الاتفاق النووي الإيراني في مهبّ آلية الزناد

حجم الخط
0

بعدما توقف أزيز الطائرات وسقوط الصواريخ الباليستية خلال حرب ال 12 يوماً بين إيران وإسرائيل، انتقلت المواجهة عبر الشاشات والمواقع إلى فضاء حرب مشتقة بأسلحة أخرى: الاتفاق النووي الإيراني، الذي بعد عشر سنوات من توقيعه عام 2015، ما زال في قلب لجة الجدل الدولي. إذ بعد اتفاق إطلاق النار الهش بين الأطراف المتحاربة، حان الآن دور الثلاثي الأوروبي (بريطانيا، فرنسا، ألمانيا) ليصعّد من لهجته تجاه طهران، ملوّحاً بتفعيل ما يُعرف بـ» آلية استعادة العقوبات»، وهي الآلية المنصوص عليها في قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2231 الصادر عام 2015، وتتيح لأي طرف من أطراف الاتفاق النووي – ومنهم الثلاثي الأوروبي – إعادة فرض عقوبات الأمم المتحدة على إيران إذا ما اعتبر أنها انتهكت التزاماتها وفق الاتفاق المعروف رسمياً بـ» خطة العمل الشاملة المشتركة» (JCPOA) .
هذا التهديد الأوروبي الذي جاء على خلفية تحذيرات متكررة من الوكالة الدولية للطاقة الذرية بشأن زيادة تخصيب إيران لليورانيوم إلى مستويات تقترب من الاستخدام العسكري عند مستوى 90 %، وتعليقها تطبيق البروتوكول الإضافي، وتقليص التعاون مع المفتشين الدوليين قابلته إيران، عبر المتحدث باسم وزارة خارجيتها، إسماعيل بقائي، بالتحذير من أن أي تفعيل لهذه الآلية «سيواجه بردّ متناسب»، والذي اعتبر أن الموقف الأوروبي بأنه «مسيس، وعدائي، ولا يقوم على أسس قانونية».

الآلية الخطرة: كيف يقدح زناد «استعادة العقوبات»؟

آلية استعادة العقوبات تمثل سيفاً ذا حدّين. فقد أُدرجت ضمن اتفاق 2015 كنوع من الضمان للغرب، لتُستخدم إذا ما أخلّت إيران بالتزاماتها النووية. وتكمن خطورتها في أن استخدامها لا يتطلب موافقة مجلس الأمن، بل يتم تفعيلها تلقائياً بعد تقديم إشعار للأمم المتحدة من أحد الأطراف الموقعة على الاتفاق، على أن تُعاد جميع العقوبات السابقة خلال 30 يوماً ما لم يصدر قرار مخالف من مجلس الأمن (وهو ما لا يمكن حدوثه بسبب الفيتو الأمريكي المحتّم)، ما يعني فعلياً أن أي طرف من الموقعين يمكنه نسف الاتفاق من أساسه، دون الحاجة لتوافق دولي، مما جعل هذه الآلية تُوصف بأنها «زر التفجير الذاتي» في صلب الاتفاق النووي.

واشنطن تقصف بالقنابل
وأوروبا تقصف بالدبلوماسية

منذ انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي في عهد دونالد ترامب عام 2018، حاول الأوروبيون لعب دور الوسيط، حفاظاً على الاتفاق كوسيلة لمنع إيران من تطوير سلاح نووي، ولحماية مصالحهم الاقتصادية في سوقها الضخم (90 مليوناً). لكن التحولات الجيوسياسية، وتصاعد التوتر في الشرق الأوسط، وتزايد الضغوط الأمريكية والإسرائيلية، دفعت الأوروبيين تدريجياً نحو موقف أكثر تشدداً.
فالتهديد الأخير بإطلاق زناد آلية استعادة العقوبات يمثل تحولاً نوعيا في مواقف الثلاثي الأوروبي، انتقل بها من دائرة الوساطة إلى زاوية المواجهة. لكن كل هذا الصخب المنفعل ضد المشروع النووي الإيراني يبدو عجيباً للغاية إذا ما قورن بالصمت التام والمستمر حيال مشروع نووي سريّ في الجوار الإيراني أصبح من شبه اليقين أنّه أنتج بالفعل قنابل ذريّة: إنه المشروع النوويه الإسرائيلي.

أسد على نووي إيران

من المفارقات الكبرى في النظام الدولي أن العالم بأسره، وبالأخص الدول الغربية، يتعامل مع البرنامج النووي الإيراني كتهديد وجودي ويبذل بالتضامن الحثيث جهوداً سوبرمانية لمنع وصوله إلى مستوى العسكرة، بينما يصمت صمت الحملان حيال الترسانة النووية الإسرائيلية. إسرائيل، التي لم توقّع على معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، تمتلك وفق تقديرات الخبراء ما بين 80 إلى 200 رأس نووي، وتحتفظ بسياستها المعروفة بـ» الغموض النووي»، فلا تنفي ولا تؤكد امتلاكها للسلاح الجبار، لكنها ترفض تماماً الخضوع لأي تفتيش دولي، وذلك في وقت يعاقَب فيه الشعب الإيراني اقتصادياً وسياسياً لمجرد امتلاك بلاده تكنولوجيا تخصيب اليورانيوم على مستويات متدنية.
وبينما اتخمت شاشات التلفزيون وعناوين الصحف بالجدل حول تفاصيل المشروع الإيراني تنطفأ الأضواء، ويبهت الحبر، فلا يطرح أحد السؤال حول منشأة ديمونا، ولا يُناقش دور إسرائيل في تسعير سباق التسلّح الإقليمي، ولا يُلوّح بأي آلية لاستعادة عقوبات أو تجميد التعاون التكنولوجي والعسكري معها.
هذا التفاوت الصارخ في المعايير (الدّولية) يفتح الباب على آخره أمام قراءة سياسية لا تخفى على أحد: المسألة ليست تتعلق بمنع الانتشار النووي، بقدر ما هي مسألة احتكار للسلاح النووي في يد حلفاء الغرب، وتجريم لأي محاولة من خصومه لامتلاك أدوات الردع.

مآلات اتفاق 2015: ثلاث سيناريوهات محتملة

إيران تدرك أن استخدام آلية العقوبات هو بمثابة إعلان حرب دبلوماسي، وربما مقدمة لما هو أكثر. ولهذا فهي تستعد، كما تقول، لردّ «متناسب»، وقد يشمل رفع مستوى التخصيب إلى ما فوق 90٪ – حد السلاح النووي – والانسحاب الرسمي من معاهدة عدم الانتشار النووي وغيرها من الخطوات التي ستكون بمنزلة تحوّل جذري، يجعل المواجهة مع الغرب شاملة، ويقوّض ما تبقى من الهيكل الأمني الإقليمي.
في ظل التّهديدات الأوروبية، وتصلب الموقف الإيراني، تبرز ثلاثة سيناريوهات ممكنة لمصير الاتفاق النووي، أوّلها أن يمضي الثلاثي في تهديداته، ويفعّل آلية الاستعادة، فإن الاتفاق سيلقى عندئذ حتفه رسمياً، وستُعاد العقوبات الدولية على إيران، بما فيها حظر الأسلحة، والتجميد المالي، ما قد يدفع طهران إلى تسريع خطواتها نحو بناء قدرات نووية متقدمة تأخذها إلى العسكرة. وهذا السيناريو قد يفتح الباب لمواجهة إقليمية أوسع، وربما لعودة الولايات المتحدة إلى خيار «الضربات الوقائية»، أما ثانيها فقد يكون أن الثلاثي لجأ إلى استخدام التهديد بتفعيل الآلية كوسيلة ضغط فقط، دون نية حقيقية لتفعيله، على نية استعادة طهران إلى طاولة مفاوضات جديدة، تشمل ملفات أخرى مثل الصواريخ الباليستية والدور الإقليمي لطهران، وملف حقوق الإنسان. وهذا السيناريو يعتمد على مدى تجاوب إيران، وعلى توحيد مواقف الثلاثي المتنافرة أحياناً، أما ثالثها فتجاوز الاتفاق القديم نحو مبادرة دبلوماسية جديدة بقيادة أطراف ثالثة مثل الصين أو روسيا أو حتى بعض دول الخليج دوراً وسطياً لصياغة تفاهم بديل له، يضمن مراقبة البرنامج النووي الإيراني مقابل رفع تدريجي للعقوبات، وإدماج إيران في ترتيبات أمنية إقليمية.

عن عدالة نووية مفقودة

إن مستقبل الاتفاق النووي الإيراني لم يعد مجرد قضية فنية تخص تخصيب اليورانيوم أو أجهزة الطرد المركزي، بل أصبح مرآة لانهيار منظومة العدالة الدولية في مجال الحدّ من انتشار الأسلحة. فطالما بقيت إسرائيل فوق القانون، وتمّ التساهل مع ترسانتها النووية، ستبقى كلّ اتفاقيات «عدم الانتشار» منقوصة ومزدوجة المعايير وفيها من الحوافز لدفع القوى الفاعلة إلى امتلاك ردعها الخاص ضد ترسانات الدول الكبرى.
إيران، كغيرها من الدول الطامحة إلى لعب دور إقليمي مستقل، ستقرأ هذا الصمت الدولي على النووي الإسرائيلي بوصفه ترخيصاً ضمنياً باحتكار الردع النووي، ما يدفعها دفعاً نحو الخروج من النظام العالمي القائم على الهيمنة لا على العدالة.
وما لم يُعاد النظر في هذه المعايير المزدوجة، فإن ما نشهده اليوم من توترات قد لا يكون إلا مقدّمة لحرب نووية باردة جديدة، تندلع هذه المرة من قلب الشرق الأوسط.

إعلامية وكاتبة لبنانية – لندن

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية