الاحتلال جريمة حرب والاستيطان وضم الأراضي تفاصيلها

عبد الحميد صيام
حجم الخط
1

يقر القانون الدولي مبدأ عدم جواز ضم أرض بالقوة

نيويورك-“القدس العربي”: الحديث عن ضم المستوطنات وغور الأردن الذي اتفق عليه الائتلاف الحاكم في إسرائيل انطلاقا من الأول من تموز/يوليو جزء أساسي من صفقة ترامب-نتنياهو التي سميت “بصفقة القرن” التي أطلقت في كانون الأول/يناير الماضي، وتهدف في المحصلة الأخيرة الاستيلاء على كل أرض فلسطين وحصر السكان الفلسطينيين في مجموعة معازل وبؤر مقطعة الأوصال يسمح لهل الترابط بأنفاق تحت الأرض أو طرق فوقها وكلها تحت السيادة الإسرائيلية. هذا هو الهدف الذي اتفق عليه كل السياسيين الصهاينة منذ الأيام الأولى لحرب حزيران/يونيو عندما دخلت الجرافات وهدمت حي المغاربة في القدس. ثم توجهت إلى القرى الفلسطينية الثلاث، عمواس ويالو وبيت نوبا، الأقرب إلى العمق الإسرائيلي في تل أبيت وأزالتها عن الوجود.

والذي لا يعرف المنطقة ولا يزور فلسطين المحتلة قد يستغرب مثل هذا القرار الخطير، وهو خطير فعلا في توقيته وأبعاده السياسية وليس العملاتية. هذه المناطق خاضعة فعلا للقانون الإسرائيلي فقط وليس للفلسطينيين أي سلطة هناك حسب اتفاقية أوسلو 2 التي تم توقيعها في طابا المصرية برعاية حسني مبارك يوم 24 أيلول/سبتمبر 1995. هذه المناطق التي تقع ضمن منطقة “ج” حسب الاتفاقية المذكورة لا توجد فيها كثافة سكانية فلسطينية عن قصد، فقد منعت إسرائيل الفلسطينيين من البناء والتعمير في مناطق جيم التي تشكل 60 في المئة من أراضي الضفة الغربية وأكثر عمليات الهدم تنفذ في هذه المنطقة كي يضطر السكان أن يهجروا أراضيهم ويرحلوا باتجاه المدن. أما المناطق الريفية المكتظة بالقرى والبلدات فقد وقعت ضمن المجموعة “ب” التي تمنح الفلسطينيين الإدارة وتبقي على الأمن في يد الإسرائيليين. ثم أعطيت السلطة الإدارة والأمن (شرطة ومخابرات) في منطقة “أ” المكتظة بالسكان والمحصورة في المدن الكبرى والتي لا تزيد عن 5 في المئة من مساحة الضفة الغربية. أما بالنسبة للقدس فقد بقيت خارج تلك التقسيمات على أساس أن تكون ضمن مفاوضات الوضع النهائي.

 

توسع الاستيطان قبل أوسلو

كانت إسرائيل تعرف ما تريد منذ اليوم الأول. إنها تريد الأرض كل الأرض بدون سكان. وإذا كانت غير قادرة على إنهاء الوجود السكاني عن طريق المجازر أو التطهير العرقي كما فعلت عامي 1948-1949 فقد وضعت الخطط بعيدة المدى للتخلص من السكان الفلسطينيين بطرق عديدة وملتوية، كان أهمها، من وجهة نظري، الانسحاب من قطاع غزة عام 2005 لتحول القطاع إلى مشكلة مصرية فلسطينية بالأساس. ثم عمقت الفصل بين غزة والضفة كي يبتعد التشكل الغزاوي على أرض الواقع بعيدا عن الحجم الأكبر للفلسطينيين في الضفة والقدس وضواحيها.

كل رئيس وزراء إسرائيلي منذ 1967 عمل على توسيع الاستيطان من حكومة ليفي أشكول عام 1967 إلى حكومات نتنياهو الأخيرة.

 لقد أقامت إسرائيل البنى التحتية لكافة المناطق الفلسطينية غير المكتظة كي يسهل السيطرة عليها وخاصة بعد أن بدأت عملية الاستيطان الكبرى التي دشنتها أول حكومة لليكود بعد عام 1977 والتي ترأسها مناحيم بيغن ووزير دفاعه أرييل شارون والذي نقل إلى وزارة الاستيطان (يسمونها الإسكان) بعد تحقيق لجنة كاهان في دوره في مجزرة صبرا وشاتيلا. بدأت عمليات الاستيطان الواسعة والمدروسة تماما بعد أن أطلق شارون صيحته التي طالب فيها الاستيلاء على الأراضي قائلا: “جميعنا يجب أن نتحرّك، أن نركض، يجب أن نستولي على مزيد من التلال، يجب أن نوسّع بقعة الأرض التي نعيش عليها. فكل ما بين أيدينا لنا، وما ليس بأيدينا يصبح لهم”. انتشرت المستوطنات الصغيرة على رؤوس التلال خاصة، وكانت تبدأ بعدد قليل من الأكواخ ومضخة مياه ومولد كهربائي، ثم ما تلبث أن تتوسع وتتحول الأكواخ إلى بيوت عادية وتضاف إليها المتسلزمات الأخرى من مدارس وروضات وملاعب وأسواق ومطاعم ثم يضاف إليها مصنع أو مصنعان أو أكثر كي يزود المستوطنة بعمالة محلية. وقد أقيمت في هذه الفترة 35 مستوطنة تحول بعضها إلى مدن كبيرة.

وتشير معلومات المكتب المركزي للإحصاءات الفلسطينية أن المستوطنات التي بناها الليكود تقارب 70.1 في المئة في حين ساهم حزب العمل في بناء 29.95 في المئة من المستوطنات، ومعظم هذه المستوطنات تم بناؤها بين أعوام 1976 ـ 1982م، فترة بيغن-شارون و1986-1991م، في فترة شامي حيث أقيم أكثر من 46 مستوطنة. ثم تباطأت عملية الاستيطان بعد مؤتمر مدريد ودخول مرحلة المفاوضات المباشرة في واشنطن وصولا إلى اتفاقية أوسلو عام 1993. في هذه الفترة وبطريقة صامتة عملت إسرائيل على توسيع وتسمين المستوطنات القائمة خاصة تلك التي تحمل بعدا استراتيجيا في عملية قضم الأراضي الفلسطينية مثل كريات أربع قرب الخليل وإرييل قرب نابلس ومعالي أدوميم بين القدس وأريحا وجبعات زيف ورموت قرب القدس، واستمر هذا التوجه حتى ما بعد توقيع اتفاق أوسلو.

مرحلة ما بعد أوسلو

بعد اتفاقيات أوسلو تطورت حركة الاستيطان كثيرا وشعرت إسرائيل أن التهديد الذي كانت تمثله منظمة التحرير الفلسطينية قد مضى. فمضت تتوسع في بناء المستوطنات الجديدة وتسمين المستوطنات القديمة وبطريقة مدروسة بحيث يتم الاستيلاء على أكبر مساحة من الأرض وإقصاء أكبر عدد من السكان كما قلنا. لقد بلغ عدد المستوطنين من 253 ألفا عند توقيع الاتفاقية المشؤومة إلى أكثر من 700 ألف مستوطن عام 2018 ما عدا القدس، يشكلون أغلبية سكانية في منطقة “جيم” في الضفة الغربية. لقد وزع هؤلاء المستوطنون بطريقة تمنع وإلى الأبد قيام دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة ومترابطة وقابلة للحياة.

لقد أقدمت قيادة منظمة التحرير على توقيع اتفاقيات أوسلو رغم أنها كانت في وضع يسمح لها بالتفاوض من موقع قوة وتستطيع أن تلتزم بما جاء في القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة حول الاستيطان والقدس مدعومة بالانتفاضة الشعبية والتفاف الشعوب العربية حولها ووقوف الدول الإسلامية وقوى السلام في العالم معها. فعلاقاتها الدولية ودعم الأمة العربية لها في السبعينيات خاصة أدى إلى صدور عدد كبير من القرارات الدولية لصالح الحقوق الفلسطينية واعتبار الإجراءات الإسرائيلية سواء في تهويد القدس أو بناء المستوطنات لاغية ولا قيمة قانونية لها وخاصة القرار رقم 446 لسنة 1979 الذي أكد أن الاستيطان ونقل السكان الإسرائيليين للأراضي الفلسطينية غير شرعي، والقرار رقم 452 لسنة 1979 ويقضي بوقف الاستيطان حتى في القدس وبعدم الاعتراف بضمها والقرار رقم 465 لسنة 1980 الذي دعا إلى تفكيك المستوطنات، والقراراين 476 و 478 (1980) المتعلقين بالقدس واعتبار القانون الأساس لاغيا ولا قيمة قانونية له.

 ومع هذا دخلت القيادة في اتفاق غامض لا يلزم الإسرائيليين بشيء إلا بالمفاوضات، كما قال شامير “سنفاوضهم عشرين سنة”. فبينما كان الفلسطينيون يفاوضون على قضايا ثانوية مثل صلاحيات السلطة والترتيبات الأمنية وعدد بطاقات الفي أي بي، كانت إسرائيل تبتلع الأرض وتتمدد في كل اتجاه وترتكب المجازر وتغتال القيادات وتعيد احتلال المدن وتفتح الطرق الإلتفافية وتوسع المستوطنات وتقيم بؤرا استيطانية في القدس وخارجها وتربط المستوطنات بشبكات الطرق والمياه والكهرباء وتجرب كافة أسلحتها الجديدة والقديمة في حروب متواصلة على غزة. بالنسبة لإسرائيل ظلت تنتظر اللحظة المناسبة لتشريع الضم وإعلانه للعالم بالإستناد إلى دعم أمريكي فقط.

 

الاحتلال المشكلة

لقد أخطأت قيادة منظمة التحرير في أنها لم تستند في المفاوضات إلى القانون الدولي كمرحعية تثبت أن هذه أراض محتلة. إذ إن كلمة احتلال لم ترد في اتفاقيات أوسلو وبالتالي الغيت المرجعية القانونية التي كان يجب أن يستند إليها المفاوض الفلسطيني. فالاحتلال هو أصل القضية (نتكلم عن ما بعد 1967 ولا يعني أنني أعترف بأن فلسطين التاريخية غير محتلة) والاحتلال هو جريمة الحرب وهو أعلى نوع من إرهاب الدولة ومقاومته حق مكفول.

تنص الفقرة الخامسة من قرار الجمعية العامة رقم 3236 الصادر بتاريخ 22 تشرين الثاني/نوفمبر 1974 على ما يلي: “وتعترف كذلك بحق الشعب الفلسطيني في استعادة حقوقه بكل الوسائل وفقا لمقاصد ميثاق الأمم المتحدة ومبادئه”.

كان على خلية المفاوضات أن تثبّت أولا أن المفاوضات على جميع الأراضي التي احتلت في حرب 1967 وهذه الأراضي أخذت بالقوة وضم الأراضي بالقوة عن طريق الحرب أمر غير شرعي كما نصت عليه القوانين الدولية، ولذلك كان يجب أن تكون نقطة الانطلاق: “الاحتلال وكل ما نتج عنه، ومرجعيتنا في المفاوضات هي قرارات الشرعية الدولية وفقط… ويمكن أن نتفق على بعض التعديلات هناك وهناك مقابل ربط غزة بالضفة الغربية”.

فالقانون الدولي عند وقوع حالة الاحتلال يسير في ثلاثة اتجاهات: مسؤولية القوة القائمة بالاحتلال، ومسؤولية وحقوق وواجبات السكان الواقعين تحت الاحتلال وكذلك وضعية الأرض التي يتم احتلالها والسكان القاطنين فيها. ويقر القانون الدولي مبدأ لا خلاف عليه وهو “عدم جواز ضم أرض بالقوة” وهذا ما يفسر عدم اعتراف أي دولة في العالم بضم إسرائيل للجولان والقدس والضفة الغربية وغزة (قبل تحويلها إلى احتلال من الخارج بدلا من الداخل).

 لذلك نحن لم نفاجأ بإعلان النية لضم المستوطنات وغور الأردن لأنها أصلا مضمومة في الواقع وتستغل إسرائيل الأرض وخيراتها ومياهها الجوفية وتمنع الفلسطينيين من الوصل إليها. لكن وجود ترامب في البيت الأبيض سهل إعلان الضم رسميا استنادا إلى قانون القوة الرعناء التي أطلقها ترامب ضد الفلسطينيين والعرب بشكل عام.

القرارت الدولية مهمة جدا إذا أسندت بقوة الدفاع عنها بكل الوسائل. فالشرعية الدولية يجب أن تعطي أصحاب الحق قوة لتنفيذها وتحويلها إلى برامج تحرير لا ورقة مساومة رخيصة. وإسرائيل ما فتئت تدوس على تلك القرارات وخاصة في هذه المرحلة التي يقتل العرب فيها بعضهم بعضا. وإذا استمرت هذه الحالة من التردي فما الذي يمنع إسرائيل أن تعلن نهارا جهارا بأن كل الضفة الغربية بما فيها القدس هي جزء لا يتجزأ من أرض إسرائيل… أليس هذا هو الواقع الآن… بينما تظل القيادة البائسة تتحدث عن الشرعية الدولية والمجتمع الدولي والمفاوضات وحل الدولتين ومسؤولية إسرائيل في إفشال عملية السلام؟ يذكرني هذا بالمثل العربي القديم “أشبعتهم سبا وأودوا بالإبل”.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية