طور الاتحاد الأوروبي خلال العقود الماضية مستوى علاقاته الاقتصادية مع ‘إسرائيل’ في مختلف المجالات، ورفع منها ووقع معها سلسلة من الاتفاقيات الاقتصادية التي منحت ‘إسرائيل’ ‘مكانة الدولة المفضلة’، في مجمل علاقاتها الاقتصادية مع الاتحاد الأوروبي. ولكن في المقابل، اتسمت علاقات الاتحاد الأوروبي السياسية مع كيان الاحتلال بالخلاف والتوتر الناجمين عن استمرار الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين، وما يعرف بحدود عام 1967، وأساسا استمرار الاستيطان الإسرائيلي في الضفة الغربية المحتلة، بما في ذلك في القدس الشرقية المحتلة وتعاظم حجمه ووتيرته؛ بهدف تهويد أكبر مساحة من أراضي الضفة الغربية المحتلة تصل إلى 60 في المئة منها، تمهيدا لضمها لحدود دولة الاحتلال. كيان الاحتلال أنشأ في الضفة الغربية نظاما استيطانيا أمنيا إداريا يعمل على تعزيز القوة الاقتصادية للمشروع الاستيطاني الإسرائيلي، وزيادة المنتوجات الزراعية والصناعية للمستوطنات الإسرائيلية، التي تزداد نسبتها من مجمل الصادرات الإسرائيلية إلى الاتحاد الأوروبي عاما بعد آخر. في أواخر حزيران/ يونيو الفائت، وزعت المفوضية الأوروبية وثيقة إلى جميع دول الاتحاد الأوروبي تقضي بحظر تمويل المستوطنات الإسرائيلية المقامة في المناطق الفلسطينية والسورية المحتلة عام 1967، أو الاستثمار فيها، أو تقديم منحٍ لها وجوائز. وأوضحت الوثيقة أن هدف هذه التعليمات هو تأكيد عدم اعتراف الاتحاد الأوروبي بالسيادة الإسرائيلية على المناطق العربية التي احتلتها ‘إسرائيل’ عام 1967؛ وذلك انطلاقا من القانون الدولي، وتمشيا مع مواقف الاتحاد الأوروبي. قرارات الاتحاد الأوروبي ما لبثت أن أثارت حفيظة الحكومة الإسرائيلية التي تريد الاستمرار في التمتع بعلاقات الدولة المفضلة اقتصاديا مع الاتحاد الأوروبي، فهي تصر على التعامل مع مشروعها الكولونيالي الاستيطاني وفرض ذلك على الاتحاد الأوروبي، في ما يتعلق بعلاقاتها الاقتصادية معه. وفي هذا السياق، تحاول الحكومات الإسرائيلية، ولا سيما حكومة نتنياهو، الخلط بين الواقع القانوني والسياسي لمشروعها الاستيطاني، وتدعي أن من يعارض الاحتلال والاستيطان الإسرائيلي، ويرفض أصلا شرعيته ويدعو لإزالته وإلى فرض عقوبات على الاستيطان، كأنه يدعو إلى إزالة ‘إسرائيل’ ومعادٍ للسامية وليس للاحتلال والاستيطان الإسرائيلي الذي حصل منذ عام 1967. وأجرى رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو سلسلة من الاتصالات مع عددٍ كبير من قادة دول الاتحاد الأوروبي ومع رئيس المفوضية الأوروبية، ومع مفوضة العلاقات الخارجية في الاتحاد الأوروبي كاثرين آشتون، بغرض إلغاء هذه القرارات أو تأجيلها، لكن محاولاته باءت بالفشل. وفيما أجرى نتنياهو اتصالاته مع قادة الدول الأوروبية، أشارت مصادر إعلامية إلى أن الحكومة الإسرائيلية تعد رزمة من الخطوات ضد الاتحاد الأوروبي في حال عدم تراجعه عن خطواته. وفي أعقاب نشر الاتحاد الأوروبي تعليماته العقابية في 19 تموز/ يوليو بشأن المستوطنات، أصدر وزير الأمن الإسرائيلي موشيه يعلون، بعد مشاورات مع نتنياهو، أمرا للمؤسسة العسكرية الإسرائيلية بوقف التعاون مع مندوبي الاتحاد الأوروبي في الضفة الغربية، والعمل على وقف المساعدات التي يقدمها الاتحاد الأوروبي للمشاريع الاقتصادية الفلسطينية في ‘منطقة ج’ في الضفة الغربية التي تبلغ مساحتها نحو 60′ من مساحة الضفة الغربية، وعرقلة دخول مندوبي الاتحاد الأوروبي إلى قطاع غزة وخروجهم منه. تعليمات الاتحاد الأوروبي المتواضعة والمهمة حول منع حصول المستوطنات على مساعدات الاتحاد الأوروبي، ووضع علامات على منتوجات المستوطنات في شبكات التسويق في أوروبا، التي سيجري تنفيذها مطلع العام المقبل قد تكون متأخرة جدا. فقد عد الاتحاد الأوروبي دوما المستوطنات الإسرائيلية غير شرعية، وتتناقض مع القانون الدولي ومع قرارات الأمم المتحدة. بيد أن كل ذلك لم يمنع الاتحاد الأوروبي من توقيع اتفاقيات اقتصادية مهمة مع ‘إسرائيل’، تساهم مساهمة كبيرة في تعزيز قوتها، وتعزيز الاحتلال والاستيطان الإسرائيلي، ولا سيما اتفاق التجارة الحرة الموقع بين الجانبين عام 2004، من دون اشتراط وقف الاستيطان، كما قبل الاتحاد الأوروبي طوال العقود الماضية تهميش دوره السياسي في ما يسمى ‘العملية السلمية’، علما أنه يملك أوراق ضغط مهمة للغاية إذا ما قرر استعمالها، خاصة أن إسرائيل تعتمد بالدرجة الأولى في مجمل علاقاتها الاقتصادية وتجارتها الخارجية على الاتحاد الأوروبي. أهمية الخطوات التي اتخذها الاتحاد الأوروبي تشير إلى إمكانية بدء مرحلة جديدة وجدية في تعامله مع الاحتلال والاستيطان الإسرائيلي، ولكن هذه العقوبات ضد المستوطنات لا تكفي للتأثير في وقف الاستيطان، فالاتحاد الأوروبي مستمر في استيراد منتوجات المستوطنات، وإن لم يمنحها الإعفاءات الضريبية. وعلى الرغم من أهمية الخطوات التي أُعلنت، إلا أننا لم نرَ مبادرة عربية جدية واحدة لإحياء حملة المقاطعة ضد ‘إسرائيل’، وتشجيع مبادرات المقاطعة الشعبية القائمة. كما لم نلاحظ محاولات عربية للترويج لنموذج الخطوات الأوروبية هذه في دولٍ أخرى مثل الولايات المتحدة وروسيا، وهما من أكبر حلفاء كيان الاحتلال على الإطلاق.