الائتلاف الحكومي.. بين تثبيت حكمه بـ “ضرب إيران” وعودة “نتنياهو الجديد”

حجم الخط
0

ذات مرة في أثناء رحلة إلى الهند، سرنا على جسر ضيق، اندفع باص نحونا من جهة، وشاحنة من جهة أخرى. لم يكن هناك حاجز على الطريق. طريق مشوش وتحته هوّة عميقة. كانت العودة متأخرة جداً، والركض إلى الأمام مبكراً جداً. رتبَنا المرافق الهندي في طابور: الوجه نحو الطريق، الظهر نحو الهوة. أمرَنا بأن تتشابك أيدينا. إذا فقد واحد منا توازنه، فإما أن يمسك به جاره أو نسقط كلنا وراءه. عندما مر عنا الباص، كانت سنتيمترات قليلة تفصل بيننا وبينه. دخلت ضربة ريح إلى هذه المساحة، قصيرة ومعادية، مخلوطة برائحة سولار. نجونا.

ائتلاف بينيت ولبيد في وضع مشابه: الجسر ضيق، الهوة عميقة، والفريضة هي الإمساك بالأيدي.. هذا وضع حرج. لا سبيل للنجاة فيه إلا بسلوك بشع. كل أسبوع سيطل نائب، واحد من الستين، ليهدد بالترك ويشرع بالمفاوضات. وحتى لو كانت المفاوضات بلا شائبة ومطالبه شرعية والأجوبة معفية من الفساد، فسيبدو الجميع بصورة سيئة.

لماذا إذن يستحق العناء. هناك عدة حجج وجيهة، إحداها إضافة أصوات قبيل الانتخابات التالية. هذه الحجة لا صلة لها بالحكومة الحالية. التنازلات التي تضطر لتقديمها للمترددين من اليمين واليسار، ستقتطع الأصوات من عناصرها في صندوق الاقتراع.

ثانياً، الكف عن القيام بفعل تاريخي، شعبي، يجسد الحلم ويحدث ثورة في الرأي العام، شيء ما بحجم قصف المفاعل العراقي الذي أنقذ مناحم بيغن في انتخابات 1981. يبدو أن هذه الحجة غير ذات صلة بالحكومة الحالية: التقاطعات الداخلية التي تعطل فيها كل مبادرة استثنائية. الخطوة الوحيدة التي يمكنها تغيير الواقع هي هجوم علني واسع ضد إيران. وليس مؤكداً أن بينيت ولبيد وليبرمان لم يفكروا بالخيار؛ فالمليارات التي وافقوا على تخصيصها تشهد على ذلك، غير أنه لا خيار لعدة أسباب لا مكان لتفصيلها. والمناورة الكبرى التي يجريها الجيش الإسرائيلي الآن تعرض كمراجعة نحو الهجوم، أما عملياً فهي بعيدة عن هذا.

الحجة الثالثة ذات صلة بالائتلاف الحالي، وتتلخص في كلمتين: ما البديل؟ تفكيك الحكومة سيؤدي، بشبه يقين، إلى إقامة حكومة برئاسة نتنياهو. عندما يحصل هذا لن يقع أحد من كرسيه. رؤساء الوزراء يأتون ويذهبون، سيكون أعضاء في الائتلاف المنصرف. نحن نعرف بيبي، سنتدبر أمرنا، أما الحقيقة فهي أنهم لا يعرفون. نتنياهو تغير. نتنياهو القديم عمل في إطار القانون، وقواعد اللعب، وجهاز القضاء، والمؤسسات الاجتماعية القائمة. أما نتنياهو الجديد فيسعى لإحداث ثورة. وبات يعدّ من تحت بدلة الأعمال الزرقاء مثل تشي جيفارا؛ فهو يرى الانكسار في السياسة الأمريكية، ويرى ما يحصل في هنغاريا وبولندا، وفي روسيا وبيلاروسيا. ويقول لنفسه، لماذا ليس أنا. الخطاب الذي يروج له رجاله في الشبكة الاجتماعية يسعى لتدمير البنى التحتية المؤسساتية للدولة وإقامة نظام آخر بدلاً منها. نتنياهو الجديد هو صيغة ربطة عنق ليئير نتنياهو: الشجرة لا تسقط بعيداً عن التفاحة.

ليس نتنياهو هو الوحيد الذي تغير، فمزاج الجمهور تغير أيضاً، وكثيرون ملوا لعبة الديمقراطية. برأيهم، هي معقدة، تنازلية، ملجومة، سليمة، مراعية دون حاجة للعرب والأجانب. كراهية العرب بصفتهم هذه أصبحت حجة سياسية شرعية، علنية، ناجعة. وكذا كراهية الأجانب، التي وصلت إلى ذروتها في حملة رئيس سلطة الهجرة ضد مجيء لاجئي الحرب من أوكرانيا. لم يكن للاجئين مصلحة في أن يأتوا إلى هنا، فأوروبا خير لهم. والأكثر خيراً وطنهم. كان بوسع القلة الذين أبدوا اهتماماً أن يجدوا الاقتصاد الإسرائيلي نفعاً. آييلت شكيد تبنت الحملة: مهم لها أن تثبت للمعسكر الآخر بأنها هناك بروحها. طرد الأجانب يجعلها يمينية أكثر، وطنية أكثر، يهودية أكثر.

في إسرائيل جدال طويل السنين على “المناطق” [الضفة الغربية]. ليس هذا ما يوحد المعسكر المحتشد حول نتنياهو. ما يوحده هو الهوية، إحساس الوحدة والكراهية تجاه الآخر. الكل يتحدث عن بن غفير، لكنهم يكبتون التغيير الذي يجري في الجمهور الحريدي. لقد أصبح الحريديون قوميين، قوميين دون أن يكونوا صهاينة. قد لا يتلقى بن غفير أصواتهم، لكنه يحتل قلوبهم.

الائتلاف الحالي يتعثر وسيواصل تعثره. هذا مصيره. من الصعب محبته، لكن مثل الذهب حيال البديل. درج روبي ريفلين على رواية نكتة عن رجل سُئل “قل كيف زوجتك؟”، فرد الرجل بسؤال آخر: “مقارنة بمن”.

بقلمناحوم برنياع

يديعوت أحرونوت 23/5/2022

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية