«الاحتياطي»: وراء كلّ كتاب خطير امرأتان

حجم الخط
2

في أواخر شهر أغسطس/آب سنة 1997 قررت أنا وصديقاتي اللواتي جئن لحضور مناقشتي للماجستير في جامعة عين شمس في القاهرة، أن نزور لندن مكافأة عن أربع سنوات من التعب والبحث، رغم قلة إمكاناتنا يومذاك. ولم أكن أعلم أنّ القدر قد خبأ لي مفاجأة في بداية سفري، ففي صبيحة وصولنا بعد رحلة ليلية مرهقة، أفقت متأخرة على صوت صديقتي تناديني وهي متسمرة أمام التلفزيون، قائلة يبدو أن الأميرة ديانا ماتت! وقفت مذهولة وأنا أرى التلفزيون البريطاني ينقل الحدث مباشرة. خرجت مع صديقاتي إلى أقرب محل ورود واشترينا باقات واتجهنا نحو القصر الملكي، غير أن الحشود أعاقت تقدمنا فوضعنا ورودنا في أول تجمّع صادفنا قرب محلات هارودز، حيث أوقدت الشموع لدودي الفايد ابن صاحب المحلات وديانا اللذين قتلا معا.

بعد مقتل الأميرة بأيام شهد ملياران ونصف مليار مشاهد مراسم دفن الأميرة، ولفت نظري مثل كثيرين غيري مشهد الأمير هاري ذي السنوات الاثنتي عشرة وهو يسير خلف الجنازة من قصر «كنسينغتون» إلى كنيسة «وستمنستر» مع أفراد العائلة المالكة. مشهدٌ وصفه إيرل سبنسر شقيق الأميرة ديانا بأنّه كان «غريبا وقاسيا» وكأنّ الأمير هاري دُرِّب لسنوات على أداء هذا الدّور، هذا الوقار وتقاليد مئات السنين من الطقوس الملكية كاد ينسينا أن هاري ليس سوى طفل صغير ماتت أمه للتوّ. تذكرت كلّ هذا وأنا أقرأ عن كرة الثلج التي تدحرجت بصدور مذكرات ذلك الولد، الذي أصبح في التاسعة والثلاثين من عمره الآن.

استوحى الأمير هاري عنوان مذكراته «الاحتياطي» أو «البديل» من جملة قالها والده الملك تشارلز للأميرة ديانا عند ولادة هاري «رائع! لقد أعطيتني الآن وريثا واحتياطيا، لقد انتهى عملي» فهاري إذن ليس سوى قطع غيار لأخيه ولي العهد، إن احتاج إلى زرع أعضاء أو نقل دم كما قال عن نفسه. وهي كلمة حفرت في نفسه كثيرا إلى درجة أنه حاول نصح أخيه الأمير وليم أن يجنّب أبناءه الشّرب من هذه الكأس المرّة قائلا: «أعلم أنه من بين هؤلاء الأطفال الثلاثة، سينتهي أحدهم على الأقل مثلي، احتياطيّا. وهذا يؤلمني ويقلقني». يقول هاري إنه قرر كتابة مذكراته حين سافر إلى بريطانيا لحضور جنازة جده في أبريل 2021. فحينها أدرك أن والده وشقيقه لا يفهمان حقيقة سبب انتقاله مع زوجته ميغان إلى كاليفورنيا، فكان عليه أن يخبرهم. لكن ألم تكن إرهاصات المذكرات واضحة في المقابلة الشهيرة للثنائي هاري وميغان مع أوبرا وينفري بشهر قبل وفاة الجد؟ ثم لماذا الآن بعد أشهر من وفاة جدته الملكة إليزابيث وقبل أشهر أيضا من تتويج والده تشارلز الثالث رسميا ملكا، وزوجته غريمة أمه كاميلا ملكة؟

في الكتاب مقاطع كثيرة عن الأميرة ديانا وكأنه يقول إنها لم تغب قط، فهي حاضرة في كل تفصيل، بل يعود إلى الصورة الذي ذكرتُها في أول المقال ويقف عندها ليبرر أو ليشرح ما حدث يومها، وكيف أنه شعر بالذنب خلال جنازة والدته، فالملايين يبكونها في حين أنه وأخوه أقرب الناس إليها غير مسموح لهم بالتعبير العلني عن حزنهم «أتذكر الأيدي المبلّلة (للمعزّين) التي كنّا نصافحها، لم نتمكن حينها من تحديد سبب ذلك، لكن يبدو أنّها كانت من آثار مسحهم لدموعهم» كما قال في مقابلة على شبكة «أي تي في». وكم هو مؤلم حين يروي أن أباه تشارلز أخبره بموتها وهو في فراشه في قصر «بالمورال» دون أن يعانقه، بل ذهب أبعد من ذلك فهو لم يتقبل موت أمه، وبقي يعتقد أنها اختفت لتبتعد عن الضغوطات الكبيرة التي كانت عرضة لها من القصر والصحافة على السّواء. مع يقينه من أنها ستتصل به يوما بطريقة ما لدعوته للالتحاق بها، لكنه حين اطّلع على الملفات السرية للشرطة حول مقتلها سنوات بعد الحادثة، أشار بإصبع الاتهام إلى أن الملاحقة اللصيقة «للباباراتزي» هي التي تسببت في مقتلها، وعبّر عن ذلك بكلمات تنضح ألما «لم أكن أعلم قبل هذه اللحظة أن آخر ما رأته أمي على هذه الأرض كان وميض الفلاش».

أما الحاضرة الأخرى وبقوّة في الكتاب فزوجة الأمير هاري، ميغان ماركل، ويكفينا لفهم دوافعه لكتابه مذكراته ما طالب به عائلته من الاعتذار لها في لقاء مع صحيفة «الديلي تلغراف» قائلا: «تعرفون ما فعلتم، وأنا مدرك لسبب قيامكم بذلك، لذا اعتذروا» متّهما إياهم بتغذية الصحافة الصفراء لتشويه صورتها.

وكان يرغب مع أخيه في أن يُفتح تحقيق جديد في سبب وفاتها، غير أن هناك من كان يعارض ذلك دوما. وحاول بنفسه إيجاد جواب عمّا يؤرقه من أسئلة أحاطت بمقتلها، فقاد سيارته في نفق «ألما» حيث ماتت الأميرة، في سرعة السيارة نفسها، التي كانت تقلّها ليفهم ما حدث، لكنه اعتبر ذلك في ما بعد أمرا سيئا، بل يعزو سبب تعاطيه المخدرات إلى رغبته في تجاوز هذه المأساة في حياته. وحتى في الكلمة التعريفية في المذكرات، اختار الناشر أن يعود لمشهد الجنازة حتى تبقى الأميرة ديانا حاضرة في ذهن المتلقي، في إشارة إلى أنها الغائبة الأشد حضورا عند ابنها، فلا ملكة على القلوب سواها، وإن تُوّجت غيرها بتاجها وجلست على عرشها.

أما الحاضرة الأخرى وبقوّة في الكتاب فزوجة الأمير هاري، ميغان ماركل، ويكفينا لفهم دوافعه لكتابه مذكراته ما طالب به عائلته من الاعتذار لها في لقاء مع صحيفة «الديلي تلغراف» قائلا: «تعرفون ما فعلتم، وأنا مدرك لسبب قيامكم بذلك، لذا اعتذروا» متّهما إياهم بتغذية الصحافة الصفراء لتشويه صورتها. وميغان لم تغفر لهم المعاملات المتكررة السيئة التي عوملت بها فهي تبقى في نظرهم السوداء الأمريكية المطلقة التي وصفها أخوه الأمير وليم بسيئة التربية، وكتب عنها الصحافي البريطاني جيريمي كلاركسون، بأنه يحلم باليوم «الذي تُجبر فيه ميغان على السير عارية في شوارع كل مدينة في بريطانيا، بينما تهتف الجماهير في وجهها يا للعار! وترمي عليها البراز». ثم يعود ليعتذر بعد أن نددت شخصيات كثيرة بالمقالة وتلقت «منظمة المعايير الصحافية المستقلة» أكثر من عشرين ألف شكوى.

ميغان التي انسحبت مع زوجها من العائلة المالكة، وتخلت عن الألقاب الملكية مثلما فعلت حماتها من قبل، لا يمكن أن لا يكون لها دور في تشجيع زوجها على نشر مذكراته، فهي لن تغفر لهم أبدا عدم منح ابنها آرتشي لقب أمير بسبب مقدار السواد في لون بشرته، والضغوط التي تعرضت لها من الإعلام البريطاني حتى راودتها أفكار انتحارية، كما صرحت في مقابلتها مع أوبرا. وقد روّجت أوساط القصر أنها تريد أن تجعل من مذكرات الأمير هاري الكتاب الأكثر مبيعا. ولا ننسى أن الأمير هاري تحدث عن أنه «يريد مواصلة القتال بالوقوف إلى جانب زوجته، ويشجع الرجال الآخرين على فعل الشيء نفسه» لذلك يمكننا أن نقرأ المذكرات على أنها من الأسلحة غير التقليدية التي استعملها في هذا القتال. هناك مقطع في المذكرات يشي بأن وقوف ميغان في وجه العائلة المالكة، ولو خلف زوجها، ليس سوى استمرارية لوقوف الأميرة ديانا من قبل، ففي الذكرى العشرين لمقتل ديانا زار الأمير هاري وزوجته قبرها، وأخبرنا بأن ميغان ماركل زارت قبر الأميرة لتطلب نصحها، وتركهما لبعض الوقت وحين عاد وجدها جاثية على ركبتيها مغمضة العينين واضعة كفيها على حجارة القبر، وكانت قد طلبت من ديانا الإرشاد ووضوح الرؤية. إذن هي مسيرة واحدة إذا سقط منها شهيد أكمل رفيقه درب الكفاح. هل أكون مبالغة إن قلت إن مذكرات الأمير هاري «الاحتياطي» في حقيقتها هي انتقام أمّه من أبيه الملك تشارلز وزوجته كاميلا ضمنا، وانتقام زوجته من أخيه الأمير وليم وزوجته كيت، وكل من اصطف خلفهما من دوائر القصر وصحافة صفراء وإعلام موالٍ، نفذ هذا الانتقام هاري نيابة عنهما؟ هذا ما أستشعره بغض النظر عن صوابية ما فعل الأمير من فضح أسرار العائلة ونشر غسيلها على حبال الرأي العام العالمي. أليس وراء كلّ كتاب خطير امرأتان.

شاعرة وإعلامية من البحرين

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية