الاتفاق النووي: هل ينجح الأوروبيون في جمع الإيرانيين والأمريكيين على طاولة واحدة؟

آدم جابر
حجم الخط
0

باريس-»القدس العربي»:   بعد أن وضعها الرئيس الأمريكي في موقف لا تحسد عليه وأسكت صوتها على خلفية انسحاب إدارته بشكل أحادي من اتفاق فيينا عام 2015 حول برنامج إيران النووي وفرضها سلسلة من العقوبات لخنق إيران، تحاول الدول الأوروبية الموقعة على هذا الاتفاق (فرنسا، ألمانيا، بريطانيا) مجدداً إسماع صوتها بشأن هذا الاتفاق المبرم بين الدول الكبرى وإيران والذي يترنّح منذ الانسحاب الأمريكي عام 2018.

فمنذ خروج دونالد ترامب من البيت الأبيض وقدوم جو بايدن، وهو نائب الرئيس الأمريكي خلال فترة توقيع اتفاق فيينا حول البرنامج النووي عام 2015 أظهرت الدول الأوروبية الموقعة على هذا الاتفاق (فرنسا وألمانيا وبريطانيا)، إلى جانب الصين وروسيا، أظهرت توافقاً مع إدارة الرئيس جو بايدن بشأن إيران وبرنامجها النووي، الذي يعد القضية الأولى التي يتعين على الإدارة الأمريكية الجديدة التعامل معها دوليًا. فقد «تحرر الأوروبيون الموقعون على الاتفاق النووي الإيراني من فترة الإحراج الطويلة التي سببها لهم الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب بانسحاب الولايات المتحدة الأمريكية عام 2018 من الاتفاق النووي. لا بل مكنهم قدوم بايدن إلى البيت الأبيض من إعادة رص الصف الغربي في مخاطبة طهران، ليكون الهدف الأول هو حمل إيران وبالطرق الدبلوماسية على العودة إلى احترام كامل التزاماتها النووية» كما يقول الصحافي والمحلل السياسي محمد كلش، لـ»القدس العربي».
بعد بضعة أيام من تنصيب بايدن، صرح الرئيسُ الفرنسي إيمانويل ماكرون لعدد من الصحافيين الدوليين خلال اجتماع في الإليزيه، أنه سيدعم حواراً جديداً مع إيران حول اتفاق فيينا بشأن برنامجها النووي، مشدداً على أنه من الضروري إشراك دول أخرى في المنطقة (إسرائيل والمملكة العربية السعودية) في هذه المفاوضات الجديدة. وأشار ماكرون إلى أنه على استعداد للعب دور الوسيط النزيه بين واشنطن وطهران. وقد سارعت الحكومة الإيرانية إلى رفض إجراء أي مفاوضات أو تغييرات على اتفاق فيينا حول برنامجها النووي، معتبرة أن الاتفاق دولي متعدد الأطراف وصدق عليه قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2231 فهو بالتالي غير قابل للتفاوض كما أن الأطراف فيه واضحة وغير قابلة للتغيير.

القلق الأوروبي وحوار الطرشان

كما توالت بيانات الدول الأوروبية الموقعة على الاتفاق النووي (فرنسا وألمانيا وبريطانيا) المنتقدة لإعلان طهران استئنافها تخصيب اليورانيوم بنسبة 20 في المئة، وهي أعلى بكثير من النسبة المحددة بموجب اتفاق فيينا حول برنامج إيران النووي. وأعربت المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل للرئيس الإيراني حسن روحاني، خلال اتصال هاتفي في الـ17 شباط/فبراير المنصرم، عن «قلقها» حيال مستقبل الاتفاق النووي، وحثته على «إرسال إشارات إيجابية لإعادة الثقة بين جميع الأطراف» بحسب ما أعلنت وقتها المتحدث باسم الحكومة الألمانية شتيفن زايبرت. وكرر الأوروبيون لغة التنديد والدعوة إلى الالتزام بالاتفاق النووي هذه نفسها، بعد أن أعلنت طهران في نهاية شهر شباط/فبراير أنها بدأت تقليص عمل مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية بعد انتهاء المهلة التي حددها البرلمان الإيراني لرفع العقوبات التي فرضتها إدارة الرئيس الأمريكي السابق عقب انسحابها من الاتفاق النووي.
وسط هذه التحركات الأوروبية، تشدد إدارة الرئيس الأمريكي الجديد جو بايدن أن العودة إلى الاتفاق النووي الإيراني مرهونة بعودة إيران المسبقة للتقيّد ببنوده كافة. في المقابل تشترط طهران رفع العقوبات المفروضة عليها والتي تخنق اقتصادها. وفي خضم ما يمكن وصفه بـ»حوار الطرشان» بين طهران وواشنطن، حتى الآن، واصلت الدول الأوروبية مساعيها لحمل طهران للعودة إلى طاولة المفاوضات مع الولايات المتحدة، حيث اقترحت عقد اجتماع «غير رسمي» بمشاركة الولايات المتحدة الأمريكية، لبحث سبل إحياء الاتفاق. وهو مقترحٌ لاقى ترحيباً من واشنطن، لكن طهران رفضت الفكرة، مصرة على ضرورة رفع العقوبات الأمريكية التي تخنق اقتصادها. واعتبرت الخارجية الإيرانية أن حكومتها ترى أن «الوقت غير مناسب» لعقد هذا الاجتماع غير الرسمي.
وضمن هذا السياق، أجرى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون هذا الأسبوع مكالمة هاتفية مع نظيره الإيراني حسن روحاني، عبر له فيها عن «قلقه العميق» إزاء القرارات التي اتخذتها إيران مؤخراً و «المخالفة» لاتفاقية فيينا حول برنامج إيران النووي، كما طلب منه تقديم «مبادرات واضحة» لإحياء هذا الاتفاق، وفق ما جاء في بيان قصر الإليزيه، مساء الثاني من شهر آذار/مارس الجاري. لكن الرئيس الإيراني جدد لنظيره الفرنسي الموقف الإيراني القاضي بـ»ألا تفاوض حول الاتفاق النووي» مشدداً على أن «السبيل الوحيد للحفاظ على هذا الاتفاق وإحيائه هو رفع العقوبات الأمريكية» وفق ما جاء في بيان الرئاسة الإيرانية.

التهديد الأوروبي

بالتزامن مع مكالمة ماكرون- روحاني هذه، أعلن وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان، أمام لجنة الشؤون الخارجية في البرلمان الفرنسي، أن الأوروبيين سيعرضون مشروع قرار على الوكالة الدولية للطاقة الذرية «يُدين» تقليص إيران لعمل مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية وعمليات التفتيش المتعلقة ببرنامجها النووي، مؤكداً بذلك ما كشفت عنه مصادر دبلوماسية في وقت سابق، بأن ألمانيا وفرنسا وبريطانيا سيطرحون على مجلس حكام الوكالة الدولية للطاقة الذرية، يوم الجمعة المنصرم، مشروعا ينتقد طهران ويدعوها إلى استئناف فوري لمجمل عمليات التفتيش المنصوص عليها. وهو ما حذرت طهران وموسكو من مغبته.
غير أن الأوروبيين تراجعوا عن هذه الخطوة، عشية موعدها المفترض، في خطوة رحبت بها طهران وموسكو، وأيضا واشنطن، التي جددت دعوة الإيرانيين إلى المفاوضات «من أجل تحقيق تقدم ملموس موثوق» وفق ما جاء على لسان المتحدث باسم الخارجية الأمريكية نيد برايس، الذي جدد التأكيد على موقف الإدارة الأمريكية الجديدة: «مستعدون للعودة إلى الاتفاق النووي، شرط أن تعود إيران إلى التزاماتها السابقة». وفي محاولة لتبرير الخطوة، أكدت مصادر فرنسية أن ما تم هو «تعليق مؤقت» أدت إليه «إشارات مشجعة» من الجانب الإيراني، وهي مؤشرات «تم الحصول عليها بفضل التهديد بهذا القرار حتى اللحظات الأخيرة» وفق ما نقلت وكالة «فرانس برس» عن دبلوماسي فرنسي، والذي أوضح في الوقت ذاته أن الدول الأوروبية الثلاث الموقعة على اتفاق فيينا حول برنامج إيران النووي (فرنسا وألمانيا وبريطانيا) تحتفظ بإمكان «طلب اجتماع طارئ» لحكام الوكالة الدولية للطاقة الذرية إن لم تتحول هذه المؤشرات الإيجابية إلى واقع ملموس.

إشارات إيجابية

وفي موازاة تراجع الأوروبيين عن طرح مشروع قرارهم ضد إيران لدى الوكالة الدولية للطاقة الذرية، أعلن مدير الوكالة رافايل غروسي، أن طهران قبلت بـ»الانخراط في اجتماعات تقنية» مع الوكالة حول القضايا التي ما تزال عالقة، فيما تحدث دبلوماسيون أرووبيون عن إمكانية أن تحتضن بروكسل في غضون أيام «اجتماعا غير رسمي – بمشاركة الولايات المتحدة» حول الملف النووي الإيراني. وهي المبادرة التي اقترحها الأوروبيون في وقت سابق، ورفضتها طهران، في ذلك الوقت.
فهل نجحت فعلا تهديدات الأوروبيين الأخيرة في تليين أو تغيير موقف إيران؟ الباحث السياسي المختص في الشأن الإيراني الدكتور إياد المجالي يرى في رده على «القدس العربي» أن الأوروبيين خيبوا آمال النظام السياسي الإيراني بعد أن كانت طهران تضغط للحصول على مكاسب سياسية في تصعيد موقفها في استراتيجية حافة الهاوية لتدفع بالأوروبيين إلى اتخاذ مواقف داعمة لها بشأن رفع العقوبات الاقتصادية الأمريكية عنها. ويبدو، بحسبه، أن مواقف الدول الأوروبية الثلاث الموقعة على اتفاق فيينا 2015 منسجمة إلى حد بعيد مع استراتيجية الإدارة الأمريكية في الدعوة إلى إعادة احياء الاتفاق النووي بالطرق الدبلوماسية مع إضافة بعض الشروط والأسس التي تجعل منه اتفاقا يخدم التوجهات الأوروربية والأمريكية والحلفاء الإقليميين ويسمح لطهران من العودة مجددا إلى حظيرة المجتمع الدولي مقابل بعض التسهيلات التي تمكنها من تعزيز دخلها القومي وتحسين اقتصادها مقابل الالتزام الكامل بالاتفاق القديم، وفق الدكتور المجالي. على أي حال، الأيام والأسابيع المقبلة كفيلة بالرد على هذا السؤال.

اقتباس
الأوروبيون خيبوا آمال النظام السياسي الإيراني

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية