«الإيواء» رسالة تليغرافية من السينما الفلسطينية المستقلة

كمال القاضي
حجم الخط
0

تظل السينما الفلسطينية هي الأبلغ على الإطلاق في لغة الإشارات والإسقاطات، كونها الغنية بالتفاصيل الإنسانية والقادرة على رصد تحول اللحظات العابرة والصور الساكنة إلى حوار حي مُفعم بالابتسام والبكاء حسب السياق والحالة وضرورة التعبير وخصائص المكون الإبداعي الرامي دائماً إلى فضح الجرائم الصهيونية وإرهاب المُحتل الذي بسط نفوذه على الأرض والوطن وزور التاريخ وطمس معالم المُدن وأزهق أرواح الكبار والصغار وأهان الشيوخ والنساء واغتال فرحة الأطفال، فاستعدى الأمم والشعوب المُتعاطفة مع الحق الفلسطيني وفرض المقاومة كسلاح للحماية كي ينعم الناس بقليل من الراحة ويقتنصوا من بين ساعات المُعاناة دقائق لالتقاط الأنفاس.
لا أحد في فلسطين مُستثنى من الواقع المرير، فما وطأت أقدام الطغاة أرضاً إلا وحولتها إلى سجن كبير وأشعلت فيها نيران الغضب، ولا مفر أمام المطاردين في بلادهم غير البحث عن مأوى وشربة ماء وكسرة خبز وكوب حليب للرضع الذين لا يعرفون طعم النوم ولا يجدون للسكون سبيلاً.
«الإيواء» فيلم روائي قصير للكاتبة والسيناريست إسراء صالح والمخرج محمد صباح، تتكون معطياته من حروف المقدمة السابقة، إذ يعرض في صمت أبلغ من الكلام بانوراما ليوميات أم فلسطينية تتحجر في عيونها الدموع بعد محاولات يائسة من جانبها لتكون الابتسامة بديلاً للبكاء، وكذا طفلها الصغير الذي لم يبلغ الحُلم بعد يتشاغل بإصلاح دراجته المُعطلة لاهياً نفسه عن أزمة أكثر تعقيداً من أزمته الشخصية. وبين هموم الأم المتراكمة وأمنيات الطفل البريئة تنطلق الصواريخ لتتصاعد في خلفية المشهد نيران الغضب المصبوب على البيوت وقباب المساجد وأبراج الكنائس والمتاجر والأسواق فتُحيل الحياة إلى جحيم مُستعر.
وفي صورة مقابله لدخان القنابل ونيران الصواريخ نلحظ تصاعد الأبخرة من أواني الطهي الموضوعة فوق مصادر النيران المُشتعلة، فالأم تجتهد في صناعة ما يسد الرمق من الطعام والحساء وتنظر في تحدي نظره غنية عن التعريف والوصف، فلا ملاذ لديها إلا الصبر والإستقواء بذاتها الصُلبة على الكائنات الهمجية المُدججة بالسلاح والقابعة خلف الباب.
تشحذ بطلة الفيلم حنين الشريف كل أحاسيسها لتؤكد لنا المعنى الخاص بكل الأمهات الفلسطينيات وتكثف اللحظة القاسية باحترافية عبر نظرتها الحزينة ودموعها المحبوسة وراء الصمود وعناد الإرادة التي تأبى الاستسلام وترفض الاعتراف بالسيادة الإسرائيلية على حياتها وأرضها وبلادها.
ثمة أشياء كثيرة تختزلها تلك النظرة الثاقبة لعدسة الكاميرا كأنها رسالة كل النساء الفلسطينيات الواقعات تحت الحصار، ومثلها يبدو الطفل يوسف حجازي أكبر من سنه، فهو الابن المجازي لحنين والشريك في البطولة والصمود، والرمز المتجلي للشباب الآتي على موعد مع قدره وأيامه ليُحرر الأرض ويحمي الديار ويعتق الأوطان من عبث العسكر الهمجي المتربص بالأرواح، القابع في عتمة الليل والزنازين وكآبة الظلم.
ويعمد المخرج محمد صباح إلى الإفصاح عن الأماني المُنتظرة فيخرج بالكاميرا إلى الساحات الخضراء، حيث يمارس الطفل مع أقرانه لُعبته المُفضلة كلاعب ماهر لكرة القدم، يحاور خصومه الرياضيين في نشاط ويسدد الضربات في مرمى الفريق المنافس ويُحرز الأهداف في دلالة غير خافيه، ليُبرز انعكاس الصورة الإيجابية المنشودة في المستقبل القريب، فنهاية المحتل باتت وشيكة وكل الأحلام أصبحت قاب قوسين أو أدنى من التحقق، وهي سمة الصورة الدلالية للفيلم الذي تتبع كاتبته إسراء صالح سياسة التدرج في التعبير عن تطور الواقع الفلسطيني وتغيره من الأسوأ إلى الأفضل.
وربما لهذا السبب أعمل المخرج محمد صباح الرمزية في البلاغ والبيان والتنبؤ بالمستقبل الفلسطيني مُتخذاً من حركة الباسكيلته التي اعتنى الطفل يوسف حجازي بإصلاحها ودوران عجلاتها إشارة لما هو آت، فلا صعب يستمر ولا ثبات لواقع يجد من يحركه ويغير مقوماته وموازينه ويحدد على الأرض خُطاه.
إنها قدرة السينما الفلسطينية المُضطلعة بعرض صور الواقع الدرامي الراهن بقسوته وحماقة المُتسببين فيه، وأيضاً الصور المُعادلة بما تحمله من جديد يتجلى في الضوء الساطع على فوهة البندقية وشعار النصر والاستقلال.
ما يميز فيلم «الإيواء» هو ذلك الازدواج ما بين المعاني المتناقضة، كالخوف والرجاء واليأس والأمل والظلام والنور والقوة والضعف، فكلها مقدمات للبقاء لا معطيات للفناء، ولعله الحوار الصامت عبر العيون بين البطلة الأم حنين الشريف وابنها الصغير كان هو بذاته الدرس المُستفاد من المحنة المُعاشة، حيث لا مكان للغة الاستسلام طالما بقيت الأرض المُحتلة تنبت أبطالاً ويوأد فيها الخوف.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية