قد يبدو أن الجانب الأهم في مسلسل “الاختيار” هو ذلك الجانب المتصل بطبيعة الموضوع الذي ينطوي على تفاصيل الحرب الضروس ما بين جماعات التمرد المنتمية للتيارات الدينية المتشددة، والقوات المُسلحة المصرية التي تتصدى للمواجهة. لكن ثمة أبعادا أخرى خارج هذا الإطار يمكن النظر إليها باعتبارها المزايا الحقيقية للعمل الفني الدرامي الوثائقي الضخم.
فبعد توقف استمر لسنوات في مجال صناعة الفيلم الحربي ومسلسلات التجسيد البطولي لأجهزة المخابرات، خوفاً من مخاطر الإنتاج والتوزيع وكلفة الميزانية التي تعجز جهة واحدة بمفردها عن تحمل تبعاتها، بدأت مؤشرات التحول تُنبئ عن إمكانية توفير المطلوب من غطاء مالي ومعدات واستعدادات لدخول غمار التجربة تحت سمع وبصر الدولة، كي تكون هناك ذاكرة وطنية تسمح باستيعاب وحفظ ما طرأ واستجد من أحداث هي بالقطع من الأهمية بمكان بغض النظر عن مواصفاتها وطبيعتها.
وتلك خطوة مهمة لم يسبقها منذ حرب تشرين الأول/أكتوبر سوى بعض التجارب الاستثنائية المتمثلة في فيلمي “الطريق إلى إيلات” و”حكايات الغريب” للمخرجة إنعام محمد علي، وفيلم “يوم الكرامة” للمخرج علي عبد الخالق، والفيلم الأخير “الممر” للمخرج شريف عرفة، وكلها إسهامات قليلة لا تناسب تضحيات الحروب التي دارت رحاها على مدى سنوات الصراع العربي الإسرائيلي، وهي ذات الأزمة التي تعود أسبابها ومرجعياتها الأساسية إلى العامل الاقتصادي، فضلاً عن وجود عوامل فرعية أخرى قد يكون لها صلة بحالة الاسترخاء التي عاشتها البلاد إبان حُكم مبارك ولم تكن هناك مبادرات تشجيعية حقيقية من جانبه لتخليد وتوثيق الصور البطولية على اختلاف نوعياتها العسكرية والإنسانية، حيث تم الاكتفاء بالأغاني لتكون عناوين للاحتفال والاحتفاء في المناسبات القومية والوطنية.
وفي ضوء هذا التقصير امتدت فترة الابتعاد عن الأفلام والمسلسلات النوعية المنوط بها تذكير الأجيال الجديدة بالمعارك والانتصارات والانكسارات بوصفها جزءا من التاريخ الحديث لا بد من الإحاطة به. وفي ظل تأخر السينما المصرية عن تتبع التواريخ والإنجازات والمراحل، نشأ الإرهاب كظاهرة مخيفة ومُقلقة فجاءت انعكاساته الإبداعية لتملأ فراغ الفيلم الحربي كتعويض للنقص في هذا المجال. ولم تقتصر المعالجات السينمائية والدرامية للظاهرة على تصوير الاشتباكات بين الأطراف المتصارعة، وإنما شملت الخلفيات الاجتماعية للعناصر المتورطة في العنف مع محاولات متباينة لرصد الظاهرة من كل الجوانب، ولهذا أصبحت المواد الفنية ذات الصلة بهذه القضية، هي الغالبة على المشهد الإبداعي والثقافي كله.
ومع كثرة النوعيات والمصنفات لم تأت كلها بالمستويات المطلوبة وإنما كان من بينها ما هو غث وسطحي ومباشر مما أفقدها وظيفتها ودورها التوعوي المنشود ، وبقيت معظم التقييمات الجماهيرية في غير صالحها ، بل إن بعضها صار مصدر سخرية وتندر ، خاصة أن من بين ما تم طرحة في سياق المعالجة كان كوميدياً بامتياز ، ولهذا كان لابد من تطوير وسائل الإقناع لتكون أكثر ملائمة للظرف الضاغط ومناسباً لحجم التحديات التي تواجهها الدول والشعوب المضارة .
ومما لا شك فيه أن مسلسل الاختيار جاء على هذه الخلفية ، حيث جرى الإعداد له على مستوى فائق من الإلمام والتحضير ، بدءً من كتابة السيناريو والحوار وانتخاب الكاتب باهر دويدار ليقوم بهذه المهمة وإمداده بكل ما يلزم من معلومات ووثائق ليحيط بأدق التفاصيل ، وأيضاً اختيار المخرج بيتر ميمي كقيم على العمل ومسئولاً مسئولية كاملة عن خُطة التصوير والتوجيه والتأثير والاستقرار على الأبطال الرئيسيين والثانويين والكومبارس المشاركين كعناصر فاعلة في عملية الإقناع التي كانت مُفتقدة في الأعمال السابقة .
وبالفعل نجح ميمي في اختيار عناصره ، أمير كرارة وأحمد العوضي وضياء عبد الخالق وبقية الممثلين الآخرين وبقي الرهان على التنفيذ لتحديد مستوى النجاح من عدمه وفق قواعد الإبداع والصناعة الثقيلة لدراما شديدة الخصوصية ، تتداخل فيها خيوط متعددة وتتشعب خلالها أجناس التأثير المختلفة من تصوير وإضاءة وموسيقى ومونتاج ومكساج واكسسوار وملابس ومعدات حربية ومفرقعات وغيرها من مكونات العمل، وتلك هي آيات الإجادة ودلائلها. فالإحكام والسيطرة على الأدوات التعبيرية من براهين التميز لدى المخرج الذي يقوم مقام المايسترو العليم بكل الرموز والإشارات وكافة أوجه التمكن في الأداء.
وتكاد تكون المُعطيات المذكورة سلفاً مُقدمة في النظرة الشمولية للعمل على فكرة النص في حد ذاته، فليس الأهم هو نوعية الحرب وهزيمة طرف أمام طرف آخر، أو الانحياز العقائدي والعاطفي لفريق بعينه، ولكن في موازين التقييم الدقيق للأعمال الكبرى، يتم التعامل مع كيفية إدارة الأدوات الإبداعية المتوافرة وبناء علية تُمنح الدرجة النهائية للمُصنف الفني بعيداً عن القناعات الشخصية وظلال التأثير العام للفكرة أو الموضوع، مهما كانت درجات الاتفاق والاختلاف حول الشكل والجوهر والإطار.