الاتفاق الأمريكي ــ التركي: حساب الأرباح والخسائر في مشهد معقد

منهل باريش
حجم الخط
0

تبدلت خرائط السيطرة في شمال شرق سوريا بشكل غير متوقع، خلال عشرة أيام، أعلنت تركيا بدء عملية “نبع السلام” وتلاها إعلان الرئيس الأمريكي قرار انسحاب من “حرب سخيفة” في سوريا، ما دفع “وحدات حماية الشعب ” إلى قلب الطاولة على الجميع. ومع بدء الانسحاب الأمريكي وإعلان توصلها إلى اتفاق مع النظام السوري، سارع النظام وقوات سوريا الديمقراطية “قسد” بتحرك دعائي، بدأ برفع أعلام النظام السوري في منبج، تلاه تقدم إرسال تعزيزات إلى الأطراف الغربية والشمالية للمنطقة، ودفعت تركيا بتعزيزات لوجستية وناقلات جسور بنية فتح محاور هجوم جديدة على نهر الساجور، وأرسل “الجيش الوطني” تعزيزات كبيرة إلى منطقتي العريمة غرب منبج وعون الدادات التي تعتبر نقطة وصل حيوية بين منبج وجرابلس، وهي المعبر الوحيد المفعل بين مناطق شمال حلب (درع الفرات) ومناطق سيطرة “قسد” ومناطق سيطرة النظام.

وشن الجيش التركي وفصائل “الجيش الوطني” السوري المعارض هجوما برياً على محوري تل أبيض ورأس العين بداية، وفتح محور هجوم جديد باتجاه المبروكة أقصى شرق محافظة الحسكة وأقرب نقاط طريق اللاذقية – الحسكة (M4) واستطاع المهاجمون إطباق الحصار على مدينة تل أبيض والسيطرة عليها في اليوم الرابع للهجوم. في المقابل لم يتمكنوا من السيطرة على رأس العين حتى كتابة هذه السطور (ظهر الجمعة) وتوقيع اتفاق أنقرة بين الرئيس اردوغان ونائب الرئيس الأمريكي مايك بنس.

وركزت تركيا في هجومها على المناطق ذات الغالبية الكردية في محيط رأس العين وشرق بلدة تل تمر، متجنبة القرى العربية الصغيرة في مستطيل المنطقة الآمنة، باعتبار أن سقوطها تحصيل حاصل على غرار بلدة تل أبيض ذات الغالبية العربية.

ونجحت الوحدات الكردية في امتصاص الهجوم الأول على مدينة رأس العين أحد أبرز معاقلها، وساعدتها التحصينات الهندسية وكثرة الأنفاق في عمليات التخفي والتمويه والمناورة هناك. وهو ما قلل من التفوق التقني الكبير للجيش التركي، وخفف من دور الطائرات الهجومية بدون طيار إلى حد كبير. إضافة إلى قرار تركي بعدم تجاوز الخط الأحمر الأمريكي المتعلق بالحفاظ على المدنيين، ورغبة أنقرة في إنجاز عملية عسكرية “نظيفة” قدر استطاعتها. ولجأت القوات التركية إلى تكتيك الإطباق عبر فكي كماشة، فتوغلت من محور الهجوم الغربي على رأس العين باتجاه الجنوب لقطع طرق الإمداد ورصدها والتقدم على صوامع العالية والمناجير غرب بلدة تل تمر .

الناطق الرسمي باسم “الجيش الوطني” المقدم يوسف حمود، رحب بالاتفاق، قائلاً إن “أي حل سلمي يجنب وقوع ضحايا في صفوف المدنيين والعسكريين فهو أمر مرحب به”. وحول عمق المنطقة الآمنة أشار، في حديث إلى “القدس العربي” إلى أن “المنطقة الآمنة هي على كامل الحدود السورية التركية وهي بطول 440 كم وعمق 32 كم”. مضيفاً: “بالنسبة إلى منبج سيحدد وضعها بعد القمة الروسية ـ التركية الثلاثاء القادم” مرجحا بنسبة “90 في المئة أن تكون تحت السيطرة التركية”.

اتفاق اردوغان-بنس

نص اتفاق الخميس، 17 تشرين الأول (أكتوبر) في أنقرة، على تفويض “القوات المسلحة التركية بتنفيذ المنطقة الآمنة في المقام الأول وسيزيد الجانبان تعاونهما في جميع أبعاد تنفيذه”. وكذلك إيقاف تركيا لعملية “نبع السلام” مؤقتاً للسماح بسحب وحدات حماية الشعب من المنطقة خلال 120 ساعة، وسيتم إيقاف العملية كليّاً عند الانتهاء من هذا الانسحاب. وألزم الاتفاق أمريكا على عدم مواصلة فرض العقوبات بموجب الأمر التنفيذي الصادر في 14 من الشهر الجاري، القاضي بحظر الممتلكات وتعليق دخول أشخاص معينين يساهمون في الوضع في سوريا. كما تناول العمل والتشاور مع الكونغرس، حسب الاقتضاء، للتأكيد على التقدم المحرز في تحقيق السلام والأمن في سوريا، وفقاً لقرار مجلس الأمن رقم 2254. وسيتم رفع العقوبات الحالية في حال انتهاء الـ 120 ساعة التي حددها الاتفاق.

ويشكل الغموض الحاصل بعدم تحديد طول وعرض المنطقة الآمنة أحد أهم التحديات المستقبلية لتطبيق الاتفاق، ويذكّر بانهيار الاتفاق السابق حول المنطقة الآمنة أيضاً. وفي حال موافقة أمريكا على أن تشمل المنطقة الآمنة كامل الشريط الحدودي مع تركيا، فهذا يعني خروج الوحدات الكردية بدون انتشار القوات التركية، الأمر الذي لن تمانعه أنقرة. فهي قالت سابقا أن لا مشكلة في سيطرة النظام والأولوية هي خروج الوحدات الكردية، وهو ما قد يدفع باتجاه عملية تطبيع مستقبلية بين النظام تركيا، خصوصاً من بوابة تطبيق اتفاق أضنة .

من جانبها، وافقت القيادة العامة لـ”قسد” على ما أسمته “وقف لإطلاق النار الفوري بين قوات سوريا الديمقراطية والدولة التركية على طول جبهات القتال الممتدة من مدينة رأس العين/ سري كانيه شرقاً وحتى مدينة تل أبيض غرباً”. وأكدت “التزامها بعملية وقف إطلاق النار المعلنة، وطالبت في الوقت ذاته الدولة التركية الالتزام بذلك”.

روسيا من جهتها، راقبت بحذر التطورات يوم الخميس والجمعة، وشددت الخارجية الروسية قبل ساعات من إعلان الاتفاق على “ضرورة بسط سيطرة القوات الحكومية على المناطق الحدودية” وأشارت الناطقة باسم الخارجية الروسية ماريا زخروفا أنه “يتوجب على دمشق أن تتسلم السيطرة على الحدود السورية التركية” و”نقل السيطرة على جميع الأراضي السورية إلى الحكومة السورية الشرعية، بما في ذلك الحدود مع تركيا. وفي هذا الصدد، لا يمكننا إلا أن نرحب بتحقيق الاتفاقات الملائمة بين دمشق والأكراد”.

في سياق متصل، شكل الاتفاق بين النظام السوري و”قسد” تصدعا كبيرا في البنية العسكرية، خصوصا في منطقة دير الزور، حيث تشير المعطيات إلى خلاف كبير بين مجلس دير الزور العسكري، المكون من المقاتلين العرب. وترفض العشائر العربية في شرق دير الزور الاتفاق الحاصل مع النظام، وتمثل ذلك بمظاهرات واحتجاجات شعبية هناك، رفعت العلم الأمريكي وطالبت بإبقاء القوات الأمريكية ورفضت دخول النظام إلى مناطقها.

ويصطدم مجلس دير الزور العسكري بعدة تحديات كبيرة في المستقبل القريب، فهو لن يتمكن من الالتحاق بـ”الجيش الوطني” في مستطيل رأس العين/ تل أبيض إن رغب. ولا يستطيع مجابهة هجوم محور النظام والروس والإيرانيين، الذي يسعى إلى استعادة السيطرة على حقول النفط شرق دير الزور في قلب المنطقة القبلية.

ويبقى هاجس عودة تنظيم “الدولة الإسلامية” أكبر التحديات بالنسبة للفراغ الذي سيخلفه الانسحاب الأمريكي المباشر، يترافق ذلك مع عدم نضوج موقف نهائي أمريكي حول الآلية المتبعة لحل مشكل سجناء التنظيم من المقاتلين وعوائلهم في المخيمات. وتنبئ المعطيات عن عدم ممانعة أمريكية في إشراك روسيا والنظام مع التحالف الدولي من أجل حل أزمة مقاتلي التنظيم وأسرهم، ويعطي المقترح في حال صحته ورقة قوية للنظام السوري، يبتز فيها دول الاتحاد الأوربي في المسألة السياسية ومسألة إعادة الإعمار ويفتح أبواب التطبيع على مصراعيه. ومع تعقد الملف فإن النظام السوري هو الوحيد القادر ربما على التخلص من المقاتلين. حتى ذلك الوقت ستنشط خلايا التنظيم في المنطقة وستقوم بالهجوم على بعض المخيمات وتحرير ما يمكن تحريره من سجون الاعتقال الجماعي التي تشرف عليها “قسد”.

وتساعد الفوضى الأمنية وتشابك القوى الدولية والمحلية على الأرض على عمل أسهل لخلايا التنظيم مع تراجع سيطرة “قسد” وانسحاب أمريكا عسكريا وأمنياً.

ختاما، سيفتح الانسحاب الأمريكي الباب أمام إيران وميليشياتها للانقضاض على شرق الفرات وتعبيد الطريق بين طهران ودمشق مرورا ببوابة البوكمال مع إغلاق معبر التنف وحديث واشنطن عن البقاء في المعبر الصحراوي بين بغداد ودمشق. وفي كل ذلك، تصبح روسيا اللاعب الدولي الوحيد، الذي يهندس الحل السياسي في سوريا بالتفاهم مع الضامنين في مسار أستانا.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية