يواصل الاحتلال الإسرائيلي تطويق مخيم جباليا شمال قطاع غزة من كل المداخل، وإطلاق النار على كل من يتحرك ويقصف السكان والنازحين داخل مساكنهم بالمدفعية، وذلك تمهيدا لتطبيق خطة الجنرالات التي تم إعدادها قبل أيام وصادق المستوى السياسي عليها، بهدف إفراغ سكان شمال غزة ودفعهم للنزوح قسرا نحو جنوب القطاع وسيطرة الاحتلال على المنطقة بأكملها.
وتعتبر العملية العسكرية في مخيم جباليا الأعنف والأشد قسوة، حيث يستخدم الاحتلال كافة أدواته لقتل المدنيين العزل، ودفعهم إلى التهجير قسرا نحو مناطق جنوب قطاع غزة، وسط رفض مطلق من قبل الأهالي الانصياع لأوامر الجيش، حيث بدأ الجيش الإسرائيلي الأحد الماضي عملية عسكرية ضد مخيم جباليا، تحت ذريعة القضاء على محاولات ترميم حماس قدراتها العسكرية وبدأ العملية بإطلاق قذائف مدفعية تجاه منازل المواطنين وإطلاق النار تجاه كل من يتحرك في الشوارع والطرقات، وتعتبر العملية العسكرية الشرسة على مخيم جباليا الثالثة منذ بداية حرب الإبادة مطلع تشرين الأول/أكتوبر 2023 حيث يحاصر الجيش كافة مداخل المخيم بالسواتر الترابية، وينشر قناصة على المنازل المرتفعة، إلى جانب نشر طائرات الكواد كوبتر التي تطلق النار على كل من يتحرك، ويتزامن هذا الحصار مع قصف مدفعي على منازل المواطنين والمناطق المحيطة بالمخيم، ومنها بيت حانون وبيت لاهيا ومنطقة الصفطاوي.
وحذرت الهيئة الوطنية لدعم حقوق الشعب الفلسطيني «حشد» من تمادي الاحتلال في جرائم الإبادة ضد المدنيين في مخيم جباليا وارتكاب مجازر إبادة وتطهير عرقي ضمن خطة تفريغ سكان الشمال بالحصار والقوة، وطالبت بضرورة التدخل الدولي العاجل لوقف تطبيق خطة الجنرالات، والتي تهدف لتفريغ السكان واحتلال شمال قطاع غزة، بارتكاب المزيد من المجازر والإعدامات الميدانية بحق المحاصرين ومن يريدون الخروج من المخيم.
نسف المنازل
داخل مخيم جباليا حيث يتواجد المئات داخل منازلهم والبعض لجأوا لمراكز الإيواء بعد قصف منازلهم، حيث يرفض عدد كبير من الشبان والنساء الخروج، وخلال اتصال هاتفي مع عدد من النازحين الصامدين داخل مستشفى اليمن السعيد وسط المخيم، أجمع النازحون على رفضهم الخروج من المخيم تحت أي ظرف كان، مطالبين بانسحاب الجيش والعودة للعيش فوق ركام منازلهم، التي يتعمد الاحتلال نسفها خلال العملية الدائرة في المخيم ومحيطه.
يقول المواطن سمير حسونة الذي نزح من منطقة تل الزعتر شرق المخيم إلى المستشفى «إننا صامدون أمام كل محاولات الاحتلال ارتكاب المجازر والتطهير العرقي، والإجبار على الخروج وترك المخيم، فلا نعرف سوى طريق واحد في ظل هذه الهجمة الشرسة وهو طريق الجنة».
وأشار في حديثه لـ«القدس العربي» إلى أن «الاحتلال يواصل قصف محيط المستشفى بالقذائف المدفعية، وطائرات الكواد كوبتر تطلق النار نحو نوافذ المستشفى، وهناك عدد من الشهداء داخل ساحة المستشفى بعد سقوط قذائف مدفعية على خيام النازحين، ونعجز عن الخروج لنقلهم ودفنهم في أقرب مكان، نتيجة حدة القصف واستهداف كل من يتحرك، إلى جانب تعرض النازحين إلى نقص حاد في المستلزمات الأساسية من ماء وغذاء ودواء».
واستنكر المواطن «الصمت العارم عن جريمة الإبادة التي يمارسها الاحتلال ضد المدنيين العزل المحاصرين داخل مخيم جباليا والمناطق المحيطة منذ أيام، وانتشار جثث الشهداء في الشوارع مطالبا كل أحرار العالم بالخروج لفك الحصار عن مخيم جباليا».
أما حسن درويش الذي لا يزال برفقة أسرته يمكث داخل المستشفى، ورفض رغم القصف الشديد والجوع والعطش واحتمالية فقدان حياته وأسرته في أي لحظة، الخروج من المستشفى وتحقيق مراد الاحتلال من عملياته العسكرية بتفريغ المخيم والمنطقة بشكل كامل.
ويقول لـ«القدس العربي»: «واجهنا أصعب أيام منذ بداية الحرب داخل المخيم، تحملنا الجوع والعطش والقصف والإبادة فداء للوطن ورفضا لأي مخططات تهجير، واليوم وفي ظل الهجمة التي تعتبر الأعنف، سنبقى صامدين حتى لو دخل الجيش المشفى وأجبرنا على الخروج لن ننصاع للأوامر، وسنبقى أمام خيار واحد فقط أما البقاء أو الموت».
ويوضح أن» ما يدور داخل المخيم جريمة إبادة بمعنى الكلمة، فهناك عدد من الشهداء منهم أشلاء أمام بوابة المشفى ولا يسمح بوصول الطواقم الطبية لانتشالها، وهذا المشهد هو الأصعب ولم يعهد أن شاهدنا مثله من قبل».
ويتخوف «وفي ظل الصمت المجحف من وصول الجيش للنازحين والسكان داخل منازلهم والقيام بإعدامات ميدانية لتطبيق الخطة بالقوة، بسبب رفض الغالبية الكبرى من السكان الخروج وإفراغ المخيم لطموحات الاحتلال».
استهداف
الصحافيين
وإلى جانب ارتكاب الجيش عمليات قتل متعمدة ضد كل من يحاول التحرك داخل شوارع وأزقة المخيم، يتعمد في المقابل قتل واستهداف الطواقم الصحافية لمنع نقل ما يجري من إبادة بشعة ضد المحاصرين، حيث تعرض عدد من الصحافيين إلى الاستهداف المباشر، وبالتحديد من طائرات الكواد كوبتر المسيرة التي تطلق الأعيرة النارية عليهم، ما يعيق عمل المصورين والمراسلين في الميدان. يقول الصحافي أنس الشريف الذي يعمل مراسلا لقناة «الجزيرة» إنه يواجه معوقات صعبة خلال مسيرة عمله مع اشتداد العملية العسكرية على مخيم جباليا يتعمد الاحتلال خلالها منع نقل أي صور عن ما يقوم به من جرائم».
وأشار في حديثه لـ«القدس العربي» إلى أنه تعرض لإطلاق نار أكثر من مرة خلال محاولة تنقله ونقل معاناة النازحين والمحاصرين داخل المخيم، مؤكدا أن الاحتلال يتعامل مع الصحافيين على أنهم أهداف عسكرية خلال عمليته، ويستهدف كل من يمكن رؤيته يتحرك».
ولفت إلى أن «شوارع مخيم جباليا تتكدس بالشهداء والجرحى، الذين يصعب الوصول إليهم وإنقاذهم نتيجة القصف العشوائي المستمر، حيث يوصف ما يجري بالكارثة غير المسبوقة والخطيرة».
في سياق ذلك يقول الناطق باسم الدفاع المدني في غزة محمود بصل إن «الاحتلال يرتكب مجازر إبادة جماعية بحق السكان المحاصرين داخل مخيم جباليا منذ أيام، وهناك عشرات الجثث منتشرة في الشوارع وبين أزقة المخيم، إلى جانب وجود محاصرين تحت ركام منازلهم ويناشدون الدفاع المدني والطواقم بسرعة الوصول لإنقاذهم».
ولفت في حديثه لـ« القدس العربي» إلى أن «الاحتلال يرفض إدخال الماء والغذاء والوقود إلى السكان والمستشفيات داخل المخيم، وهذا أثر على عمل المنظومة الصحية بعد توقفها عن العمل نتيجة نفاد الوقود، وهذا أيضا يهدد بتسجيل أعداد كبيرة من الشهداء نتيجة عجز الطواقم الطبية عن التعامل مع الأعداد الكبيرة من الإصابات».
وطالب بصل «المنظمات الدولية والصليب الأحمر بالتدخل العاجل لإنقاذ المحاصرين، من خلال السماح لطواقم الإسعاف والدفاع المدني بالوصول إلى داخل المخيم وإنقاذ أرواح المصابين وانتشال المحاصرين داخل البنايات المهدمة وإدخال المستلزمات الأساسية من ماء وغذاء ودواء».