دمشق ـ «القدس العربي»: شهدت قرية الحميدية في ريف القنيطرة، جنوب سوريا، فجر أمس الثلاثاء، عملية هدم واسعة نفذتها قوات الاحتلال الإسرائيلي، طالت أكثر من 15 منزلا تعود لمدنيين سوريين، وذلك في تصعيد جديد ضمن سلسلة من الإجراءات العسكرية التي تشهدها المنطقة منذ سقوط نظام الأسد قبل ستة أشهر.
وأكدت مصادر ميدانية لـ «القدس العربي» أن عملية الهدم جرت بشكل مفاجئ خلال ساعات الليل، دون توجيه أي إنذار مسبق للأهالي، ما أثار حالة من الذعر والخوف في أوساط السكان، خاصة أن المنازل المهدمة كانت لا تزال مفروشة وتحتوي على ممتلكات شخصية لأصحابها الذين أُجبروا على مغادرتها عقب انهيار النظام.
رانيا الخياط، وهي من سكان الحميدية، أوضحت لـ«القدس العربي» أن قوات الاحتلال أقامت نقطة عسكرية إسرائيلية بجوار هذه المنازل، مضيفة: «سمعنا ليل الثلاثاء أصوات جرافات تعمل في الظلام الدامس قرب النقطة العسكرية، لم نكن نعلم ما الذي يحدث حتى بدأنا نسمع أصوات انهيار البيوت واحداً تلو الآخر». وأضافت أن المنازل المدمرة تقع إلى الغرب من النقطة العسكرية الإسرائيلية، مشيرة إلى أن الهدم تم بذريعة قربها من الموقع العسكري. وفي سياق متصل، نقل مصدر مسؤول من ريف القنيطرة لـ «القدس العربي» أن قوات الاحتلال تعمد إلى استفزاز السكان المحليين من خلال إقامة سواتر ترابية على الطرق المؤدية إلى الحميدية، ثم إزالة هذه السواتر وإعادة تعزيزها بشكل متكرر.
وجاءت عملية الهدم بعد يوم واحد من توغل آليات عسكرية إسرائيلية في طريق سد المنطرة في قرية رويحينة، في ريف القنيطرة الغربي، وسط انتشار أمني مكثف في محيط المنطقة.
ووفقا للمصدر ذاته، فإن السواتر الترابية باتت منتشرة على الطرق التي تربط قرى جباتا الخشب والحميدية وصولا إلى بلدات الريف الجنوبي، مثل طرنجة وأوفانيا. كما أغلقت القوات الإسرائيلية الطريق الفرعية التي تربط سد رويحينة بسد المنطرة، ما زاد من صعوبة التنقل في المنطقة.
توغل واعتقال مدني
التصعيد الإسرائيلي لم يقتصر على عمليات الهدم، إذ أفادت الناشطة الميدانية سلام الهاروني لـ«القدس العربي» بأن القوات الإسرائيلية اعتقلت فجر الثلاثاء أحد سكان قرية طرنجة في ريف القنيطرة الشمالي، من دون الكشف عن أسباب الاعتقال.
وكانت قوة عسكرية إسرائيلية قد اقتحمت قرية الصمدانية الشرقية في ريف القنيطرة الجنوبي، الإثنين، وأقامت حاجزا مؤقتا على الطريق العام داخل القرية، حيث نفذت عمليات دهم وتفتيش طالت عدة منازل، قبل أن تعتقل الشابين خليل إبراهيم حسين وأحمد ياسر حسين، وتنقلهما إلى نقطة العدنانية العسكرية، دون أي توضيح رسمي حول خلفية هذا الاعتقال.
وتأتي هذه التطورات في ظل توتر متصاعد في الجنوب السوري، وسط المواجهات الإيرانية ـ الإسرائيلية المستمرة، والتي ترافقت مؤخرا مع توغلات شبه يومية للجيش الإسرائيلي داخل أراضي محافظة القنيطرة.
سقوط مسيّرات إيرانية قرب درعا… وأضرار مادية في بيوت ومزارع المدنيين
في السياق ذاته، شهدت محافظة درعا القريبة سقوط طائرة مسيرة إيرانية في قرية حيط في ريف درعا الغربي، حيث أظهرت صور ومقاطع مصورة لحظة تحطم الطائرة.
وأوضح أيمن أبو نقطة، المسؤول الإعلامي في شبكة «تجمع أحرار حوران»، لـ «القدس العربي» أن حطام الطائرة نقل إلى وحدات الهندسة العكسية التابعة لوزارة الدفاع السورية. كما ذكرت مصادر إعلامية محلية أن جيش الاحتلال أسقط ثلاث مسيرات إيرانية أخرى فوق بلدة القصير في حوض اليرموك غرب درعا.
وأضافت المصادر أن الطائرات المروحية الإسرائيلية حلّقت بكثافة على طول السياج الفاصل مع الجولان السوري المحتل، في تكرار يومي للمشهد العسكري المستمر منذ أكثر من خمسة أيام، وسط مخاوف متزايدة من اتساع رقعة التصعيد.
سقوط مسيّرات
وأشارت تقارير ميدانية إلى أن إسقاط هذه المسيرات تسبب بأضرار مادية كبيرة في منازل ومزارع المدنيين في محافظتي درعا والقنيطرة، وسط تحذيرات من سقوط ضحايا مدنيين نتيجة تكرار حوادث التحطم في مناطق مكتظة بالسكان.
ومنذ سقوط النظام السوري في الثامن من ديسمبر/كانون الأول الماضي، أعلنت إسرائيل أنها تمركزت في أكثر من عشرة مواقع في المنطقة العازلة ضمن مرتفعات الجولان، وفق اتفاق فض الاشتباك الموقع عام 1974، والتي من المفترض أن تكون منطقة خالية من الوجود العسكري. إلا أن الجيش الإسرائيلي سرعان ما وسّع نطاق سيطرته وتوغله في المناطق المحيطة، وسط غياب أي رقابة دولية.
ووفق مصادر إعلامية مطلعة، بدأ جيش الاحتلال بتحويل المواقع العسكرية السورية السابقة، والتي استولت عليها الكتيبة 101 التابعة لوحدة المظليين الإسرائيلية، إلى نقاط عسكرية دائمة مزودة ببنية تحتية متكاملة تشمل مرافق خدمية ومكاتب للضباط وأعمدة اتصالات، ما يثير مخاوف جدية من محاولة فرض واقع ميداني جديد تمهيداً لترسيخ الاحتلال.
وبعد سقوط نظام الأسد، نجحت القوات الإسرائيلية في تثبيت وجودها العسكري حتى وصلت إلى دوار العلم في قلب مدينة البعث، وهي نقطة استراتيجية تربط أرياف دمشق ودرعا والقنيطرة.
وتشير مصادر لـ «القدس العربي» إلى أن إسرائيل أنشأت نقاطا عسكرية في مواقع عديدة، بينها قمة جبل الشيخ، وقرى صيدا الجولان، وعابدين، ومعريا، ونافعة، وكويا، والدرعيات، والبصالي، وعين القاضي، والمقرز، وأم باطنة وجملة.
كما ضمت قائمة النقاط المسيطرة عليها كلا من سد المنطرة، وأم العظام، والعدنانية في الريف الغربي للقنيطرة، إلى جانب مرتفع شارة الحرمون في ريف دمشق الجنوبي الغربي، وقرى سويسة والرفيد في جنوب القنيطرة، ليصل بذلك عدد النقاط العسكرية الإسرائيلية إلى 12 نقطة رئيسية، تتمركز فيها قوات الاحتلال بحواجز ثابتة.