القاهرة ـ «القدس العربي»: «عم سالم واحد من أيقونات الورشة، تشعر به وقد خرج توّاً من إحدى فصول رواية، كان أبطالها هؤلاء الذين يسعون في الأرض لا يريدون إلا رضا الله ومحبة الناس. يدور عم سالم حول المائدة المستطيلة وقد تحلق حولها المتحدثون من رواد الورشة، حاملاً زجاجات الماء وأكواب الشاي والقهوة والنسكافيه… عم سالم يجلس مُستمعاً إلى ما يُقال في الندوة متفاعلاً، صحيح أنه لا يُشارك لكنني أراه يجلس تبدو عليه أمارات الرضا والبهجة.. واحد من صانعي بهجة ورشة الزيتون». (من شهادة الكاتبة فاطمة الصعيدي)
ربما تصبح الفقرة السابقة مدخلاً مناسباً لحكي سيرة (ورشة الزيتون الأدبية) ودورها الثقافي في مصر. فما بين سقف متآكل تساقط طلاؤه وأصبح يُشكّل لوحة رسمها الزمن والأرواح الصاعدة لمَن مرّوا بالمكان، وكراسي خشبية عتيقة وطاولة مستطيلة تتم مناقشة العديد من الأعمال الإبداعية والفكرية لكُتّاب مصريين وعرب، أغلبهم كانوا في بداية مشوارهم، وكذا قضايا ثقافية تتقاطع في أكثر الأحيان مع قرارات الحظيرة الثقافية وتابعها المُسمى (وزارة الثقافة المصرية) ليبدو المكان كصوت ثقافي مستقل ومؤثر، ويحمل قدراً كبيراً من المصداقية في الوسط الثقافي المصري والعربي.
بدأت (ورشة الزيتون) رحلتها عام 1979، ولم تزل حتى الآن تواصل رسالتها كمكان يتسع للجميع، دون تفضيل اسماء بعينها، أو مكانة هذا الكاتب أو ذاك. وبمناسبة صدور كتاب «ورشة الزيتون قلب الحياة الثقافية.. شهادات ورؤى» يحاول الروائي محمد إبراهيم طه، أن يقدم من خلال شهادات بعض ممن مرّوا بالورشة ـ أكثر من 60 شهادة ـ أن يرسم ويحكي سيرة أخرى للحياة الثقافية في مصر. انتهى إبراهيم طه من الكتاب في 2019، وقت بلوغ الورشة عامها الأربعين، لكنه صدر منذ أيام عن الهيئة العامة المصرية للكتاب، وبهذه المناسبة أقيمت ندوة احتفائية في المركز الدولي للكتاب في القاهرة.

في مواجهة الثقافة الرسمية
بدأ الحديث الكاتب والسياسي أحمد بهاء الدين شعبان، مؤكدأ أن أي محاولة للنهضة دون ثقافة مصيرها الحتمي الفشل. وأتت فكرة ورشة الزيتون كرؤية تعبّر عن جيل السبعينيات، الذي بدأ هذه الرحلة كمحاولة لإحداث تغيير ديمقراطي سلمي، ورحلة الورشة تؤكد هذه الفكرة. ومنذ تأسيسها منذ عام 1979 وحتى الآن، وهي مؤسسة أهلية بالأساس قدّمت مئات المفكرين والمبدعين على مستوى مصر والعالم العربي، البعض منهم كان مجهولاً وقتها، وربما لو لم يجد هذه الفرصة لكان مصيره اليأس. فالأمر نموذج لمشروع اجتهاد شعبي في المقام الأول، لم يزل يحافظ على استقلاله، وقد رفض طوال مسيرته أي مساعدات رسمية داخل مصر أو خارجها ضماناً لهذا الاستقلال. وأضاف شعبان أن النظر إلى الورشة ومسيرتها من هذه الزاوية يؤكد دورها كصوت موازٍ لمؤسسات الثقافة الرسمية، بل أكثر تفاعلاً وتأثيراً في الحياة الثقافية أكثر من وزارة الثقافة نفسها بكل ما لديها من إمكانات.
المشهد الثقافي المصري
ويرى الروائي محمد إبراهيم طه ـ مُعد الكتاب ـ أن الورشة رصدت وما زالت المشهد الثقافي المصري بدقة، وربما تجاوزت ذلك للمشهد العربي أيضاً. كذلك تشهد الورشة من خلال ندواتها اتجاهات وملامح الكتابة المصرية، كما قامت بتخريج العديد من النقاد ـ معايشة وممارسة ـ بعيداً عن النقاد الأكاديميين التابعين للمؤسسات التعليمية الرسمية. ففكرة الحلقة النقاشية هي أساس هذه الندوات، فلا توجد منصة يتصدرها شخص أو عدة أشخاص، وبالتالي ما على الحضور إلا الاستماع، بل للجميع حق المناقشة والتعليق على العمل، فقوة المكان تبدو كقيمة لا كسلطة. ووفق هذا المبدأ تتساوى الأعمال التي تتم مناقشتها في الورشة، من حيث المتابعة والاهتمام النقدي، فترى أعمالاً لكبار الكتاب كالغيطاني وسليمان فياض وسعيد الكفراوي مثالاً، وبين كاتب يحتفي المكان ورواده بعمله الأول.
رهان الاستمرار
وفي الأخير تأتي شهادة الشاعر والناقد شعبان يوسف مؤسس ورشة الزيتون، الذي قال إنه مدين بالمكان للسياسي والمترجم فخري لبيب مسؤول مقر حزب التجمع في الزيتون وقتها، وهو مترجم رباعية «الإسكندرية» للورانس داريل، ونظراً لوعيه الثقافي ودوره أتاح المكان لتأسيس هذا النشاط الثقافي منذ عام 1979 وحتى الآن. ويُشير يوسف إلى أن الاسم الأول للورشة كان (النادي الأدبي الثقافي) ثم (ورشة يوسف إدريس للإبداع والنقد) وأخيراً استقر الأمر على (ورشة الزيتون). ومما يُضاف للمكان كمؤسسة أهلية ثقافية عدم الاقتصار على متابعة الإنتاج الفكري والإبداعي للكُتّاب، بل المشاركة في الحياة الثقافية من خلال ندوات عن أحداث مهمة في مصر اجتماعياً وثقافياً، كندوة ثورة 1919، وكذلك الاحتفاء بأصوات مؤثرة في الثقافة المصرية والعربية، منهم.. محمد خليل قاسم، شهدي عطية الشافعي، صلاح عبد الصبور، يحيى الطاهر عبد الله، غالب هلسا، والكثير من المثقفين. كذلك يواكب المكان أهم القضايا الأدبية، فقد تمت مناقشة (محور الرواية) مثلاً على امتداد ستة أشهر، بداية من عام 2000، كظاهرة أطلق عليها في ما بعد (الانفجار الروائي). ويختتم شعبان يوسف كلمته قائلاً: إن الورشة نفت زيف مقولة كُتّاب القاهرة وكُتّاب الأقاليم، فالمؤلفات التي تتم مناقشتها كان يأتي أصحابها من الإسكندرية وحتى أسوان، ويبقى استمرار هذا المشروع مرهوناً بالجيل الجديد من رواد الورشة ونقادها.