الاحتلال يواصل محو المعالم العربية الإسلامية ونفي السطو المسلح على أراضي ومنازل الفلسطينيين- (صور)

حجم الخط
1

الناصرة – “القدس العربي”:

عشية الذكرة السنوية للنكبة واحتلال أول مدينة فلسطينية (طبرية) 18 نيسان/ابريل عام 1948 قبيل احتلال حيفا بأيام، تؤكد باحثة إسرائيلية أن استمرار الإسرائيليين في طمس ذاكرة النكبة والتنكر لما ارتكبوه بحق الفلسطينيين يكرّس الصراع مشيرة الى منهجية تهويد أسماء الأماكن الفلسطينية.

وتؤكد الباحثة الإسرائيلية نوغا كدمان أن إمعان إسرائيل في إقصاء النكبة والقرى المهجرة من ذاكرة الإسرائيليين ووعيهم يحول دون تسوية الصراع مع الفلسطينيين مشددة على خطورة تجاهل جذوره الأصلية. وتوضح كدمان في محاضرة احتضنتها جمعية “ذاكرات” في تل أبيب، استنادا لدراسة أعدتها قبل سنوات بعنوان “على جنبات الطريق وهوامش الوعي” – إقصاء القرى الفلسطينية المهجرة من التخاطب والحوار في إسرائيل” أن السلطات الإسرائيلية تواصل بشكل منهجي طمس المعالم العربية الإسلامية للبلاد من التاريخ والذاكرة الجماعية لدى الإسرائيليين بعد محوها الجغرافي.

وتؤكد أن المنهجية الإسرائيلية المعتمدة منذ النكبة في إقصاء القرى المهجرة من مشهد الحوار في إسرائيل في عدة مجالات ووسائل منها محو تسميات الأمكنة الفلسطينية أو عبرنتها، وإزالتها من الخرائط الرسمية، وتجاهل تاريخ وهوية القرى الواقعة ضمن المنتزهات الوطنية. وحسب كدمان تدأب سلطة حماية الطبيعة الإسرائيلية على شطب الحقبة التاريخية العربية – الإسلامية من اللافتات التي تشرح تاريخ الأمكنة في نطاق المتنزهات الوطنية فيما يتم إبراز تاريخها القديم والتعامل معها كجزء من الطبيعة فقط.

وفيما تتجاهل أو تهمش التاريخ العربي للقرى المهجرة خاصة ذات الآثار التاريخية تعنى السلطات الإسرائيلية بإظهار الصلة اليهودية للمكان من الناحية التاريخية ضمن مساعي التهويد. على سبيل المثال توضح أنه في قيساريا حيث هناك آثار عربية كبيرة ومسجد بنيت جذوره في فترة الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان تقتصر الشروحات على الحقبتين البيزنطية والصليبية فقط. وهكذا في قرية الزيب قضاء عكا تم القفز عن الحقبة العربية.

إسرائيل في خرائطها وتسمياتها ومطبوعاتها تلغي كل ما من شأنه التذكير بعشرات المجازر التي اقترفتها

أما في عين الزيتون قضاء صفد فتقول الباحثة إن اللافتة المثبتة في المكان تتجاهل المذبحة التي قتل فيها العشرات من النساء والأطفال في وادي الحمضيات بعد إطلاق الرصاص عليهم من قبل قوات الهجاناة الضاربة (البلماح) وهم مكبلو الأيدي. وهذه هي قصة قرية صلحة في الجليل الأعلى. وتضيف الباحثة: “بخلاف كافة المستوطنات فإن القادمين الجدد في كيبوتس “ساسا” المقام على قرية سعسع المهجرة قضاء صفد انشغلوا كثيرا بالمسألة الأخلاقية المتعلقة بحياتهم على أنقاض الفلسطينيين المهجّرين ومع ذلك قرروا البقاء ومواصلة حياتهم هناك، بل تفهموا هدم مسجد القرية على يد الجيش. وتشير لقيام سكان المستوطنات اليهودية التي أنشئت على أنقاض القرى الفلسطينية المهجرة منذ العام 48 بشرعنة نهب أراضي وأملاك سكانها الأصليين وسط تجاهل لتحويلهم للاجئين جراء المشروع الصهيوني وتهرب من المعضلة الأخلاقية الناجمة عن السيطرة على منازلهم وأراضيهم.

كما تنوه الباحثة الإسرائيلية الى مواصلة إسرائيل في خرائطها وتسمياتها ومجمل مطبوعاتها طمس كل ما من شأنه التذكير بعشرات المجازر التي اقترفتها الصهيونية بحق الفلسطينيين خلال النكبة كما في عرب الدوايمة والصفصاف وعيلبون ودير ياسين وغيرها. وتؤكد أن إسرائيل تغّيب كافة الظروف المتعلقة بطرد الفلسطينيين من أوطانهم، اقتراف المذابح بحقهم، تتجاهل السطو المسلح على أراضيهم وإسكان ربع مليون قادم جديد في منازل مهجرة وتبدي لامبالاة لمصيرهم إثر تحويلهم للاجئين. وتضيف” كل ذلك يبقى خارج الرواية التاريخية الإسرائيلية المهيمنة التي تقلل من حجم مأساة الفلسطينيين وقيمتها”.

هيمنة الأسماء العربية

 وتفيد أن أغلبية القرى المهجرة تظهر بهذا الشكل أو ذاك في خرائط إسرائيلية رسمية ولكن على نحو ناقص وجزئي كمواقع مجهولة بدون أسماء أو بأسماء مفبركة منوهة إلى أن الصهيونية استخدمت التسميات ووضع الخرائط جهازا لتحقيق أهداف أهمها تهويد البلاد. وتشير لوجود 9000 اسم عربي لمواقع في فلسطين اكتملت خلال 1400 سنة – منذ الفتوحات العربية فيما شكلت الأسماء العبرية 5% فقط من أسماء المواقع في الخرائط الانتدابية للبلاد.

الزيب قضاء عكا

واستعرضت الباحثة مسيرة “احتلال الأسماء من خلال لجنة تسميات حكومية تشكلت عام 1949 وتقتبس ما قاله دافيد بن غوريون وقتها في هذا المضمار: “علينا استبعاد الأسماء العربية بدوافع سياسية فكما لا نعترف بالملكية السياسية للعرب في البلاد فإننا لا نعترف بالملكية الروحانية وبتسمياتهم”. وتؤكد أن التسميات الممنوحة للمواقع والمستوطنات اليهودية اعتمدت في الواقع على التسميات العربية، بواسطة الترجمة (175 اسما) أو نحت اسم مشابه موسيقيا (150) أو بواسطة الإبقاء على الأسماء العربية (8 أسماء) أما بقية الأسماء التي حددت فهي تاريخية (120) أو توراتية (50) وأسماء جديدة (30).

وعلى هذه الخلفية صار مقام أبو هريرة “تل حرور” وقرية البصة أصبحت “بيتست” والدوايمة – ” بيت أدمونة” وعراق سويدان غدا – “تسفتسوفة”، وفراضية – “فرود” – ” سيديم” بعد تحريف الاسم ومقاربته من ناحية النغمة. وبشكل شاذ جدا أصر سكان كيبوتس الكابري على الاحتفاظ باسم القرية المهجرة الكابري في قضاء عكا رافضين تسمية لجنة التسميات رغم تهديداتها بالتوجه للقضاء، وهكذا كيبوتس الحميدية والشيخ مونس والجماسين وسلمة (أحياء في تل أبيب). ولغرض خلق الحيز اليهودي في فلسطين طمست إسرائيل الفلسطينيين – السكان الأصليين وتراثهم من الجغرافيا والوعي والرموز ولهذا الغرض تواصل إقصاء المواطنين العرب فيها لهوامشها والتنكر للاجئين خارج حدودها، موضحة أن ثمة منظمات وجهات حكومية تعمل لتحقيق الهدف المذكور منها لجنة التسميات الحكومية، مركز الخرائط، الصندوق القومي لإسرائيل، سلطة حماية الطبيعة وغيرها.

 ورغم إلزامها قانونيا بالعمل لصالح كافة المواطنين في إسرائيل تعمل هذه الجهات الرسمية كـ وكيل أيديولوجي (صهيوني) أساسي للتوسط بين الإسرائيليين اليهود وبين الكيان ولتهويد فلسطين ولتكريس هذه الأفكار الصهيونية عبر إدخالها لوعي الإسرائيليين وبذلك تسهم في بلورة هويتهم الوطنية والمحافظة عليها”. وتلفت الباحثة الى أن هذه العملية تتم من خلال استحضار هذه الأفكار للحياة اليومية لدى الإسرائيليين كاستخدام أسماء الأماكن والخرائط، التنزه في الطبيعة أو السكن في مستوطنات ريفية وغيرها من النشاطات التي يصطدم فيها الإسرائيليون بالقرى المهجرة.

وتشدد الباحثة على أن نشاط هذه الفعاليات ساهم في تنشئة أجيال إسرائيلية بلا وعي كاف لديها لوجود قرى فلسطينية مهجرة تحت مستوطناتهم. وتفيد أن الصورة العامة المنقولة للإسرائيليين مشتقة من الرواية الصهيونية المهيمنة: بلاد يهودية مع قليل من التراث والتاريخ والجغرافيا العربية فرّ سكانها العرب وهم لا يعنوننا”. وتوضح أن التضييق على القرى المهجرة وتاريخها أدى إلى التقليل من وزنها في فهم الصراع لدى الإسرائيليين. وتضيف: “وهذا بالتالي ترك انعكاسات سياسية آنية، فتجاهل ملابسات تفريغ القرى من سكانها الأصليين من الزلزال الذي ضربهم عام 48 ومن نتائجه على اللاجئين حتى اليوم يحيد البعد الإنساني لحالة الفقدان الفلسطينية وتنزعه من صورة الصراع المتاحة للإسرائيليين”.

ويتسبب ذلك، حسب كدمان، في تسطيح الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي المركب في وعي الإسرائيليين ولتجاهل الثمن الشخصي الباهظ الذي سدده اللاجئون وما زالوا ولتعزيز نظرة شيطنتهم من قبل الإسرائيليين. ورغم مسؤوليتها عن حالة اللجوء الفلسطينية تتنصل إسرائيل من تفريغ القرى وتدميرها وتستنكف عن الانشغال في قضايا أخلاقية مرتبطة بخلق حالة اللجوء وتكريسها. وتقدم شروحات عن ملابسات احتلال وهدم القرى الفلسطينية ودواعي هدمها كالانتقام من سكانها كما جرى في قريتي الكابري والزيب انتقاما من معركة الكابري الشهيرة التي قتل فيها نحو 70 جنديا إسرائيليا في مارس/آذار 1948. وتؤكد أن القيادات الإسرائيلية أيدت تخريب القرى الفلسطينية المهجرة لقطع الطريق أمام عودة اللاجئين وتكشف عن تأييد سلطة الآثار الإسرائيلية لعمليات هدم القرى حتى ذات القيمة الأثرية ما يدلل على طبيعتها السياسية الكولينيالية لا العلمية.

وتنبه الى أن عمليات الهدم للقرى المهجرة تمت بالتدريج تحاشيا لإثارة ردود فعل غاضبة وشملت النقلة الأخيرة 131 قرية منها صفورية، لوبية، زكريا، القباب، تل الصافي، الخيرية وغيرها من القرى التي دمرت في الستينيات فيما مرت أعمال التدمير بهدوء”. وتابعت: “لقد ضّيق الإسرائيليون ذاكرة القرى المهجرة بشكل جماعي وسط عملية احتكار مباشرة من قبل الدولة التي تفضل إبقاء وعي الإسرائيليين نائما ومزيفا حيال ذلك”.

وطبقا للباحثة الإسرائيلية يقف خلف إقصاء القرى المهجرة من التخاطب الإسرائيلي العام منطق سياسي يتساوق مع أيديولوجية التهويد والنظام الإتنوقراطي لدى إسرائيل والمدفوعة بالرغبة في تكريس السيطرة اليهودية في البلاد”. وترى أن التهديد الأكبر بالنسبة لإسرائيل في سياق هذا الطموح هو عودة اللاجئين لمواطنهم الأصلية داخلها. وتقول إن القرى المهجرة تشكل تذكيرا دائما بهذا التهديد. ويشكل موضوع اللاجئين لدى إسرائيل مصطلحا مهددا لكنه ” فارغ المضمون” وغير مدعوم بعملية إكساب معرفة وإدراك الخطوات الجغرافية والتاريخية التي خلقته في الماضي وللحالة الراهنة للاجئين وعائلاتهم.

 

الملف النازف

وعلى غرار بعض الباحثين الإسرائيليين القلائل أمثال ايلان بابيه وأوري افنيري تؤكد كدمان أن مواجهة حقيقة ما جرى عام 48 على مستوى الفرد والجماعة في إسرائيل من شأنها أن تكون صادمة ومنوطة بفتح الجراح والقبور لكنها ستلعب دورا تحريريا لاحقا. وتضيف “أن تدمير القرى الفلسطينية ونهبها في النكبة ومحو مئات السنوات من تاريخها هي عناصر مركزية في الرواية والذاكرة الجماعيتين لدى الفلسطينيين ومرتبطة بمشاعر الفقدان والظلم الناجم عن قيام وممارسات إسرائيل”. وتشدد على أن اعتراف إسرائيل بآثار انتصارها بالنسبة للآخر فقدانه وشرعية روايته وذاكرته الجماعية وفهم أسبابها والتخلص من معتقدات بررت عمليات عدوانية ضد كل ذلك سيؤدي لفهم عميق ومتعدد الأبعاد وإنساني أكثر للصراع وتتابع: “وهذه عملية حيوية من أجل الوصول لتسوية شاملة حقيقية وطويلة الأمد للصراع القومي يشمل تصالحا لا اتفاقات تقنية فحسب”. وتعتبر الدراسة أن التخاطب العام في إسرائيل والمتعلق بالقرى المهجرة ممكن أن يشكل مؤشرا على مدى قدرتها الاعتراف بالرواية الفلسطينية ولاستعدادها التوصل لمصالحة وتسوية حقيقية للصراع.

وتستذكر الباحثة ما قاله المفكر الراحل إدوارد سعيد بأن أغلبية الإسرائيليين ترفض الاعتراف بقيام إسرائيل على أنقاض المجتمع الفلسطيني وبأن فسحة الأمل بالسلام لن تتأتى إلا إذا قبل الإسرائيليون الذاكرة الأكثر قوة لدى الفلسطينيين وهي سلب شعب بكامله لوطنه. وخلصت للقول “لكن الصورة الراهنة هي الاضطهاد وإقصاء القرى المهجرة للهوامش ما لا يترك أملا كبيرا بالسلام، حسب سعيد.

كما اقتبست مقولة أخرى تضمنتها دراسة إسرائيلية لستينلي كوهين تقول إن الأشباح التاريخية الخاصة بالقرى المهجرة تحفظ داخل الخزائن بدافع الحاجة السياسية بالتخلص من الاعتراف المقلق بحق الآخر”. وتنوه إلى أن السنوات الأخيرة ورغم ما ذكر تشهد أصواتا قليلة وغير رسمية في إسرائيل تدعو لإعادة هذه القرى للوعي وللتخاطب العام أبرزها منظمة ” ذاكرات” المختصة منذ تأسيسها عام 2001 لتعميم الرواية الفلسطينية على الإسرائيليين بالزيارات الميدانية والمطبوعات وعبر وسائل الإعلام.

وتؤمن كدمان أنه “لا بد من ذلك بغية التعرف على الجذور والفقدان والغياب ورؤية الأحداث كمسلسل تاريخي متواصل والاعتراف بالظلم وانتزاع الملكية وتحمل المسؤولية وتطوير نقاش أخلاقي قيمي. ومن هنا محاولة التقدم للأمام في مسار يمكّن من مستقبل مختلف عماده الرفاه والبناء والمساواة والمشاركة”.

ودون الإشارة لحق العودة وموقفها منها توضح أنها لا تملك جوابا واحدا للسؤال حول ماهية هذا المسار وصبغته، وتضيف: “بين هذا وذاك ينبغي أن تكون مواجهة أحداث الماضي صريحة واعترافا حقيقيا بالثمن الباهظ الذي سدده الفلسطينيون، وبلورة تسوية دائمة للضائقات الإنسانية التي تشكلت وقتذاك وحتى اليوم”.

وتشدد على أن إدخال القرى المهجرة للوعي وإعادتها لتاريخ وجغرافيا البلاد هو خطوة بهذا الاتجاه وترى باستحضار أطلال الماضي إلقاء للضوء على جذور الصراع الراهن ونسج الطريق لمستقبل من المصالحة. وقدمت مثالا على ذلك من الأحداث الأخيرة بالإشارة لعملية تل أبيب التي نفذها رعد فتحي حازم وقالت إنه ابن لعائلة مهجرة من شفاعمرو منذ نكبة 1948 لكن الإسرائيليين اعتبروه من مخيم جنين فقط وسط تجاهل البدايات.

مسجد حطين

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية