال بأنه مطلوب على الأقل سنة ونصف لبناء مليون وحدة سكنية. ولكنه سارع إلى إعطاء وعد بالبدء في خطط لبناء مليوني شقة، أي نصف العدد الذي وعد به. في هذه الأثناء، يتبين أنه حتى ذلك الشهر، ثمانية أشهر بعد انتخاب رئيسي، لم يتم بناء ولو شقة واحدة في إطار الخطة.

مشكوك فيه أن تنجح الحكومة الإيرانية في بناء حتى 100 ألف شقة، لأن تكلفة بناء مليون شقة تبلغ 15 مليار دولار. وهذا مبلغ لن تنجح الحكومة في تخصيصه لهذا الهدف من ميزانية تبلغ 53 مليار دولار. معظم الميزانية مخصصة لدفع الرواتب والدعم الحكومي.

التدقيق في قائمة أسعار الشقق في طهران ومدن مثل مشهد وأصفهان، يظهر أن سعر المتر المربع يصل إلى 800 – 2500 دولار، وهذا يتعلق بالمكان وبالمخطط الهيكلي. أي أن شقة مساحتها 70 متراً مربعاً من نوع الشقق التي يبحث عنها أبناء الطبقة الوسطى – العالية، ستكلف في طهران 70 – 80 ألف دولار، أي أقل في مدن الضواحي بـ 20 في المئة.

حسب متوسط الأجور، تحتاج العائلة إلى أن توفر كل الدخل لمدة ثلاثين سنة لشراء شقة. وللمقارنة، في 2012 كان عليها توفير كل الدخل لمدة 12 سنة لشراء شقة مشابهة. هذا التحليل لا يمس بالطبع أصحاب رؤوس الأموال في إيران الذين يشترون العقارات في تركيا وقطر والإمارات. حسب المعطيات التي نشرتها الحكومة التركية، فإن مواطنين إيرانيين اشتروا شققاً بمبلغ 3.5 مليار دولار في السنة الماضية. هم في المكان الثاني بعد الروس. تمدد العقارات الإيرانية لا تنتهي في سوريا وتركيا فقط. مبادرون ومستثمرون من إيران يشترون الأراضي والشقق في العراق وسلطنة عُمان والإمارات. في الإمارات مسجلة أكثر من 8 آلاف شركة إيرانية تشغل خطوط الاستيراد والتصدير بين الدولتين. حسب تصريحات أصحابها، يطمحون للوصول إلى تجارة بحجم 30 مليار دولار في السنوات القريبة القادمة.

       مشكلة البطالة 

في هذا الأسبوع يتوقع أن يزور مساعد وزير المالية الأمريكي أبوظبي لنقل تحذير شديد لخرقها العقوبات الأمريكية وبسبب التداعيات التي قد تكون لشركات الإمارات. ولكن إزاء الاستثمارات الإيرانية الضخمة في الدولة، واتفاق التجارة الثلاثي الذي وقع بين الإمارات وإيران وتركيا لنقل البضائع من الإمارات إلى تركيا عبر إيران، مشكوك فيه أنه تحذير يثمر نتائج حقيقية.

أزمة السكن في إيران تضاف إلى مشكلة البطالة التي تبلغ نسبتها 9 في المئة، في أوساط الشباب تبلغ الضعفين، إلى ارتفاع دراماتيكي في غلاء المعيشة، وتضخم يبلغ 50 في المئة، وإلى أن أكثر من 70 مليوناً من بين الـ 85 مليون مواطن يستفيدون من دعم الوقود والخبز. أكثر من نصف السكان يعيشون على خط الفقر الذي بلغ في تشرين الأول 375 دولاراً في الشهر في طهران، و185 دولاراً في مدن الضواحي.

شريحة كبيرة من الميزانية مخصصة للرفاه والدعم، وإيران تبحث عن طرق كي تكيف نفقاتها بدون المس بميزانية الأمن. ميزانية الأمن تشمل الشراء والتطوير العسكري ودفع رواتب رجال الجيش وحرس الثورة. والميزانية قفزت في السنة الماضية 30 في المئة.

قررت حكومة إيران خصخصة شركات حكومية، وهي عملية قد تدخل لخزينة الدولة 2 مليار دولار، لكن هذه الخطة سبق أن ووجهت بانتقاد شديد ومعارضة لأنها غامضة جداً، وبدون آليات رقابة وإشراف، بصورة تثير شكوكاً مبررة بأن الأموال التي سيتم الحصول عليها ستذهب إلى الجيوب الخاصة لشخصيات كبيرة في الحكومة ولن تذهب إلى الأهداف التي من أجلها ستنفذ الخصخصة.

في موازاة ذلك، تملك إيران فائضاً كبيراً من العملة الصعبة يقدر بـ 41 مليار دولار، 95 في المئة أكثر مما كان في السنة الماضية، لكن أقل بكثير من الفائض في 2018 وهي السنة التي انسحبت فيها الولايات المتحدة من الاتفاق النووي، والتي بلغ الفائض فيها 122 مليار دولار. بعد سنة، بلغ الفائض 15 مليار دولار فقط. وجاءت هذه القفزة بسبب أسعار النفط، وأيضاً تصدير منتجات غير نفطية قفز في السنة الماضية.

حسب المعطيات التي نشرتها الحكومة الإيرانية، التي ليست بالضرورة موثوقة، فقد بلغ إجمالي التصدير 100 مليار دولار. ولكن إذا كان الرقم الصحيح هو نصف هذا المبلغ، فيبدو أن العقوبات الأمريكية تجد صعوبة في إغلاق كل ثغرات تجارة إيران مع العالم. نظرياً، النظام في إيران يمكنه في هذه الظروف العيش لفترة طويلة تحت ظل هذه العقوبات شريطة أن يستطيع الجمهور الاستفادة من خزينة الدولة.

بقلم: تسفي برئيل

هآرتس/ ذي ماركر 2/2/2023

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية